الاتحاد

الملحق الثقافي

الفضيلة ترعى النهار

فيما مضى من سنين قليلة، قرأنا للشاعر إبراهيم المصري دواوين شعرية عدَّة منها: “الزهروردية/ 2007”، و”الديوان العراقي/ 2008”، وله أيضاً: “مقتطفات البيرة/ 2008”، و”الشعر كائن بلا عمل/ 2009”. إلا أن المصري فاجأنا مؤخراً بديوانه الشعري الجديد “الوعي والوجود/ 2009” الذي صدر عن دار ميريت بالقاهرة هذا العام.

وعلى ما يبدو أن لهذا الديوان حكايته الخاصة به؛ ففي عتباته الأولى نقرأ: “كتب الوعي والوجود عام 1995”. وهذا يعني أنه سابق على كل دواوين الشاعر التي نشرها تالياً، وهو ما يطرح أكثر من تساؤل؛ فلماذا تأخَّر هذا الديون نشراً وتقدَّمت عليه دواوين نُشرت قبله؟
مهما تكن الأسباب مضمرة، فإن هناك ما هو أكثر أهمية في هذا الديوان من حيث حجمه الذي يصل إلى 304 صفحات من القطع المتوسط.

ويبدو الديوان “قصيدة واحدة” في ظل تجنُّب الشاعر المصري استخدام أيَّ عناوين لكل قصيدة فيه باستثناء القسم الثالث، إنما اكتفى بتقسيم هذه القصيدة إلى ثلاثة عناوين/ أقسام؛ جاء الأول بعنوان “الباب 7 ـ 134”، والثاني بعنوان “الباب الخلفي 135 ـ 267”، والثالث بعنوان “الخروج 268 ـ 301”. وهو أمر له دلالته الخاصة بانطولوجيا متن النَّص في هذا الديوان التي تحيل على خطابه المضموني والجمالي.
إن ديواناً شعريا بهذه الضخامة من الصور الشعرية، والطاقة التعبيرية، وتعدد الثيمات Themes الواقعية والذاتية المتخيَّلة ليجعلنا بإزاء بئر شعرية لا ينضب ماؤه.

وهذا يعني أن القارئ يمكن له أن يمدُّ بنظره إلى زوايا عدَّة فيه، ولكن يبقى “إنسان الشاعر” فيه هو الماثل في صدر خطابه الجمالي كما في قاعه الشعري وبين ثناياه، وما الشعر سوى خطاب متخيَّل يجلس في قلبه إنسان الشاعر ليرعى نهارات الوجود على الرغم من ظلمته التي يضيئها مصباح الشاعر أبداً بقصائده كنور مضيء.

