الاتحاد

الملحق الثقافي

الشاعرة تقصُّ أثر الشاعر

بعد رحلة بحث مضنية وطويلة استغرقت اثني عشر عاما أو أكثر، تتبعت خلالها أثره، وتقصت حضوره في ذاكرة الزمان والمكان، حظيت بلؤلؤتها الغائبة، فنفضت عنها غبار الإهمال والتجاهل، وأخرجتها تبرق إلى المشهد الشعري والثقافي في الإمارات والعالم العربي. أما اللؤلؤة فهي “الأعمال الكاملة للشاعر الشيخ صقر بن سلطان القاسمي”، وأما صاحبة الرحلة فهي الشاعرة ميسون صقر القاسمي التي خاضت حتى أذنيها في هذا العمل الدقيق، الذي أخذ بمجامع قلبها واستحوذ على كل اهتمامها كشاعرة، أولاً، تدرك قيمة الشعر وأهميته، وكابنة، ثانياً، تسعى إلى استحضار والدها المغيب تاريخاً وشعراً وإنجازاً.

ها هي الشاعرة تقصُّ أثر الشاعر، وتبحث عن ميراثها الشعري. ها هي تطارد قصائده لدى الرواة والشعراء والأصدقاء، مقتفية أثره في الصحف والمجلات، جامعة دواوينه من هنا وهناك، باحثة عن قصائده في قصاصات الورق والبطاقات وأوراق التليكس، وبطاقات فهرسة المكتبات، وخلفيات التقارير و”الروشتات” الطبية، وأوراق تدوين الملاحظات التي تخص فنادق في أبوظبي وبيروت وميونخ وباريس وبغداد، وأوراق مستلَّة من دفتر مراسلاته أو من أجندة عام 1989م، كذلك من خلفيات المظاريف البريدية والبطاقات التي كانت تأتيه من هنا وهناك، أو خلفية تذكرة سفر، ومن هوامش في أسفل صورة فوتوغرافية، أو صور ضوئية لبعض قصائده في كتب ودواوين آخرين... من كل ذلك خرجت ميسون صقر لتعلن: “بعد كل هذه السنوات، أبدأ نشر الأعمال المكتملة لديوان والدي الشيخ صقر بن سلطان القاسمي. الشاعر الذي ظلمته السياسة وأطفأت عن موهبته الشعرية العميقة كل منفذ نور، فخرج من ساحة السياسة لاجئًا، وخرج من الشعر مظلوماً”.
بهذا العمل، لا تجمع ميسون إرث الشاعر فقط، بل تخرجه من ظلمة المجهول إلى نور العلن، بعد أن “نضجت ثقافياً” كما تقول، بالقدر الذي يجعلها تستطيع الكتابة عنه. لكن الكتابة عن الشاعر مأزق، فكيف إذا كان الشاعر والداً، وكيف إذا كان الوالد صاحب سيرة وعرة يحار المرء من اين يبدأ في سردها.

