الاتحاد

دنيا

الراحمون يرحمهم الرحمن

تأتى لحظات على الإنسان فيجد سلواه في إبحار إلى عالم الغيب، يقول لنفسه فيه: ما بالى إذا ما انقضت الحياة ووقفت بين يدى الله تعالى في ميقات يوم معلوم، وسِيق بي إلى الموقف حيث العرض والحساب ، كيف يكون الحال ؟وكيف يكون المآب ؟ وتتدافع ثورات الأفكار إذا ما استحضر الإنسان ما مثلته له النصوص الشرعية من هول الموقف وشدته، ومشاهد القيامة وما فيها من هول وروعة تجعل الولدان شيبا.
هنا يبحث الإنسان عما يهدئ خاطره فلا يجد أمامه سوى كلمة واحدة يقولها لنفسه متعلقاً بأستارها «إنها رحمة الله», تلك الصفة الجميلة التي يحث النبي صلى الله عليه وسلم كل مسلم على أن يتعلق بأهدابها فيقول «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». تلك الصفة التي تفتح لكل مكلوم طاقة من الأمل فيتغلب بها على صدمات المعاناة وويلات الألم ، ويرغب من خلالها في كل خير يرجوه عند الله تعالى فيستحضر قول خالقه سبحانه في حديثه القدسي «... رحمتي سبقت غضبي ، وعفوي سبق مؤاخذتي وأنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها» ولا حرج على فضل الله سبحانه فهو الذي سمى نفسه «الرؤوف، الرحمن الرحيم «. تلك الصفة الجميلة والاسم الجليل، الذي يعتصم به الإنسان من ابتلاءات الأقدار، ونوازل الحياة فتراه وقد نطقت ذاته قبل لسانه «اللهم يا الله ، يا رحمن يا رحيم، يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، فرج همي، ويسر أمري، وارحم ضعفي وقلة حيلتي». من أجل هذا كان من مأثور الحكم وجميل العبارة «إن خفت من المخلوق فررت منه، وإن خفت من الله فررت إليه « فالفرار إلى الله تعالى إنما هو فرار إلى رحاب الكريم الرحيم الحليم، لذا كان الفرار إلى الله تعالى في حقيقته لجوء إلى واحات السكينة والاطمئنان ، وإلى بساتين الدعة والأمان في رحاب رب رحمن رحيم حليم منان .
في هذا النسق يكون ما تراه من مودة ورحمة بين خلق الله تعالى إنما هو في حقيقة أمره أثر من آثار رحمة الله التي استودعها قلوب خلقه وعباده، حتى غدا أوفر الناس حظاً من هذه الرحمة هو أرقهم فؤاداً مع خلق الله. ومن ثم كان قساة القلوب هم الفئة التي بعدت بسلوكها عن حياضرها وخالقها . حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأنهم في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره «إن أبعد الناس من الله القاسي القلب» .
وتتدفق الرحمة الإلهية على الحياة البشرية، فيهب الله سبحانه وتعالى الوجود نبيا كريما تجسدت الرحمة في شخصه ليمسح بسلوكه آلام البشر، وبصفو حديثه أحزان الناس، فيرى أن محور الرحمة في شخصيته يملى عليه واجباً يتمثل في حمله مشعل الهداية من الحق إلى الخلق مهما كلفه ذلك من ويلات وآلام، ومن ثم نراه يتسامى على المحنة والألم لأنه يرى في دعوته رحمة تخرج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، ومن غرور القسوة والغلظة إلى واحة السلم والأمان . ومن ثم كان محور الشخصية النبوية هو السهولة والرفق والرحمة واللين فصار بذلك أزكى عباد الله صدراً، وأوسعهم رحمة وعاطفة ، وبهذا صدق قول الله تعالى فيه « فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ»آل عمران 159 .
ولم تكن الرحمة في الشخصية المحمدية خلقاً يظهر أثره على السلوك في حالات الراحة والفرح كلا لقد استعلت الرحمة على النفس الغضيبة في الشخصية النبوية حتى صارت طابعاً لها في أحلك الظروف ، وأشد الأزمات . وأسوق بين يدى القارئ الكريم شاهداً على ذلك ؛ تلك الرحلة المباركة إلى الطائف الذي واجه فيها النبي صلى الله عليه وسلم فيها جحافل لم يكن له ذنب معهم إلا أن قال لهم قولوا «لا إله إلا الله تفلحوا «فسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم ونساءهم يقذفونه بالحجارة حتى تخطفته من كل جانب، وسال الدم الشريف على الأرض ليسطر في ذاكرة التاريخ ملحمة الرحمة بالبشرية والحرص عليها، ثم يخرج الصوت النبوي الكريم حاملاً الشكوى إلى الله تعالى «اللهم أشكوا إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك». فتتجاوب لحنو صوته الكريم ملائكة السماء حتى يقول ملك الجبال: يا رسول الله لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم :لا، عسى الله أن يخرج من ظهورهم من يعبد الله ويوحدوه ، اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون .
