الاتحاد

الملحق الثقافي

الأزمة بدأت من هناك..

يصيغ الباحث الأميركي دايف كنساس مفاصل الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي اندلعت من السوق الأميركي في سلسلة من التحليلات والأسئلة الموثقة في كتابه “نهاية امبراطورية وول ستريت”.
يبدأ الكتاب بحث القضية من العام 2008 إذ شهدت الأنظمة المالية العالمية تغييرات جذرية إلى حدّ أنّه لم تكن تتوقّعها إلا قلّة من الناس، إذا ما افترضنا أنّ أحدا كان قادرا على ذلك.

تحليل المؤلّف

حاول دايف كنساس أن يكون دقيقا من الناحية العلمية، حكيما من الناحية المالية، مع اشراك الجانب الخلقي في المشكلة، فقال بشكل مبسّط “لقد اقترض الجميع من مصارف وشركات وأفراد مبالغ طائلة، وأنفقوها بطرق غير حكيمة. لقد اشترى الأفراد عقارات تفوق قدراتهم الشرائية، ولقد استثمرت المصارف في ديون متعلقة بالرهون التي انهارت قيمتها”.
أمّا في الجانب الخلقي، فلا يمكن اعفاء جميع الذين تورّطوا من المسؤولية أفرادا أم بنوكا أم شركات تأمين، فكل الأزمات المالية على مرّ التاريخ تختصر بالطّمع وفرط الثّقة، فالطمع هو الذي يقف خلف السّلوك اللاعقلاني الذي دائما مع تكشّف القيمة الحقيقية للأسعار المضخّمة... والطمع هو من يدفع المصارف إلى اقراض مبالغ تفوق ما تستطيع استرداده منطقيا... وبالطمع أيضا، يندفع الناس إلى تصرّفات غير منطقية على أمل ان يصبحوا في طبقة الأغنياء.
وعلى صعيد فرط الثّقة، فانّها ميزة تلغي الحذر، وتنسي صاحبها المخاطر المحتملة، فيتصرّف بتهوّر في كلّ العمليات المالية: استثمارا واقتراضا واقراضا، وعندما يضاف الطمع الى فرط الثّقة، تكون النتيجة اعصارا ماليا كاد يطيح بنا جميعا.
اعتمد المؤلّف على منهج خاص في نظرته إلى الأزمة، إذ يشرح الأسباب، ويسرد الأحداث والوقائع من جهة أولى، ثمّ يقترح استراتيجيات وسبلا للتّكيّف مع نتائجها وترشيد المعاملات المالية في المستقبل من جهة ثانية.
في الفصل الأوّل يقدّم لمحة موجزة عن الأفكار التي كانت تحكم حركة الأسواق والمصارف ومؤسّسات الادّخار والتّسليف والشركات المساهمة وفقاعة التكنولوجيا التي يعني بها: ارتفاع مفرط جدّا في أسعار الأسهم أو أصول أخرى. وبعد سرد التّفاصيل يختم بمجموعة أسئلة مطروحة كثيرا منها: ما هي الفقاعة؟ هل ترتفع قيم المساكن دائما؟ لم تلاشى تماما الخوف من الأخطار؟ ما أهمّية معدّلات الفائدة المنخفضة؟
والفصل الثاني اتخذ عنوان: الشّعوذة المالية، مركزا في ما أسماه مزيج المشتقّات الماليّة وما رافقه من مقايضات العجز عن دفع الدين والتزامات الدين المضمونة، والتزامات الرهن المضمونة، ثمّ بعض أسئلة مطروحة كثيرا: هل تسبّبت المشتقّات المالية بمشاكل في الماضي، لم المشتقات المالية رائجة الى هذا الحدّ؟ ومتى أصبحت الشّعوذة الماليّة رائجة؟
والفصل الثالث بعنوان رمزيّ: طيور الكناري، وفيه يصف عمليّات التّزاحم على المصارف لسحب الودائع، ونظام الاحتياطي الفيدرالي، وضغط الشارع على بعض المؤسّسات، معرّجا على مجموعة أسئلة منها: لماذا استغرق تكشّف الأزمة فترة زمنية طويلة نسبيا؟ وهل تعيّن على الحكومة اتخاذ مزيد من الخطوات لحماية المستثمرين في وقت مبكر أكثر؟ لماذا شهدت أسعار الأسهم أحيانا ارتفاعا حادّا وسط تضييق التّسليف؟ ما هو حجم الدين أو الفعالية المالية الصحيح للنّظام المالي؟