هاجس الفقد

تقول ميسون صقر: “بعد وفاة والدي قدمت لي أمي بعض أوراقه. كانت بعض قصاصات ورقية أشبه ببقايا أوراق، لا الأوراق ذاتها... فتحتها فكانت أجزاء من قصائد لم تكتمل، وبعضها مكتمل على الورقة ذاتها أو في أوراق أخرى، بعضها باللغة العربية، وأكثرها بالشعر النبطي. هي إذن قصائد له”.
كانت تلك الأوراق “حصيلة العمر الشعرية” التي لملمها الوالد الشاعر من أوقات شتى عبر مسيرة حياته، وذهب بها إلى لبنان كي تطبع هناك، واجتمع بعض أصدقائه لها على مدى يومٍ كامل يعملون فيها، وعند انتهائهم منها في أواخر الليل تركوها على المنضدة كي يواصلوا في اليوم التالي، ومن ثم ترسل للطباعة بعد ذلك. في الصباح لم يجد الشاعر أثراً لما جمعه، وقالت الخادمة إن كل ما رأته قصاصات ورقية قديمة وبقايا علب سجائر ومظاريف، ظنتها ما تبقى من الورق؛ فأخذتها وأحرقتها كلها!.
هكذا فقد الشاعر قصائده، ومن ثم ظل طوال حياته الباقية يتذكرها ويكتبها ثم يعيد كتابتها مرة أخرى، وهكذا. أما الشاعرة (الابنة) فعاشت فداحة هذا الفقد، وحملته حيرة في الروح، وظلت مسكونة بهاجس “ضياع” هذه الأوراق المتبقية، خائفة عليها، كما خافت والدتها من قبل، من يد تحرقها أو تضيِّعها مرة أخرى؛ فقدمتها للشاعرة كي تظل في عنقها أمانة لا بد لها أن تظهر إلى الوجود.
في البداية، تروي ميسون، كنت أتعامل مع هذه القصاصات على أنها ذكرى لوالدي. تعاملت معها كما تعامل ابنةٌ بعض ذكريات والدها المتوفَّى. أنظر إلى خطه.. إلى تغييراته في القصائد.. إلى طريقة كتابته، وكثير من ذلك يشبهني، ولهذا كنت أبحث عما أشبهه فيه. في اللغة، الكتابة، الشعر، الشخصية وهكذا.. لكنني ظللت أرى أهمية أن أستخلص من هذه الأوراق ما هو ذو قيمة وما هو جديد، خصوصًا بعد أن بدأت أكتشف أن بعض هذه القصاصات ليست بالنبطية بل بالفصحى، وهي قصائد جديدة لم تنشر في جل أعماله السابقة المطبوعة في حياته. بعد ذلك أهدتها والدتها كراستين من أعمال والدها وجدتهما في درج مكتبه مع بعض شرائط قليلة من تسجيلات الندوات التي كان يقيمها في بيته. وها هي تنجز وعدها، وها هي القصائد أو الجانب الأعظم منها، يرى النور وينتفي تماماً احتمال حرقه أو ضياعه.

