الاتحاد

الملحق الثقافي

حكايات الذاكرة ومشاهدات العائد

رواية ربعي المدهون “السيدة من تل أبيب”، المرشحة على القائمة القصيرة لجائزة (البوكر العربية)، صعبة وسهلة في آن، وذلك بقدر ما تحمل من المتناقضات، بدءا من التناقضات التي تعاني منها الشخصيات، مرورا بطرائق السرد المختلفة، وصولا إلى ما تتناوله من تناقضات الواقع. رواية تجعل من قراءتها النقدية أمرا ينطوي على مخاطرة التسرع الذي قد تغري به، هي نفسها، أي قارئ متسرع.

ماذا يريد المدهون أن يقول في روايته هذه؟

رسائل كثيرة تحملها الرواية بين جنباتها، الرسالة الأولى هي التي تحمل الأمل إلى بطل الرواية وليد دهمان بزيارة غزة ولقاء والدته بعد ثماني وثلاثين سنة من الغياب والاغتراب والمنافي، وذلك بعد حصوله على الجنسية البريطانية التي تتيح له تلك الزيارة وهذا اللقاء الذي تعتبره أمه “إشاعة، خرافة، مثل عودة الفلسطينيين إلى بلادهم”. لكنها تحمل في الآن نفسه رسالة “نبذ كل أنواع العنف، وضرورة السلام”. ثم تعود لترى انعدام إمكانية هذا السلام واقعيا على الأرض بناء على المعطيات والوقائع.
يتحقق الأمل بالزيارة واللقاء، لكنهما يصطدمان بالكثير من التحولات التي جعلت غزة تختلف اختلافا مرعبا على غير صعيد، وهي التحولات التي ستشكل محاور الانتقاد لمظاهر وظواهر تجعل القارئ يتساءل عن مدى واقعية/ خيالية ما يقرأ، ففي الكثير من المقاطع، والكثير من الشخصيات والمواقف، تذوب الفواصل بين الحقيقة ونقيضها. لكن هذه التحولات ستضع الكثير من الإجابات على الواقع الفلسطيني عموما، وواقع غزة خصوصا، تحت الاحتلال وما جلبه من كوارث.

واقع الاحتلال ترسمه وقائع وتفاصيل يمكن لقارئ الرواية أن يعرف الكثير منها، أو ما شابهها، في تقارير الأخبار، لكنها في الرواية تكتسب خصوصية من خلال عشرات الشخوص الروائية التي يبنيها المدهون، ومن بعده وليد دهمان كمؤلف ثانٍ كان يمكن أن يظل “بطلا” للرواية وليس مؤلفا فيها كما أراده ربعي، يبنيها من لحم ودم وعواطف ومواقف ونقاشات وحكايات، تبدأ من نقاش وليد دهمان وحكايته مع رفيقة رحلته في الطائرة من لندن إلى مطار بن غوريون الممثلة الإسرائيلية دانا أهوفا، وتمتد إلى كل ما يجمعه في “المسجل” الذي جمع فيه “أحاديث تكفي لملء عشرات الصفحات”، فهل هي جزء من صفحات الرواية؟
دانا هذه تبدو لوليد إسرائيلية قابلة للسلام معها أيضا، على الرغم من الهواجس الأمنية وخشية أن تكون مدسوسة من الموساد، حتى بعد اكتشاف مقتلها (أو انتحارها) الغامض، لكن كل ما تقدمه الرواية من تفاصيل سيرتها لا يكفي لجعلها شريكة في سلام، حتى من وجهة نظر وليد الذي يرى أن وجود الإسرائيلي في فلسطين هو على حساب الفلسطينيين. ومع ذلك يظل متعلقا بدانا المتمسكة بدولتها، بينما هو ينصح أصدقاء اليهود المقيمين في لندن بعدم الهجرة إلى إسرائيل.
في غزة التي يصل إليها بعد عذابات حاجز “إيريز”، برغم ما يتوهمه من أهميته كحامل لجواز سفر بريطاني يجعله من فئة “شخصية شديدة الأهمية”، يبدأ وليد دهمان، وربما كان بالأحرى القول إنه ربعي المدهون نفسه لما بين الشخصيتين من نقاط لقاء، رحلة استكشاف وإعادة استكشاف غزة عبر زمنين، الزمن الذي غادر فيه غزة ليكمل دراسته، ولم يعد بسبب وقوع حرب حزيران والنكسة التي حلت به شخصيا، وبالفلسطينيين والعرب عموما.