ثم يتكرر الحدث في صورة أشد هولاً ، وأكثر إيلاماً في غزوة أحد حيث وقع النبي صلى الله عليه وسلم في حفرة، وسهام المشركين تتناوشه من كل جانب، فتشق خده، وتسقط سنه ، ثم ينظر إلى أصحابه من حوله فيجدهم وقد أدرجت دمائهم الثرى، في هذا الموقف العصيب يقول الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع يا رسول الله على المشركين، ولكن هيهات أن يكون كذلك وقد قال الله تعالى فيه « وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» الأنبياء 107.
فكان الدعاء من منطلق الرحمة «اللهم اهدي قومى فإنهم لا يعلمون» وفى هذا دليل على أن أصحاب الرسالات العظيمة، والقلوب الكبيرة قلما تتحكم فيهم دوافع الغلظة والقسوة ، ومن ثم تراهم إلى الرحمة والصفح والحنان أقرب إليها من الميل إلى الغلظة والعدوان، وما ذلك إلا لأن الغلظة في خلق الإنسان دليل ضعف في الشخصية إذ القوي في حقيقته ليس هو من يقدر على العقاب فيوقعه، وإنما هو من يقدر على العقاب بيد أنه يميل إلى الصفح والغفران .
من هذا المنطلق أتت الآثار النبوية لتحث على التواصي بالرحمة بين خلق الله إذ إنها السبيل إلى نزول الرحمة الإلهية بالإنسان لدى مصائب الدنيا، وأهوال الآخرة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام البخاري «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» وفى رواية عند الإمام الطبري «من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء». وفى ضوء ذلك تكون المفارقات بين الغلظة والرحمة في الحياة الإنسانية، فالغلظة التي ينكرها الإسلام على الإنسان تمثل كما قيل جفافاً في النفس، ليس هناك ما يدعمه من منطق أو عدالة أو مفهوم، بل هي في حقيقتها نزوات لأنفس تشبعت بالقسوة والإيذاء ، أما الرحمة فهي أثر من الجمال الإلهي المتمكن في نفوس البشر يدفعهم إلى البر ، ويأخذ بنواصيهم إلى الخير ، ويلقي عليهم في حالكات الليالي البرد والسلام لتحيا القلوب ، وتنتعش بنور الإيمان الصدور ، وما ذلك إلا لأن المتخلق بها إنما هو إنسان له حظ ونصيب مما قسمه الله تعالى بين عباده من رأفة ورحمة .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام البخاري «جعل الله الرحمة مائة جزء وأنزل في الأرض جزءاً واحداً فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». وفى رواية أخرى عند الإمام مسلم «إن الله تعالى خلق- يوم خلق السموات والأرض- مائة رحمة ، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة واحدة ، فبها تعطف الوالدة على ولدها ، والوحش والطير بعضها على بعض». وفى المقابل إن موت الرحمة في قلب الإنسان نذير بؤس وشقاء لصاحبها، فعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» .
وبعد،، إن الإسلام في حقيقة نظرته للرحمة يؤمن بأنها ليست بحال من الأحوال رقة لا عقل فيها، أو شفقة غير مؤسسة على عدل أو نظام، بل هي في حقيقتها هبة ربانية ، ولطيفة إلهية ينزلها الله تعالى على قلوب عباده فتأخذ بنواصيهم إلى الخير ، فتقتنع بأحكامها عقولهم منعكسة بآثارها على المجتمع عدلاً ونظاماً ، ومن ثم كان الأخذ على يد المفسدين هو قمة الرحمة بالمجتمع والمراعاة لحقه وشؤونه .



د. محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات

اقرأ أيضا