الاتحاد

ثقافة

عثمان سمبين نقل هموم أفريقيا إلى العالم ورحل


''الفيلم هو جامعة الفقراء المسائية'' ظل المخرج السينغالي عثمان سمبين يردد عبارته هذه مراراً وتكراراً، تأكيداً منه على أهمية الدور الذي تلعبه السينما في توعية الشعوب الفقيرة· وظل عثمان مخلصاً لقناعته هذه حتى رحيله عن عالمنا في منتصف الشهر الماضي؛ وبوفاته خسرت أفريقيا واحداً من أهم فنانيها وكتابها وخسرت معلماً سياسياً من الطراز الأول ساهمت أفكاره في بلورة الوعي الوطني لشعوب القارة بعد نيل استقلالها السياسي·
عرف سمبين روائياً أولاً من خلال روايته ''عامل الميناء الأسود'' عام ،1956 وكانت باكورة أعماله الروائية ثم تلتها بعد عامين ''وطني ـ شعبي الجميل'' والثالثة ''آلهة الخشب'' ثم توج مسيرته الروائية ب ''الحوالة'' التي ترجمت إلى لغات عالمية عدة، منها العربية، ووضعت اسمه بين كبار أدباء القارة· هذا النجاح دفعه لاقتحام مجال إبداعي اخر هو الفن السينمائي، وسبب هذا التحول كما يراه وجدي كامل صالح في كتابه (السينما الأفريقية ظاهرة جمالية) ترجمة عادل محمد عثمان، أن السينما كانت هاجساً قديماً راود سمبين منذ نعومة أظفاره· ولهذا نراه قد استفاد الى أقصى حد من المنحة التدريبية التي منحها له اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية للتدريب في أستوديو غوركي على يد المخرج البارز الروسي مارك دنسكوي· ولكونه كاتباً وروائياً كثيراً ما كان يسأله رجال الإعلام عن سبب اختياره لهذة الوسيلة من وسائل التعبير، فكان جوابه واحداً ومتكرراً: إن الصورة لغة أشد تأثيراً وانتشاراً وسط الشعوب الأفريقية في ظل الأمية وعدم القدرة على الكتابة·
ترك سمبين بصماته على تاريخ السينما الأفريقية، فهو صاحب أول فيلم روائي طويل ''سوداء من ··'' أخرجه عام ·1966 ومخرج أول فيلم روائي طويل ملون ''الحوالة البريدية'' الذي أسس قصته على عمل أدبي له حمل العنوان نفسه· · شاركت الكثير من أفلامه في مهرجانات سينمائية عالمية مثل كان وبرلين وغيرها، وحاز قسم منها جوائز في مسابقات دولية، كما منحها النقاد اهتماماً كبيراً إذ اعتبروها أفلاماً جادة ساهمت في نقل هموم القارة إلى العالم كله· وتعتبر الكاتبة السينمائية السويدية ماريا سيديركويست أن فيلمه الأول '' باروم شاريت'' أو الحوذي واحداً من الأفلام التي جسدت وبفنية عالية وبسيطة الصراع الاجتماعي والطبقي وكشف الاستغلال البشع للمحتل الأجنبي وأيضاً عرى الأنماط البيروقراطية الجديدة التي لم يتعرف إليها المجتمع الأفريقي من قبل· في هذا الفيلم صور حالة الحوذي الطيب الذي يعتاش على عربته في نقل الناس إلى الأمكنة التي يريدون الوصول إليها· ومن سوء حظه أن يركب معه في يوم تعيس، أحد الرجال المتنفذين، ويطلب توصيله الى حي راقٍ، وما أن يصل هناك حتى تطالب الشرطة صاحب العربة بغرامة مالية· وبدلاً من مساعدته يتركه الرجل الغني وحيداً في مواجهة المصاعب مع رجال الشرطة من دون أي رحمة منه أو رأفة·
انعكست تجارب وخبرة عثمان سمبين الحياتية (1923 ـ 2007) على أعماله السينمائية بشكل واضح· فالرجل الذي ولد في عام 1923 في مدينة كازامانس من عائلة فقيرة عاش شظف العيش، وأجبرته صعوبتها على العمل صياداً في طفولته ثم حمالاً وخدم في الجيش الفرنسي إبان الحرب العالمية الثانية، وبعد رجوعه الى بلده السنغال ومشاركته في إضرابات عمال السكك الحديدية، اضطر للعودة ثانية إلى مرسليا ليعمل في موانئها قرابة عشر سنوات·
كل هذه التجارب نلمسها في أعماله· ففي فيلم '' سوداء من··'' عكس تجربة فتاة سنغالية تذهب إلى فرنسا مع مخدوميها الفرنسيين حيث تواجه هناك السقوط المريع لأحلامها عن الحياة في باريس· وفي فيلم ''خالا'' يعالج، كما يشير الكاتب وجدي كامل، موضوع السلطة والسياسة والمجتمع الأفريقي في نموذج السنغال · فـ ''خالا'' تعني اللعنة أو العجز الجنسي الذي يصيب مسؤولاً كبيراً بالدولة بهذه الحالة ليلة زفافه من بنت صغيرة وهوالذي بلغ عمره سبعين عاماً وتزوج للمرة الثالثة· ولعل فيلمه الأشهر ''مولادي'' الذي يتناول فيه مشكلة ختان النساء يعكس بقوة جرأة عثمان في مس القضايا الاجتماعية الخطرة وتسليط الضوء عليها هذه النماذج المختصرة تجسد مواقف سمبين الفكرية والذي يوصف في أحيان كثيرة وبسبب من طليعية أفكاره الاجتماعية والفنية بأنه ''أبو السينما الأفريقية'' واخرون اعتبروه مؤسسها، وسيبقى زوار ومشاركوا مهرجان السينما الأفريقية في بوركينا فاسو يتذكرون اسم مؤسسه عثمان سمبين على الدوام، حتى بعد رحيله·

اقرأ أيضا

"الهايكو".. الكون في جرعة شعرية مكثفة