في رحلة من واحد وعشرين يوما، يكشف لنا وليد دهمان عمق ومأسوية التحولات التي جرت في غزة خصوصا، في فلسطين عموما وبصورة أقل. فهو قليلا ما يتطرق إلى ما يجري في الضفة الغربية، ومن خلال شهود آخرين غالبا، لأنه لم يشهد ما يجري فيها، فكل همه هو الشهادة على ما يجري في غزة. وما جرى ويجري فيها طوال ثمانية وثلاثين عاما تشبه الكابوس. فمع اقتراب الرحلة من نهايتها يكتشف وليد أن “غزة كبرت خمسين عاما إلى الوراء”، وفي عبارة أخرى “كأن الحياة في قطاع غزة مرحلة طائشة، يضع نهايتها موت متجول يختار ضحاياه بالمصادفة، وموت مخطط له يذهب إليه الراغبون فيه بإرادتهم (لم يسمِّهم: استشهاديين أم..؟)..الخ”.

مما يلفت الانتباه في الرواية، ما يشبه الموقف المسبق من حركة حماس، الموقف الذي يتم تلبيسه ثيابا بوجوه عدة، الممارسات الداخلية، والعمليات المسلحة المجانية، ولا يبدو في المشهد السياسي والعسكري سوى حماس وإسرائيل تتحملان المسؤولية عما جرى ويجري في غزة من كوارث.
فمنذ بدايات الرواية هناك أم وليد التي تتحدث عن “شباب اثنين من حماس.. اتخبُّوا ثنيناتهم قدامي في الزقاق، صرخت عليهم: يا شباب، يعني ما لقيتوش تحشروا حالكم إلا بين البيوت عشان الطيارة تقصفنا.. الله أكبر عليكم”، وهذا أمر ينطوي على مبالغة وإدانة تحيل إلى الرواية الإسرائيلية في تبريرها لقصف الأحياء المدنية، من جانب، كما أنها من جانب آخر تمنح أطرافا فلسطينية أخرى صك براءة مما يجري. وليس هذا موضوعنا. وتنتهي الرحلة بموقف أشد إدانة حين يسقط صاروخا قسام يسميها وليد “صواريخ إعلانية”، وبما أنها استدعت ردا إسرائيليا فهو لا يتردد في القول “لم أجد أي مصلحة في العملية الغبية التي وقعت مساء هذا اليوم”، ويأتي هذا الموقف فيما هو ـ وليد ـ يستعد للسفر والعودة إلى لندن ويخشى أن تكون العملية سببا في تأخير سفره، واستخدام كلمة “مصلحة” تضيف بعدا جديدا “مصلحيا” إلى شخصية وليد لم يكن يبدو في شخصيته طوال الرواية.

الرواية بالطبع ليست هي مواقف “البطل” المعلنة في هذا الشأن أو ذاك، بل هي رواية الفلسطيني الغائب عن وطنه، وربما عن أمه أساسا بما تمثله هذه الأم من ذاكرة الوطن (غزة ـ أسدود وما بينهما)، الفاقد هويته، والعائد ليستعيد هذه الهوية، لكنه يجد نفسه وسط أناس يكاد لا يعرفهم، فهم تغيروا كثيرا على مستويات عدة، هي المستويات التي تتناولها الرواية بالنقد والتشريح، دينيا واجتماعيا وسياسيا. وبقدر ما يتحمل الاحتلال مسؤولية التشوهات التي أصابت هذا المجتمع، فثمة ـ بحسب الرواية ـ قوى فلسطينية تتحمل هذه المسؤولية أيضا.

ملاحظة أخيرة، الرواية تبدو جديدة في شكلها، لكنها في الواقع، وبعيدا عن تقطيعها الشكلاني الذي لم أجد ما يبرره فنيا ولا موضوعيا، إذ كان يكفي تقطيعها إلى فصول فقط، تسير ضمن خطى السرد الكلاسيكي إذا أخذنا كل مقطع منفردا وعلى حداه. فمسألة التقطيع هذه أراد لها المؤلف لعب دور وقدر من التشويق كان، في بعض الأحيان ولا أقول في الرواية كلها، على حساب انسياب الموضوع وتواصله، فثمة فصول كان يمكن ضمها إلى فصول سابقة عليها.

اقرأ أيضا