وأنت تقرأ، لك أن تستنطق سيرة الشاعر الوجودية في خضم الأيام والسنين، ولكَ أن تتابع محكيات الذات في لحظات العيش اليومي التي يغامر الشاعر في تسريدها Narrativivsation شعرياً.
يتساءل إنسان الشاعر عن البدء، عن بداية التسمية، عن تلك التي تسمى بـ “الحياة”:
“الحكاية من أولها، أنني ولدتُ..،
أن الحياة،
ضفيرةٌ تلتف على عُنقي”.
ربما منح إبراهيم المصري الحياة صفة جمالية عندما اختار الضفيرة كدال خانق يودي بروحه في أي لحظة عمياء ممكنة، لكنه أيضاً تحدَّث عن أول الحكاية ما يعني أن محكي الحياة ما زال هادراً في صيرورته، وربما يفكُّ الضفيرة على مزيد من الألم أو قد يفكُّها على قليل من الفرح والنسيان. إلا أن إنسان الشاعر لا يني يتشبث بالبدايات:
“حافياً.. تبدأ انتظارك..،
عارياً..
من فضاءٍ وأجنحة..”.
بين الحاجة إلى الوجود المعاش، وحاجة الأخير للذات التي تعيش، وبين لوح “الوعي” ورغبات الأنثى ذات الثلاثين ربيعاً، يمكث إنسان الشاعر في يومه المعتاد:
“كنتُ مثقلاً بالوعي، وبالضرورة،
بكوب شاي،
ووجبة الغداء.
بالمساء الذي يأتي،
وتأتي معه زوجتي،
مثقلة بالحاجة لي”.
لكنه، وبعيداً عن زحمة النهارات، قريباً من استرخاء الليل، تلاحقه بقية أشباح غير متسامحة، أشباح النهار التي لا تأتي وديعة:
“.. وكنتُ مثقلاً بنومي،
حين أفقتُ على قط أسود،
يئنُّ فوق صدري”.
وإذا كان القط الأسود الذي يداهم إنسان الشاعر في منامه يئن كما لو كان متعباً من عناء النهارات الفظَّة، فإن نهارات هذا الإنسان تجود عليه أيضاً بـ “أفعى” لا يعرف الأنين فهو:
“ها أنتَ أفعى،
تبدأ يومها بالفحيح،
والغابةُ نول شعاع،
ينسج رهبتك”.
ربما يغتر هذا الإنسان/ الأفعى بما له من طاقة نووية يمثلها سمه القاتل، لكن كينونته أيضاً عرضة لمشانق الحياة؛ مشانق العالم الموضوعي التي تجرف الآخرين، وتحط من كينونتهم من دون هوادة باتجاه العدم المطلق، لكنه، إنسان الشاعر، لا يجعل ذاته تلتذ لوحدها في قيامة المشانق، بل يشمل غيره من الناهضين في كل صباح:
“كنتُ أحكي عن الموت،
عن المعدن الأجوف لأنفسنا،
وعن نهوضنا كل صباح،
إلى حصتنا من المشانق”.
يفاقم إبراهيم المصري من لغة الغياب، ومن لفظ الغياب Absence، ومن لغة الطرد الذاتي للذات، طرد الوجه لوجهه:
“ها أنتَ،
كما أنتَ دائماً،
تمشي مقوس الظَّهر،
مطروداً من وجهك،
ومن يديك”.
على أن طرد الوجه لوجهه سيجد معادله في العالم الموضوعي/ الخارجي، وتحديداً عند كينونة الشاعر عندما يُطرد من البحر إلى البر وبالعكس، لذلك، يخاطب الشاعر إنسانه قائلاً:
“لكَ أن تسبح مطروداً،
من البر إلى البحر،
ومن البحر إلى فضاء صمغي”.
في “الباب الخلفي” يخرج إنسان الشاعر إلى فضاء آخر، فضاء الهدم، والخرائب، والعظام المحطمة، والدماء السوداء السائلة، وفضلات الجسد، وحبال الغسيل، واتساخ الثياب، وروث النفوس، والجراثيم، والخطايا، والحمى، والرياء، والكراهية الدفينة، والأوبئة، وعقارب الساعة العابسة، وغير ذلك من العلامات الدالة على خرائب الحياة والكينونة والوجود.
مع ذلك، ووسط كل علامات الخراب في الوجود، يأمل إنسان الشاعر بالخروج من حالة الوجود الخراب صوب العدم كنهاية خارجة عن الممكن والمتاح الذين يمكن أن يطالهما حيف الخراب العدمي:
“وسوف تنجو أنتَ،
حين تصبح حفنة من رماد
تذروها الرياح”.
في “باب الخروج”، تبدو قصيدة إنسان الشاعر وقد لامست الاسم، والجسد، والروح، والوجود، والعدم، والوعي، والحياة، والموت، والزمان، والمكان، والليل، والنهار، والماضي، والحاضر، والمستقبل.
إن هذه العلامات قد احتلت رأس القصائد كعنوانات لها، وكل واحد منها يمثل قيمة فلسفية في مدلوله على صعيد التسمية، لكنها تمثل، كذلك، إحالة على نسق خطابي كونها تكشف عن مسار الرؤية التي يعتاش على صوتها إنسان الشاعر، ويعيش في كنفها، ويجعل من ذاته محمولاً على المرئي من الحياة والكينونة:
“أنْ...،
تُلمس بالاسم إذ.. دلَّ عليك،
تخرج للحياة مشطوباً به،
إنك...،
.. إبراهيم،
كأنه اختمار روحك..”.
ونقرأ أيضاً:
“بديهي أنك موجود،
طالما الثياب والأحذية موجودة،
المنشفة والصابون،
والأشياء التي تحمل من القامة،
ضرورة أنها ترعاك”.
ما هو لافت في ديوان “الوعي والوجود” أن إبراهيم المصري يختمه بقصيدة/ عتبة عنوانها “من هذا الكتاب” وهي قصيدة ختامية تخص قارئ/ قارئة هذا الديوان الذي يخاطبه/ يخاطبها الشاعر هذه المرة قائلاً له/ لها:
“وإذ أُصافحك الآن منصرفاً،
فلا تنسي،
وأغلق هذا الكتاب..،
برفق فؤادك الذي قد يتشاجر معي،
على مطابقة الوعي والوجود،
أو على الخيبة..”.
هذا هو إنسان الوجود كما تتبدى بعض من صورته في ديوان إبراهيم المصري “الوعي والوجود”. وتبقى المطابقة بين الوعي والوجود حالة مفتوحة على تأويلات إنسان الوجود للوعي والوجود مثلما هي تبقى مفتوحة على ذلك القارئ العاشق لكل ما يمت بصلة إلى طرفي ما نعيش بينهما “الوعي والوجود”!

اقرأ أيضا