الاتحاد

دنيا

حياة ضحايا إصابات الدماغ.. معاناة صامتة ومزاجات سيئة

الناصية من أكثر مناطق الرأس حساسية وإصابتها من أخطر أنواع إصابات الدماغ (أرشيفية)

الناصية من أكثر مناطق الرأس حساسية وإصابتها من أخطر أنواع إصابات الدماغ (أرشيفية)

كثيرة هي الحوادث التي يتعرض لها الناس في حياتنا اليومية، حوادث مختلفة النتائج والعواقب ومتفاوتة في خطورتها حسب الجزء الذي تعرض للضرر أو التلف. فعند وقوع حادثة سير، أكثر ما يرجوه أهالي المصاب وهم رافعون أيديهم إلى السماء هو أن لا يكون قريبهم قد تعرض لإصابة في الدماغ. وعندما يُصاب جندي في ساحة المعركة أو عند نصب كمين لعدو ما، فإن أكثر شيء يتمناه هو عدم إصابة الرصاصة لدماغه. فالرأس وما يحويه يظل وبدون منازع أكثر منطقة حساسة في جسم الإنسان، إذ قد يؤدي مس خفيف لإحدى خلاياه لتعطيل وظائف أساسية في جسم الإنسان أو التأثير على سلوكاته المجتمعية، فتغدو حياته معها عسيرةً وعصيبةً.

أبوظبي (الاتحاد) - على الرغم من أن ضحايا إصابات الدماغ يحافظون على وظائفهم الأساسية، فإن بعض التغيرات الطفيفة التي تطرأ على المصاب تؤثر على سلوكاته الاجتماعية، وقد يصبح بعد الإصابة شخصاً آخر مختلفاً. ففي سنة 1848، أدى انفجار موقع بناء سكة حديدية إلى اندفاع عمود حديدي يزن 6 كيلو جرامات بشدة إلى وجنة عامل اسمه فينياس جايج في ولاية فيرمونت، وقد اخترق هذا العمود الذي يبلغ سمكه 3 سنتيمترات وجنته ووصل إلى ناصيته (القشرة الأمامية للجبهة) وصدم جمجمته بقوة شديدة قذفته أكثر من 27 متراً مدرجاً بدمائه وملطخاً بما انقذف من دماغه من شدة الرجة والإصابة.
ولم تمض على هذا الحادث إلا دقائق قليلة، حتى استعاد جايج وعيه وارتجل ماشياً. وبعد إخضاعه للعلاج من إصابات الدماغ التي تعرض لها، أعلن المستشفى الذي كان فينياس يتلقلى فيه العلاج، أنه شُفي وتعافى تماماً. غير أن تقريراً سريرياً أُصدر فيما بعد أكد أن فينياس الذي عُرف برصانته واتزانه وسداد آرائه وتميُز أدائه أصبح متهوراً وسريع الغضب وسيئ المزاج بشكل دائم، وهو ما تجلى في وصف أصدقائه وأقربائه ومعارفه بأنه "لم يعُد أبداً جايج الذي ألفوه وعرفوه".

إشارات كهربائية
كانت قصة جايج من أولى الحكايات الموثقة جيداً عن إحدى حالات التعافي بعد التعرض لإصابة داخل الدماغ، وهي تكشف النقاب عن مفارقة غريبة ومحيرة. فما يحدث أحياناً عقب إصابة الرأس، هو أن الدماغ يستجمع قواه لتأدية وظائفه الأساسية بشكل جيد حتى يستعيد المريض عافيته بشكل تام، مثلما حدث لجايج، فقد حافظ بعد الإصابة على قدرته في المشي والتحدث بشكل منطقي وعقلاني وفهم ما يقوله الآخرون. لكن يبدو أن ذاك العمود الحديدي أتلف بعض خلايا الدماغ التي طالها وتسبب في حرمانه من بعض القدرات والخصائص التي تُمكن الناس من التكيف مع بيئاتهم وتجعلهم واعين وكائنات اجتماعية بطبعها.
وفي الحالات العادية، يكون الدماغ قادراً على تأدية كافة وظائفه مثل التفكير المجرد والحكم المنطقي على الأشياء والتفاعل مع ما يحدث حوله من أحداث معقدة ومركبة، وتخزين أي حدث يكون طرفاً فيه والذكريات التي يمر بها. إلا أن الدماغ يتأرجح رغم قدرته على تأدية هذه الوظائف بين الصرامة والرهافة، وبين الضعف والقوة. وعندما تتعرض الوظائف الأساسية للدماغ إلى إصابة أو مرض – مثل فقدان شخص ما القدرة على إدراك عمق الأهداف المرئية وضعف التركيز أوالسيطرة على حركية جزء معين من البدن- فإن الإشارات الكهربائية تجد طُرقاً جديدة عبر بنيات الدماغ غير المصابة لاستعادة قدرات وظائف الدماغ وتستحثها على النشاط مجدداً.

