الاتحاد

دنيا

برلماني قبطي مصري يقترح تغيير مصطلح «غزوات» الرسول

هل  تنتقل القضية من مجلس الشورى إلى مجلس الشعب

هل تنتقل القضية من مجلس الشورى إلى مجلس الشعب

تسبب الاقتراح الذي تقدم به نائب قبطي بالبرلمان المصري، لتغيير مطلح «غزوات الرسول» - صلى الله عليه وسلم - إلى تعبير آخر، في تفجير معركة وجدل ساخن مازال مستمراً في التفاعل، خاصة بعد أن دخلت مرجعيات دينية وسياسية طرفاً فيه.
الاقتراح قدمه النائب الدكتور نبيل لوقا بباوي - وكيل لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشورى- إلى رئيس المجلس، مطالباً فيه وزارة الأوقاف والحكومة المصرية بتغيير تعبير غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - الموجود في كتب التراث الإسلامي والسيرة النبوية إلى تعبير آخر، وعزا ذلك إلى أن تعبير الغزوات فيه ظلم للرسول ولا يتفق مع واقع المعارك العسكرية التي جاءت دفاعاً عن الدعوة الإسلامية ولاسترداد الحقوق. غير أن الأزهر رفض تغيير مصطلح «غزوات» الرسول.
وأكد الدكتور نبيل بباوي أن معنى الغزو في صحيح اللغة هو الاعتداء والتعدي على أرض الآخرين بغرض الغزو والاحتلال، وأن هذا لم يحدث في كل غزوات الرسول في الواقع، مشيراً إلى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن غازياً بل كان مدافعاً عن حقوق المسلمين التي اغتصبتها رؤوس قريش بمكة، وحقوق المسلمين التي سرقها غلاة المعادين للرسول - عليه الصلاة والسلام - ودعوته، وخيانة اليهود وتحالفهم مع «كفار» قريش ضد المسلمين.
وقال: إن المسلمين يجلدون أنفسهم بأيديهم بتعبير «غزوات الرسول» لأنه يعطيهم صورة لا تتفق مع الواقع الذي يؤكد أنه في كل الغزوات لم يكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- غازيا بل كان مدافعا عن حقوق المسلمين.
وأضاف: أن الغرب والمستشرقين يستغلون هذا التعبير للطعن في الإسلام والرسول واتهامه بالعنف والعدوان وأن من تعاليمه الدعوة إلى الحرب واستخدام القوة مع الآخر بهدف إخضاعه وأن الإسلام انتشر بالسيف، وذلك على خلاف حقائق التاريخ الدامغة التي تؤكد أن المسلمين لم يقوموا بالغزو بمعناه الحقيقي وهو غزو أهل البلاد.
وأضاف أن القرآن لم يذكر كلمة «غزوة» إلا في آية 156 من سورة آل عمران في نهي المسلمين عن التشبه بالكفار، وهى: « يا أيها الذين امنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير».
وأيد الدكتور عبد المعطي بيومي - عميد كلية أصول الدين الأسبق بجامعة الأزهر- هذا الاقتراح قائلا: أن كلمة غزوة كتبت في كتب التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية في أيام الانتصارات والبطولات، ولكن الكلمة لغويا لا تنطبق ولا تصدق على المواقع والمعارك التي خاضها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذه المعارك لم تكن غزوات لأن الغزوة في اللغة العربية تعنى البدء بالحرب والهجوم على القوم في عقر دارهم.