وفي الفصل الرابع: التّسونامي، حيث يسرد المؤلّف جملة أحداث ماليّة مفصلية، بدءا من صيف 2008 وبالتزامن مع الحملة الرئاسية الانتخابية الأميركية حيث كان وضع الأسواق والاسكان والمصارف وحالات حبس الرهن قد ازداد سوءا بشكل دراماتيكي، متحدّثا عن الوقائع في الأسبوع الذي غيّر الرأسمالية الأميركية، وكيف بدأ البحث عن الحلول. ثم ينتهي الى أسئلة: لماذا أنفقت الحكومة الكثير من المال لانقاذ الشركات المالية؟ ماهي دول العالم الأخرى التي تأثرت وستتأثر بالأزمة؟ ما هي الدول التي ستكون في حال أفضل بعد الأزمة ومتى ستنتهي الأزمة؟
والفصل الخامس: نظام العالم الجديد، وفيه يقرّ المؤلّف بنهاية وول ستريت، فيعطي لمحة تاريخية سريعة عن التنظيم وعمليات انقاذ الشارع الرئيسي، وكعادته يضع أسئلة مطروحة: كانت وول ستريت تسيطر على المالية العالمية فمن سيسيطر عليها الآن؟ هل سيفلس المزيد من المصارف، أو مصارف الاستثمار؟ هل سيدخل الى السّجن أيّ من موظّفي الشّركات المفلسة في قلب الأزمة المالية؟ هل ستتغيّر القوانين؟ هل حكمت الأزمة الأخيرة على الرأسمالية بالفشل؟
الفصل السادس: ما هو آمن؟ وفيه آراء حول ترتيب الأوضاع المالية للمقترضين لشراء المساكن، كذلك لحسابات التوفير، والحسابات الجارية، وشهادات الايداع، وحسابات التقاعد ومجموعة أسئلة: هل ودائعي النقدية آمنة؟ ماهي التأمينات المقدمة في حال أفلست شركة السمسرة التي أتعامل معها؟ هل تبقى بوليصة التأمين التي اشتريتها صالحة اذا ما أفلست شركة التأمين؟
والفصل السابع عنوانه: الدين والدمار، وفيه يعالج الكاتب تدبير النفقة، وبطاقات الائتمان المصرفية وديون الرهن العقاري، وديون السيارات، والديون الطالبية، ثمّ أسئلة أبرزها: هل من الحكمة أن تأخذ دينا ما؟ ماذا عن الاقتراض لشراء سيّارة؟ ما هو عدد بطاقات الائتمان التي عليّ حملها؟
والفصل الثامن: حول استراتيجية الاستثمار، وهو يحتوي على كوكبة من النصائح المالية لكلّ الفئات العمرية، وفي كلّ ميادين النشاط الماليّ، والعمل الاستثماري، فيقدم توجيهاته حول معاشات التقاعد والعقارات، وللشباب المنطلقين في رحلة الحياة، ولمن هم في خريف العمر، ولأولئك المتقاعدين أو القريبين من مرحلة التقاعد، بعد ذلك أسئلة مطروحة كثيرا: هل يتعين عليّ تغيير تفكيري حول سوق الأسهم بعد الأزمة الماليّة؟ هل عليّ التفكير بصناديق دورة الحياة القابلة للتّكيّف لتحمّل مجازفات أقلّ مع تقدّمي في السنّ؟ ماذا عن البضائع، هل علينا الاستثمار في العقارات؟
وفي النهاية يناقش المؤلّف امكانية الخلاص من الأزمة الحالية على صعيد المجتمع الأميركي، فيثبت أنّ المتنبّئين الماليين للأشهر والسنوات القادمة متشائمون في سوادهم الأعظم، وهناك آخرون أكثر تلطّفا في توقّعاتهم، يجادلون بأنّ آثار الانكماش الاقتصادي ستشبه تلك التي عرفناها في أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

اقرأ أيضا