الاتحاد

دنيا

شبان أنجزوا التألق رغم التوحد

يدثرهم الخجل، ويتوارون خلفه بعيدا عن مشاركة أقرانهم اللعب والشغب واللهو، أتوا إلى الدنيا والفرحة تحيط بهم من كل جانب، لا يختلفون عن باقي الأطفال في شيء، ولا يكاد يلاحظ الآباء أي اختلافات إلا بالتدقيق، فقط هدؤهم الزائد، والعزلة التي يختارونها، يجعلان المرء يشك في أحوالهم، هم أطفال التوحد، والتوحد هو حالة من أصعب اضطرابات النمو لما له من تأثير ليس فقط على الفرد المصاب به، وإنما على الأسرة والمجتمع الذي يعيش فيه. فهو يعيق عمليات النمو واكتساب المعرفة وتنمية القدرات والتفاعل مع الآخرين، لذلك يعد التدخل في غاية الأهمية، وينبغي بذل جهود كبيرة من طرف الأفراد والمؤسسات للكشف المبكر عن هذه الحالات واحتضانها.
وهناك نماذج لمصابين بالتوحد لكنهم استطاعوا خلق التميز والتألق بمساعدة أهلهم مساعدة جبارة والمعاهد والمدارس التي اندمجوا بها لاستكمال مسيرتهم التعليمية دون مركب نقص، منهم عمرو وخالد وعمر، بتضافر كل الجهود حققوا ما لم يحققه بعض أقرانهم الأسوياء في جميع المجالات، بل سيتركون بصمتهم في ذاكرة التاريخ ويقولون كلماتهم مستقبلاً.
عمرو بطل في السباحة، أما خالد فهو متفوق على أقرانه من الأسوياء في الدراسة، بل يفوقهم نباهة، أما عمر فهو الآخر نموذج جيد، متألق داخل الصف ويتعاطى بشكل ملفت للانتباه مع الكمبيوتر، هذه فقط حالات قليلة من حالات التوحد، ومن المؤكد أن هناك غيرهم تستحق تجربتهم أن تكتب بمداد من فخر.
تحديت التوحد مع عمرو
يعد ترتيبه الثالث والأخير بين إخوانه، وآخر العنقود يحظى بالحب والدلال دائما، هو عمرو، يبلغ من العمر 18 سنة، فهم الحياة بكل جبروتها وعنفوانها، بسببه غزلت أمه من محنتها فراش حرير وبسطته لمن يحتاج المساعدة، وهي اليوم تدير مركز الإمارات للتوحد، تقول أمل جلال صبري عن تجربتها مع عمرو:
«لم أترك ابني يوماً في يد أي أحد ليساعدني عليه، بل دربته وعلمته كيف يتخلص من الخجل، ويندمج داخل المجتمع، كنت أقوم بتدريبه لمدة تفوق 5 ساعات يومياً، وحرصت على تعليمه الرياضة، وهو اليوم ماهر في رياضة التزلج والسباحة والفروسية، ماهر جدا من الناحية التعليمية الأكاديمية، كما أنه متفوق من الناحية الرياضية، بحيث حصل على المركز الأول في اللياقة البدنية والسباحة الذي أقامه مركز الإمارات للتوحد بنادي الجزيرة في أبريل سنة 2008، وقد أطلق عليه اسم السمكة الذهبية، بمناسبة اليوم العالمي للتوحد.
ونحرص اليوم على تدريبه بحيث نجهزه لبطولة الإمارات للياقة البدنية والسباحة التي ستقام في أبريل المقبل من سنة 2009، وعمرو، هو دنياي كلها، وتوحده جعلني أتوحد معه في كل شيء، من أجله كرست كل حياتي».
وتقول مديرة مركز الإمارات للتوحد أنه من بين الصعوبات التي يواجهها هي عملية دمج الأطفال بالمدارس الخاصة والحكومية، لكن تعاون منطقة أبوظبي التعليمية ومجلس أبوظبي للتعليم تم تدليل كثير من الصعاب.
خالد تفوق على أقرانه في الصف