وأوضح الدكتور بيومي أنه في بداية نشأة الإسلام آمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - عدد من الفقراء والضعفاء، مشيرا إلى أن كتب التاريخ تؤكد أنهم تعرضوا للاضطهاد واقترفت ضدهم شتى أنواع التعذيب الجسدي والمعنوي ليرجعوا عنه، ولكنهم تمسكوا به واضطر بعضهم إلى الهجرة بدينه إلى الحبشة أولا ثم إلى المدينة بعد ذلك، وأيضا لم تلبث دولتهم الوليدة في المدينة أن تعرضت لاعتداءات من الخارج والداخل مما اضطر المسلمين للدفاع عن أنفسهم فشرع لهم القتال لرد الظلم عنهم، والله تعالى يقول: «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير» الحج 39.
واستطرد قائلا: الثابت أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يبدأ بالقتال ولم يسع للحرب ولكن القوم هم الذين أتوا الرسول -عليه والصلاة والسلام- وصحابته رضوان الله عليهم للقضاء على الإسلام وتقويض دولته، وحتى الفتوحات التي تمت في عهد الصحابة كانت ردا على اعتداء وقع عليهم ولم تكن حروب هجوم وعدوان وسلب لان هذا ضد تعاليم ومبادئ الإسلام.
وأضاف: نحن نغير ونبدل في أسماء ومسميات ونرفض المساس بالثوابت فهذا لا مجال له وهو أمر مرفوض والدعوة لتغيير كلمة أو تعبير «غزوة» هو لمصلحة الإسلام ولتصحيح صورته التي يسعى البعض لتشويهها بالباطل لأغراض شيطانية.
ويرى الدكتور أحمد السايح -أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر- أن كلمة غزوة التي تطلق على المعارك التي خاضها الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة رضوان الله عليهم - اسم خطأ ودخيل على المسلمين. وأكد أن الذين وضعوها في الفكر والتراث الإسلامي هم أصحاب الفكر المغرض بهدف التدليل طوال التاريخ وحتى قيام الساعة على أن المسلمين متخلفون ومعتدون، والذي يؤكد ذلك أن غزوات بدر وأحد والخندق كلها كانت في داخل المدينة فكيف تسمى غزوة. وقال إن وجود هذه التسميات وغيرها من الأفكار المغلوطة في كتب التفسير والفقه والحديث والتاريخ والتراث يعطى دليلا على تخلف المسلمين وأن تراثهم مليء بالهمجية والتحجر والتخلف، والمؤسف في الأمر أن يعكف عليها كثير من الذين تخصصوا في الدين والدعوة الإسلامية، حيث يأخذونها على علاتها ويرددونها على المنابر مثل قولهم ان الرسول -صلى الله عليه وسلم- مات ودرعه مرهونة عند يهودي» وهو قول غير صحيح تماما.
وأوضح السايح ان المتأمل في هذه المقولة يجد أنها باطلة وتصطدم مع العقل والوقائع التاريخية الثابتة. ومنها قول الله تعالى:»يا أيها الذين امنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام...» الأحزاب 53، فهذه الآية بينت أن بيت الرسول-صلى الله عليه وسلم- كان ساحة للصحابة ولمن يريد أن يأكل من العابرين. ومن جانب آخر، فالثابت أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان هو الوارث الوحيد للسيدة خديجة رضوان الله عليها - وهى كانت من أغنى أغنياء الجزيرة العربية آنذاك، وأيضا كان للرسول -صلى الله عليه وسلم- ارض يزرعها وخمس الغنائم له بنص القرآن في قوله: «واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل» الأنفال 41. وكذلك، أن ما يؤكد كذب هذه المقولة انه كان في المسلمين مثل عثمان بن عفان الذي كان من أكابر الأغنياء وكان باستطاعته إعطاء الرسول-صلى الله عليه وسلم- عددا من حفن الشعير كما تقول الرواية أنه -عليه الصلاة والسلام- رهن درعه في إحدى عشرة حفنة من الشعير.