مأزق الكتابة عن شاعر

الرحلة لم تكن سهلة، والطريق لم تكن معبدة، بيد أن الحصيلة كانت تستحق: صورة شبة شاملة للشاعر مرسومة بكلمات الابنة الشاعرة التي استعانت “برفقة حسنة”، حسب وصفها، عاونتها في هذا العمل الضخم والمربك بشكل “أرضى عنه ولو قليلاً”، لتقدم شهادتين: إبداعية وشخصية: الأولى جاءت بمثابة دراسة في شعر الشاعر والثانية تقص حكاية القصائد المحترقة التي وصلت إليها، فكانت جمرها وميراثها.
تقول ميسون: “لم يكن يعنيه، تعني والدها، سوى لحظة الكتابة وإعادتها وتغييرها واستعادتها، فلا ينظر إليها ضمن التجربة العامة له، ولا يزنها داخل هذه التجربة؛ لأنه يراها، كما اعتقد خلال هذه الفترة من الانسجام والتواصل مع قصائده، تجربة ليست مغلقة أو محدودة؛ ولهذا أيضًا حاول التعامل مع كثير من مضامين الشعر وأدواته وفروعه، فقد عارَضَ قصائد لآخرين، ومَارَسَ التشطير والتخميس، فهو شاعر يتعامل مع الشعر باعتباره شاعرًا هاويًا ومحترفًا، قادرًا ومجرِّبًا، محبًّا وعميقًا ونزقًا في آن. كان الشاعر الشيخ صقر القاسمي يكتب القصيدة إذن بالفطرة. فكان صائد قصائد لا صانعًا محترفًا متقنًا دون روح؛ لهذا نجد قصائده متوهجة أخاذة، لكن بعضها قد يُفلت ـ وهذا نادر ـ فتختل عروضيًّا؛ ولهذا ـ وهو استنتاج مني ـ كان يغيِّر فيها، حاملاً لآلئه من ديوان إلى ديوان ينثرها فيه بعد أن يُحْدِثَ هذه التغييرات التي ربما كان يستنصح فيها أصدقاءه المقربين. أقول ربما لأنني لست واثقة، وذلك لأنه شاعر بالفطرة لا دارس عروض وقواف ونحو، فهو يحس بموسيقى الشعر بالسليقة وبما استوعبه من القراءات والاستماع؛ لذا جاءت قصائده حية وهاجة، وربما كان وراء ذلك قلق الشاعر الدائم من كتابته، أو تطور أدواته الشعرية، حيث نلاحظ ذلك من ديوان إلى ديوان”.
وتضيف: “كان لا بد من أن تختلف الطبعة الجديدة عما سبقها، ولكن في إطار الحفاظ على السياق المكاني والزماني، وهذا هو الحق الواجب لشاعر له دور وقيمة كبيرة، لا حسب رأي ابنة في أبيها، ولكن حسب رأي كثير من النقاد والكتَّاب وكثير من المثقفين، الذين تجاهلوا الحديث عنه وعن قيمته الشعرية لسنوات عديدة، نظرًا لوضعه السياسي ومأزق الكتابة عن شاعر مهم ومؤثِّر وسياسي محذوف من الخريطة، مع أنه صاحب دور مؤثر في مرحلة تاريخية معينة. وكأن من يذكره بالشعر سوف يذكره في الواقع الصامت في الحياة، لذا كان الصمت والتجاهل أفضل الطرق وأسلمها لعدم الخوض في منزلق قد يسبب كثيرًا من المشكلات للمهتمين به. وهكذا ظل شعره مهملاً في الظل حتى وإن كان في بؤرة الاهتمام الحقيقي، إذ يشكِّل ومعه بعض شعراء بعدد الأصابع في منطقة الخليج العربي، منعطفًا أساسيًّا في حركة الشعر هناك؛ لكنني كابنة وشاعرة تعرف قيمة الشعر وكاتبيه، وبعد كل هذه السنوات من التغيرات التي طرأت على الواقع، وبعد وفاته بأكثر من خمسة عشر عامًا (1993)، أراني أتساءل: أليس من الحق أن نعيد بعض الاعتبار لشاعر مهم ومؤثر تجاوز حدود المكان، وتأثر وتفاعل مع شعراء وأوطان وحالات خارج دائرته الصغيرة، واتسعت عيناه على الفكر والأدب وكان (مع أعضاء جماعة صغيرة هي “جماعة الحيرة”) مؤرَّقًا بهاجس الشعر والتنوير والثقافة، يحاول التواصل والنهوض بالشعر حينها؛ أليس من حقه علينا أن نشير إليه بالبنان ونقول: إن شاعرًا هنا؟.
أنا سأقول: إن هذا الشاعر كان أبي.

هذا إذن هو أبي الذي أحب الشعر؛ فأحب الحياة وجعل مقاليد سعادته في يده وفي يد الحب: حب الوطن وحب الشعر. أبي الذي لم يعرف الكذب أو الممالأة لكنه دفع ثمن صراحته ومواجهته، لجوءًا سياسيًّا بعيدًا عن وطنه، وإبعادًا عن خارطة الشعر والحياة وكُتب التاريخ مغمضًا عينيه عما فعله (وهو كثير) في فترة زمنية كان القليل فيها مؤثرًا وصعباً. أقول: إن هذا الشاعر هو أبي بكل عالمه الشعري وحياته التي كانت شعرًا منثورًا لا واقعًا مَعِيشًا، فأصبح أميرًا ثائرًا وشاعرًا، وثائرًا شاعرًا وأميرًا، وشاعرًا أميرًا وثائرًا، لا يتقدم وصف منها على الآخر؛ لأنه فهم الإمارة بعدم تناقضها مع الحكم والشعر، وفهم السياسة بعدم تناقضها مع الثورة والشعر والوطنية، وفهم الشعر كإمارة وسلاح سياسي”.