جعل حكايته تنتشر في المدرسة ومركز التوحد، بات يضرب به المثل في التفوق، هو الطفل خالد عبد الرب الحميري، تقول عنه مدرسته سمر صادق سعيد حرز الله، بكالوريوس تربية خاصة: «أقوم بتدريس خالد منذ سنتين، في البداية كان يعاني من انطواء وخجل شديدين، كان لا يستطيع نطق جمل مفيدة، كلمات منفردة ومتقطعة دون تنسيق، أما اليوم وبفضل البرامج التي نعتمدها داخل مركز الإمارات للتوحد والتي وضعتها مديرة المركز، أمل جلال صبري، ومنها «لوفاس» و» تيتش» وبرنامج « بيكس»، فقد استطعنا تجاوز الكثير من العراقيل وخلق تفوق الأطفال الذين يعانون من التوحد».
وتضيف: «من المؤكد أن طفل التوحد يجب ألا يشعر بالفشل، بل يجب أن ننمي مهاراته حتى يشعر بالتألق والتميز ومن هنا تبدأ محاربة الفشل عنده، وهذا ما استطعنا أن نقويه عنده، بحيث أن ثقته بنفسه أصبحت عالية جداً، مما زاد من تجاوبه مع محيطه في الصف، ووسط أقرانه، ومن خلال هذه البرامج صار ينسق الجمل، ويركبها وينطقها، وبالتالي تم إدماجه في الفترة الصباحية بمدرسة اليوبيل الخاصة، كما نقوم بتدريسه في مركز الإمارات للتوحد نفس النهج والدروس التي يتلقاها في المدرسة بشكل مسبق، حتى ننمي عنده القدرة على المشاركة والشعور بالنجاح، وفعلا حققنا ذلك، بحيث صار خالد يناقش ويجيب على كل الأسئلة، وصار لا يرضى إلا بالعلامات الجيدة، وبالحصول على المراتب الأولى، وفعلا هذا ما لمسته مدرسته بالصف في مدرسة اليوبيل الخاصة، التي أدمج بها، حيث تفوق على جميع أقرانه في الصف وحصل على مرتبة الشرف، فهو حافظ لآيات قرآنية، وأحاديث نبوية وحروف انجليزية، وهذا طبعا كان له دور كبير في الفصل بينه وبين الخجل والانطواء وفي إفساح الطريق أمامه ليشارك في مختلف مناحي الحياة بشكل طبيعي».
سأصل بابني إلى أبعد نقطة من التألق
يقول عبد الرب علي الحميري والد خالد: «تداركنا أمر خالد مبكراً، أدخلناه مركز الإمارات للتوحد وبدأ يستقبل المعلومات، وبطرق احترافية تجاوز مشاكله، صار يفهم من الإشارات الأولى، وهو بارع في السباحة والألعاب الإلكترونية، والموسيقى، وفي الدراسة الأكاديمية، وهذا من فرط اهتمامنا وعنايتنا به، أنا لا أتجاوز حدود التدليل معه حتى لا يشعر إخوانه بالغيرة منه، فهو محتاج لهم بجانبه، ورسالتي لجميع من رزقهم الله بطفل يستحق عناية فليأخذوا بيده، لأنه ممكن أن يصلوا به لأبعد نقطة في الحياة من التألق، وأنا فخور بابني».
طفل آخر من أطفال التوحد، عمر محمد خليل الحوسني، من بين الأطفال الذين تميزوا في الدراسة، ومن بين ما ميزه عن الباقين تفاعله الكبير مع الكمبيوتر الذي حقق به براعة كبيرة، حيث تقول والدته سعاد علي: «كان ولدي بداية منطوياً جداً وبعيداً عن كل ما هو اجتماعي، أخذته للمدرسة وهناك لاحظوا انطواءه وعدم تفاعله مع الأطفال، ولم ألحظ أنا ذلك فيما قبل، كنت مبسوطة جدا من هدوئه، لولا أن نبهتني المدرسة، أخذته لمركز الإمارات للتوحد، والحمد لله لكوننا اكتشفنا حالته مبكراً، فقد جعله ذلك يتجاوز كل المعيقات بشكل جيد، وهو ممتاز في الصف، وقد أبهر الجميع بحسن تعامله مع الكمبيوتر، كما أنَّ علاماته المدرسية كاملة، كذلك هو مشارك في الرياضة في السباحة والجري»

اقرأ أيضا