الاتحاد

دنيا

انهيار امبراطورية الحنش

(القاهرة) - مات الحنش، وهذا لقبه، أما اسمه فلا يعرفه إلا قليل .. رحل ولم يترحم عليه أحد.. حتى ابنته لم تذرف دمعة واحدة وإن كانت تتظاهر بالحزن. ليس من المعروف من الذي أطلق عليه هذا الاسم البغيض، لكن الغريب أنه كان سعيداً به ولم يناده أحد بعد ذلك باسمه الحقيقي الذي نسيه الجميع وعاش حياته في بيته وفي السجون، حيث تم الحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً لاتهامه في الاتجار بالمواد المخدرة.
ظلّ الحنش يمارس تجارته المحرمة في السموم بأنواعها كافة، ونظراً لحيطته وحذره واتخاذه أساليب ماكرة في كل مرة كان يفلت من مطاردة رجال الشرطة بطريقة شيطانية، وقد يكون ذلك هو السبب الذي اكتسب به هذا الاسم، لأنه مثل الثعبان الصغير يختفي في أضيق جحر أو يفر في طرفة عين من دون أن يعثر له على أثر، حتى أن أحد الضباط لم يخف إعجابه بذكائه لولا أنه يستخدمه في الجريمة، فهو يدير تجارته من بعيد حتى لا يتم القبض عليه، فمرة يهرب المخدرات في بطون الطيور المذبوحة ومرة يضعها في ملابس ابنته وحول جسدها، وهو الذي ابتدع طريقة نقل الحشيش في نعوش الموتى الوهمية، وعندما سقط في يد الشرطة سقط بالصدفة وتم تقديمه للمحاكمة وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي يتم فيها القبض عليه متلبساً بجريمته.
رغم أن حياته كانت على كف عفريت وعيون الضباط تلاحقه، لكنه لم يتوقف عن نشاطه، لأنه اعتاد سلوك هذا الطريق المعوج، كأنه أدمنه، مثلما جعل ضحاياه يدمنون المخدرات، علاوة على أنه لم يستطع أن يتوقف عن هذا السيل من الأموال التي تأتيه مع كل صفقة، وأخذته العزة بالإثم وألقى بابنه وابنته في هذه المهالك، علمهما وسائل التخفي وطرق الهروب والمراوغة حتى عندما كبرت «نجفة» كانت تتصرف مثل الرجال وبسبب سلوك أبيها المشين لم يقبل أي شاب علي الزواج منها وكان نصيبها هذا الرجل أحد أعوان أبيها في تجارته الممنوعة.
لم يكن موت الحنش نهاية إلا لحياته وكان بداية لمرحلة جديدة، فقد تسلم ابنه راية الخراب والدمار وواصل مشوار أبيه الذي نشأ فيه ويعرف معظم خباياه وأسراره، تعاونه أخته وزوجها، ومن خلال المال الحرام أصبحوا يملكون البنايات الشاهقة والأراضي الشاسعة والسيارات الفاخرة، لكن كل ذلك كان مثل الخبز المعجون بالدم، كله حرام، واستمرت نفوسهم الطامعة تقول هل من مزيد لا تشبع ولا تكتفي ولا تفكر في التوبة.
لم يكن البوليس وحده هو الذي يناصبهم العداء ويعكر عليهم صفوهم، بل إن خلافاتهم ووسائلهم المعوجة في التعامل، جعلت لهم أعداء كثيرين، فهم لا يتورعون عن غش المخدرات أو التهرب من سداد أثمانها أو المماطلة، حتى نشبت معركة بالرصاص بينهم ومجموعة أخرى على شاكلتهم، كأنها حرب شاملة فقدت فيها «نجفة» ابنها الصغير الذي لم يتعد السابعة من عمره، ومع هذا لم يحرك ذلك عندهم ساكناً، وأصيبت برصاصة في ساقها جعلتها تعاني عاهة مستديمة، فلم تعد تسير بشكل طبيعي كما كانت.