صورة الشاعر

كتب الشاعر صقر بن سلطان القاسمي في معظم الأغراض الشعرية، في الوطنيات والمرأة والغزل والرثاء والإخوانيات، كما كتب الشعر الذاتي والقصيدة الحرة (نشر قصيدة من الشعر الحر بعنوان “فتاة الجبل الأشم” في ديوانه “في جنة الحب” المنشور في العام 1961، وتذهب ميسون إلى أن صقر القاسمي كان من أوائل من كتب الشعر الحُرّ في الخليج العربي). وكان للشاعر حضور شعري بارز على الساحة الثقافية العربية، فقد تناول شعره الباحث مصطفى الشكعة، والشاعر علي هاشم رشيد، وعبد الله أحمد الشباط وغيرهم. فيما كتب هو عددًا من القصائد في مناسبات مختلفة كمؤتمر الكتَّاب الآسيوي الأفريقي الثالث، وجمعية الشبان المسلمين، ومؤتمر القمة الثالث في المغرب، ومؤتمر الأدباء والكتَّاب السادس بالقاهرة، ما يدلل على عمق صلته بالأحداث الجارية في العالم العربي في ذلك الوقت، وارتباطه بالحس الوطني العام وقضاياه الكبرى.

لقد عرف الشاعر تقلبات الحياة في إقبالها وإدبارها؛ “عرف الإمارة والسجن؛ والكلام لميسون، فعاش الحياة بشقيها، وكان راضيًا مقبلاً عليها. شارك في أكثر من مؤتمر شعري، وكتب في كثير من القضايا الوطنية التي شغلته كما شغلت كل وطنيٍّ في ذلك الوقت (الجزائر، فلسطين، مصر، الصومال، سوريا، وغيرها)، وكان من أوائل الشعراء في الخليج العربي الذين طبعوا قصائدهم في دواوين شعرية. أحب المدن وكتب عنها، وأجمل ما كتبه كان في دمشق ولبنان ومصر وغيرها، وكتب عن موطنه الأكبر عُمَان، وعن ثوارها. وكتب قصائد الحب والغزل، وكتب عن المطربتيْن فيروز، ونجاة الصغيرة، وعن نورجهان (الممثلة الهندية)، كما لو أنه عاشق للمرأة والوطن والحياة حتى الثمالة، وكتب عن أهله: الأب والابن والأخت والزوجة وبناته اللاتي خص منهن عائشة، وهند، وميسون بقصائد منفردة، وخص زوجته بقصائد عديدة أجملها “مرحبًا بالصبا بعد الخمسين”، التي قالها حين زارته في السجن ولم يكن قد رآها منذ ثماني سنوات تقريبًا، كما كتب لأخويه سالم ومحمد قصيدتين لم تنشرا في دواوينه”.

واحتفى بأصدقاء كثيرين فكتب لهم قصائده أو أهداها إليهم: “دمع مسلسل” أهداها إلى الشيخ محمد بن عبد الله السالمي، و”زفرة متأرجحة” أهداها إلى الشاعر عزيز أباظة، و”الأرض للطوفان مُحتاجة” أهداها إلى “صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز السليمان”، و “بطل العروبة” أهداها إلى “عاهل الجزيرة العربية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود”، و”ألحانٌ مفصّلة” أهداها إلى أمير الأدباء الشيخ محمد بن عيسى الخليفة، و”حنيني إلى مصر” أهداها إلى الشاعر عبد الله زكريا، و”فتنة النغم”، أهداها إلى شاعر الشباب (الأستاذ أحمد رامي). كما تؤشر قصائد الشاعر على عمق صلاته مع عدد من الشعراء: سالم بن علي العويس، عبد الله بن صالح المطوع، داود صدقي النابلسي، عزيز أباظة، فؤاد الخشن، بشارة الخوري (الأخطل الصغير)، فارس الخوري، وحسن كامل الصيرفي وغيرهم.