ويقول: من الثابت أيضا أنه عندما نزلت سورة الحشر أشارت إلى أن المدينة لم يكن بها يهود، وغيرها من الروايات التي دستها المذاهب الهدامة والعقائد الفاسدة على السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي وأدخلت على المسلمين الكثير من الأساطير وحفظها العلماء ويرددونها على كل المنابر وهو خطاب ديني يشير إلى التحجر والانحطاط وهناك عشرات من الدراسات العلمية التي وضعها العلماء الثقات وتناولت الإسرائيليات وخطرها على الإسلام ورسالته، وهذا يفرض علينا أن نعمل بجد وبسرعة لتنقية تراثنا من هذه الترهات التي تصطدم مع العقل والنقل، ومن هنا فاسم الغزوات ينبغي أن يتغير إلى معارك أو مواقع لان المجتمعات الإنسانية تعيش في صحوة عقلية ووعى كبير ولا يليق بنا أن نظل نتمسك بمقولات عصور الانحطاط.
وأعربت الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين عن رفضها التام للاقتراح، وقال علي لبن- عضو الكتلة إن كل كلمة لها معنيان، أحدهما لغوي والآخر اصطلاحي، وإن كلمة غزوة لا يأخذها المسلمون على معناها اللغوي وإنما ما يعولون عليه هو معناها الاصطلاحي التاريخي، ومن حق المسلمين المحافظة على هذا المصطلح التاريخي من دون تغيير.
واستنكر المستشار توفيق وهبة -رئيس المركز العربي لدراسات وبحوث التراث- الدعوة لتغيير كلمة «غزوة» من التراث الإسلامي وإطلاق كلمة مواقع أو معارك على غزوات الرسول -صلى الله عليه وسلم- مؤكدا أنها ليست أسماء ولا مواقع ولكنها فتح ونشر للهدى ونور الإسلام ولقيم الإيمان بالدعوة بالتي هي أحسن وبالموعظة الحسنة ولنصرة الحق. وقال: الحجة التي يستند إليها من يطالب بهذا التغيير هي الزعم بأن الغرب يستغل هذه الكلمة للطعن في الإسلام واتهامه بأنه دين يدعو إلى استخدام القوة والعنف والإرهاب وأنه انتشر بحد السيف، والحقيقة أنها حجة لا تتفق مع حقائق الواقع وحالة العداء التي يفرضها الغرب على أمتنا ورغبة القوى والدوائر المتحكمة في صناعة القرار فيه في الصدام مع أمتنا، وكل المقولات والادعاءات التي يرددها الغرب هي أباطيل و»تشنيعات» سياسية وليست لها علاقة بأمور دينية أو بكلمة أو تعبير ولكن المسألة تتعلق بحقيقة التصور الغربي عن الإسلام والرسول -صلى الله عليه وسلم- وتغيير كلمة «غزوات» لن يوقف حملات الغرب ضد الإسلام أو الهجوم على نبيه لأن الذي يحرك العداء الخوف الغربي من انتشار قيم ومبادئ الإسلام التي تهدد نمط الحياة الغربية والمفاهيم المادية السائدة هناك.
وكان الدكتور محمد سيد طنطاوي -شيخ الأزهر- قد اعترض على اقتراح د. بباوي وأكد أن كلمة غزوة ليس معناها التخريب والظلم والعدوان، وإنما تطلق بإطلاقات متعددة منها الدفاع عن النفس أمام العدو أو الذهاب إلى العدو لمنع عدوانه، وقال: الأولى بدلا من حذف الكلمة أن نوضح معناها الحقيقي، وتفسيرها أن تقصد العدو لتأخذ حقوقك منه أو تدافع عن نفسك قبل عدوانه عليك، والجهاد لم يشرع في الإسلام إلا للدفاع عن الحق أو لنصرة المظلوم، فأي غزوة هي دفاع عن النفس والدين. مشيرا إلى أن الغزو يعني الدفاع عن النفس سواء وصل العدو إلينا أم لم يصل ما دام هناك تخطيط للعدوان، حيث يجوز الخروج للعدو فور ظهور مؤشرات العدوان، ومن هنا يكون فهم المستشرقين غير سليم، ولا يمكن إلغاء كلمة غزوة.
فهل يمكن أن تنتقل هذه القضية إلى مجلس الشعب للمناقشة والبت فيها؟

اقرأ أيضا