وجاءت الضربة القاصمة عندما أحبط رجال مكافحة المخدرات الصفقة الكبرى التي وضعوا فيها كل ما يملكون من أموال طمعاً في أن ربحها سوف يكون أكثر من عشرة أضعاف ثمنها، وألقي القبض على زوج «نجفة» وشقيقها وتم ضبط شاحنة من المخدرات وأصدرت محكمة الجنايات حكمها بمعاقبتهما بالأشغال الشاقة المؤبدة لمدة خمسة وعشرين سنة، أي قد لا يخرجان إلى الحرية مرة أخرى وكأنها النهاية، ولم يكن هذا وحده الذي قصم ظهورهم، بل إن المحكمة قضت في حكمها بمصادرة جميع أموالهم العقارية والمنقولة والسائلة بعدما ثبت أن مصدرها غير مشروع، وأنها من حصيلة تجارة السموم، وأما العجيب فإن مصلحة الضرائب طالبتهم بمستحقاتها عن أرباحهم من هذه التجارة رغم أنها محرمة ورغم مصادرة الأموال المتحصلة منها، فحتى إن كتب لهم البقاء وظلوا على قيد الحياة بعد هذا الحكم فإنهم لن يستطيعوا تسديد المبالغ الضخمة التي تصل إلى ملايين الدولارات لمصلحة الضرائب وستتم محاكمتهم عليها والحكم عليهم من جديد.
وتحملت «نجفة» وحدها مسؤولية احتياجات أبنائها وأبناء شقيقها بعد أن أصبحت وحيدة في الدنيا عقب سجن زوجها وشقيقها، وبدلاً من أن تتعلم الدرس وتبحث لهم عن لقمة حلال استمرت في الطريق نفسه الذي لا تعرف غيره. أصبحت «نجفة» من المشبوهين بين الناس لا يقترب منها أحد خوفاً على سمعته، ومعروفة لدى البوليس الذي يٍضيِّق عليها الخناق، ولم يترك لها أي مجال لتفعل ما كانت تقوم به من قبل، وإن سقطت فالتشرد والضياع في انتظار الصغار الذي لم تعلمهم مهنتها بعد وليس عندها ما تورثه لهم غيرها.
هذه المرة بحثت عن طريقة جديدة كما اعتادت في أفكار أبيها التي لا يتفتق عنها ذهن إبليس نفسه، وبالاتفاق مع أخيها وزوجها قرروا أن يروجوا المخدرات في السجن نفسه وأمام عيون رجال المباحث والحراس مهما كثروا ومهما كان عددهم وهم يعرفون أن الزوار يخضعون لتفتيش دقيق ولا يمكن إدخال المخدرات إلى السجن بسهولة ولا يمكنهم أن يجازفوا ولا مجال للخطأ، ولا بد من الابتعاد عن الطرق التقليدية التي يتبعها ويلجأ إليها المبتدؤون في التهريب والترويج مثل وضعها في الأطعمة أو الملابس، فهذه يتم فحصها وكشفها بأبسط طرق التفتيش.
توجهت «نجفة» إلى السجن في يوم الزيارة وهي تحمل الطعام لزوجها وشقيقها، وصلت مبكراً قبل موعد الزيارة بحوالي الساعة، هناك الحراس لا يعرفونها، كانت تتوكأ على عصا لأنها منذ أن أصيبت في ساقها وهي تعتمد عليها في سيرها ولا تستطيع أن تسير من دونها، كانت تذرف دموع التماسيح، تصنعت الحزن، استعطفت الحارس أن يساعدها وينزل الطعام من فوق رأسها، ومن قبيل الإنسانية وحتى لو جاءت لزيارة مسجون، فإنه يرى أن لا ذنب لها فيما فعل أو ارتكب من جرم.
جلست تبكي ثم علا صوتها بالبكاء وتردد كلماتها بأن أخاها وزوجها بريئان من التهمة وتحاول أن تفتح حواراً مع الشرطي اعتقاداً منها أنها ببعض ألاعيبها سيتركها تمر من دون تفتيش دقيق وأنها ستنجح في خداعه والإيقاع به في الشرك الذي تنصبه له، وقام بالفعل بمجاراتها وتجاذب الحديث معها فإذا به يلاحظ أن المرأة تنتعل حذاء رجالياً فقال لعلها لا تستطيع شراء حذاء حريمي لكن الحذاء جديد، إذن اشترته متعمدة فثارت الشكوك في نفسه فغاب لحظة ثم عاد ليسمح ببدء الزيارة للمسجونين ويندفع الزوار، لكن الضابط يستوقف «نجفة» لأن الحارس أبلغه بشكوكه وملاحظته وعند تفتيش الطعام لم يعثر فيه على شيء، ثم أمرها أن تخلع الحذاء فاستغربت واستنكرت وتعللت بأن الجو بارد في هذا الشتاء القارس وجاء الكلب البوليسي المدرب وانقض على الحذاء يلتقمه ويتم فتحه ويعثر في النعال على كمية من الحشيش ويلقى القبض عليها ولم تستطع الإنكار وتلحق بأخيها وزوجها في السجن وتنهار امبراطورية الحنش ولم يبق لها أثر.

اقرأ أيضا