وتعكس الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر تأثره ببعض الشعراء، أو إعجابه بهم، الأمر الذي شجعه على قول الشعر على منوالهم، أو معارضتهم، أو تشطير بعض قصائدهم أو تخميسها، أو تضمين قصائده بعض الأشطر أو الأبيات التي راقت له، ومن الشعراء الذين تأثر بهم الشاعر: امرؤ القيس والمتنبي وعمر بن أبي ربيعة وأبو تمام والبحتري وجميل بن معمر وابن زيدون وأبو نواس وأبو فراس الحمداني وأبو العلاء المعري والمعتمد بن عباد والطغرائي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأبو القاسم الشابي وإيليا أبو ماضي وعمر أبو ريشة وعبد الله الفيصل، فضلاً عن تأثره بوالده الشاعر الشيخ سلطان القاسمي. وقد أوردت ميسون في المقدمة أمثلة كثيرة على هذا التأثر أو التضمين والاقتباس مما لا تتسع المساحة لإيراده والتفصيل فيه.


الأعمال الكاملة.. السيرة الكاملة

أكثر من مجرد “مجموعة دواوين” مبوبة ومصنفة و”مخدومة بحثياً” بشكل جيد، جاءت الأعمال الكاملة، فكانت اسماً على مسمى، وقدمت صورة شاملة لسيرة الشاعر الشعرية والحياتية وعالمه الفكري والأدبي. فالكتاب الذي حققته الشاعرة والفنانة التشكيلية ميسون صقر القاسمي وصدر في أربعة أجزاء من القطع الكبير، تربو صفحاتها على 1700 صفحة، علاوة على أنه يضم الدواوين المطبوعة والمخطوطة وقصائد جديدة لم تنشر سابقاً، يشتمل على عدة ملاحق وفهارس ووثائق، منها: فهارس قصائد الدواوين المطبوعة في الطبعة الحالية، مقارنة بجميع طبعات الدواوين السابقة، وذلك لكل ديوان على حدة. وفهارس القوافي والبحور الشعرية لكل ديوان على حدة مقابلةً بأرقام الصفحات التي تيسر على الباحث دراساته وأبحاثه. ورسائل الشاعر الشعرية والنثرية. والرسائل المرسلة إلى الشاعر. والقصائد الشعرية المكتوبة عنه والمهداة إليه. والقصائد الشعرية التي كتبت ردًّا على شعره وقصائده. ونماذج من صور الشاعر الفوتوغرافية في مراحل عمرية مختلفة، ونماذج لطوابع البريد التي حملت صورته. والمقالات النثرية المكتوبة عنه.
ونماذج مما كتب عنه في الصحف والمجلات. والدراسات الأدبية والنقدية عنه وعن شعره. والمقدمات التي كتبها آخرون لدواوينه. والرسائل الأكاديمية عن شعره. وسيرة حياة الشاعر، ما يجعله، أي الكتاب، سيرة متكاملة تضيء صورة الشاعر وتجسد ملامحه الشخصية وسماته الإنسانية، وأصداء شعره الأدبية والفنية، مشكلة مشهدًا شبه متكامل عن هذا الشاعر وعالمه.

جاءت الاعمال الشعرية في أربعة أجزاء تضم جُماع ما كتبه الشاعر من دواوين وقصائد، بعضها مطبوع وبعضها مخطوط، وبين المطبوع دواوين نافذة لاحقتها ميسون حتى حصلت عليها.

وقد أوردت في مقدمتها وصفاً جامعاً مانعاً لهيئة هذه الدواوين ومحتوياتها تميز بالشمول والدقة البالغة، ولم تترك صغيرة ولا كبيرة تضيء على حالة الدواوين إلا وأوردتها، طبقا لأسبقية طباعتها، ولهيئتها الواقعية التي نشرت بها، أو التي وجدتها عليها (المخطوطات)؛ إذ إن هذه الدواوين، على حالتها تلك، كانت مصدرها الأول والأساسي لجمع شعر الشاعر الفصيح، والعمل على تحقيقه وتبويبه وتنقيحه. هنا، تقمصت ميسون دور المحقق المخلص، واعتنت، على عادة المحققين، عناية فائقة بضبط القصائد ووضع الشروحات التي تقرب القارئ من أجوائها. أما الدواوين المطبوعة فهي: “وحي الحق” (1954)، “الفواغي”، “في جنة الحب” (1961)، “صحوة المارد” (1982)، “لهب الحنين” (1990). وأما الدواوين المخطوطة فهي “كان شجنًا”، “قطرات عطر”، “لا تسأل الأمس”. إضافة إلى ديوان من الشعر النبطي بعنوان: “عن الدار يا عذّال”، وأسطوانة مدمجة تحمل مختارات مما تركه الشاعر.

بذلت ميسون في هذا العمل جهداً كبيراً، لا سيما أن الشاعر صقر القاسمي كان يغيِّر في القصيدة الواحدة من ديوان إلى آخر، فكان عليها أن تعيد كل قصيدة إلى مكانها في دواوينه السابقة، أي تقصِّي تاريخ كل قصيدة بما حدث لها من زيادات وتغيُّرات ما بين طباعة وأخرى، وما بين ديوان وآخر، ولم تنس أن تورد نماذج كاملة لمثل هذه القصائد وأماكن تكرارها في الدواوين المختلفة.

إلى ذلك، وجدت الشاعرة نفسها أمام صعوبات تقنية، إن جازت العبارة، مثل: تعدُّد طباعة الديوان الواحد، أو أجزاء منه في دواوين أخرى تالية عليه. وتشابُه عدد كبير من القصائد في المعجم اللغوي، وفي المضمون، وأحيانًا في العناوين، وفي بعض الأبيات. وعدم وضوح بعض القصائد المخطوطة. فهي إما أن تكون ممسوحة، أو بها أخطاء. ووجود أكثر من كتابة أو صياغة لعدد غير قليل من القصائد المخطوطة. وكثرة التعديلات في القصائد المخطوطة، وإدخال الشاعر هذه التعديلات عليها بطريقة الشطب والإضافة. وعدم وجود عناوين لأغلب القصائد المخطوطة، وهو ما دفعها إلى وضع عناوين لها، وإثبات ذلك في موضعه.

رغم ذلك، تتميز هذه الطبعة عن الطبعات السابقة في أنها تأتي بعد وفاة الشاعر، جامعة كل شعره المطبوع، علاوة على قصائد جديدة. والمعنى، أن هذه الطبعة هي طبعة منقَّحة ومزيدة عن سابقاتها بما فيها من الحواشي والتحقيق وضبط التشكيل، مدعومة ببعض الشروح والإضافات والمقارنات بين الدواوين في طبعاتها المختلفة، بحيث تكون النسخة التي بين أيدينا، بحسب ميسون، هي النسخة المكتملة والوافية والمحققة للشاعر الشيخ صقر بن سلطان القاسمي. ومن أميز ما في الكتاب، تلك المقدمة الضافية التي كتبتها ميسون وأضاءت فيها على علاقتها بالشاعر ورحلتها مع قصائده، وشكرت في نهايتها جهود الباحثين والشعراء والمصححين وكل من قدم لها معلومة أو ساهم معها في هذا الكتاب من دون أن تنسى أن توصف الدور الذي قام به كل واحد منهم، وهي التفاتة جميلة من الالتفاتات التي عودتنا عليها.

اقرأ أيضا