قوة الدماغ
يمكن للأحاسيس غير المتضررة، مثل السمع واللمس، أن تصبح أكثر حدة لالتقاط الوظائف التي تراخت أو فقدت قدرتها على الأداء أو تكيفت مع الوضع الصحي الجديد للدماغ بعد الإصابة. وهنا تكمُن قوة الدماغ. وهذه خاصية يطلق عليها العلماء "المرونة العصبية"، وذلك في إشارة إلى قدرة الدماغ على التكيف مع ظروفه الصحية المستجدة. إلا أن دراسةً جديدةً تشير إلى أن القدرات والمؤهلات التي تجعلنا نشيطين ذهنياً ومتفاعلين اجتماعياً تتوزع على الدماغ بشكل واسع. فتجمعات الأعصاب العنقودية التي عادةً ما تكون متباعدةً عن بعضها، لكن مترابطة بتراص مثل شبكات، تتعاون بشكل متناغم ومتكاثف. وهذه الشبكات هي التي تسمح لنا باسترجاع الذكريات التي نرغب في تذكرها مرتبطةً بفحوى ودلالة كل منها، وتنعكس على تجاربنا الشخصية، وتجعلنا نتعلم منها، ونهتم بالشيء عندما يسترعي انتباهنا أو ننبهر به حين يفوق توقعاتنا، ونقوم بأكثر من مهمة واحدة في الوقت ذاته عند الاقتضاء.

مكمن الضعف
عند تأديتنا لهذه السلوكات المعقدة والمركبة بشكل جيد، فإن كل عقدة من هذه الشبكات وجميع الروابط التي تجمع بينها تكون مستنفَرةً وتُسابق نفسها، وهنا تكمن نقطة الضعف في الدماغ. فحين يُصاب جزء ما من الدماغ بجرح أو مرض، فإن ذلك يؤدي إلى نشوء حالة من الانقطاع والتعطل في سريان الإشارات الكهربائية داخل الشبكة المسؤولة عن تخزين الذكريات، وهو ما يحول دون قدرة الشخص على استرجاع الذكريات مقترنةً بمحتواها الغني، أو تخيل ذكريات جديدة والتفكير فيها بما يجعلها ترسخ في الدماغ. وعندما تتعرض الشبكة المعنية بمساعدتنا على التركيز وتحويل انتباهنا إلى شيء آخر إلى التلف، فإن الشخص يصير متهوراً وغير قادر على تأدية مهمتين بسيطتين في الوقت ذاته.

عواقب وخيمة
يقول عالم الأعصاب جوردن جرافمان، المشرف على دراسة استغرقت 41 سنةً أُجريت على الجنود الأميركيين الذين تعرضوا لإصابات في الدماغ خلال الحرب مع الفيتنام، إنه يستحضر حالةً مختلفةً عن فينياس جايج تتعلق بأحد قدماء المحاربين. فقد كان جندياً نموذجياً ومثالياً، وأُوكلت إليه مهمة تسلق أنفاق وملاجئ تحت أرضية لإجبار جنود العدو المختبئين فيها إلى الخروج. وأثناء نصب هذا الكمين، اخترقت قطعة قذيفة شظايا دماغه واستقرت بالمنطقة البطنية الوسطية في ناصيته خلف عينيه مباشرةً. وتقوم هذه المنطقة مقام لوحة مفاتيح التحكم للإشارات التي تنقل الإيحاءات الخاصة برسائل السلوكات والانفعالات الاجتماعية. وقد نجا هذا الجندي، وتبين لاحقاً أنه شُفي تماماً، ثم كُلف بمهمة تدريب المجندين الجدد. وهنا انكشفت صفات لم يعهدها رؤساؤه السابقون في الجيش، إذ اتسمت تصرفاته في غالبيتها بالتهور والبعد عن الحكمة عند اتخاذ القرار. فكان يعطي النقود إلى كل من يطلبها منه، وتزوج ببنت سيئة السمعة، وأصبح غريب الأطوار، فتجده يتباهى بعمله ويتسابق على دفع الفواتير، وفي الأخير انتهى به المطاف في عمل وضيع استطاع بالكاد إثبات القدرة على القيام به.
ويقول جرافمان "يمكن أن تعتري تصرفات الناس وسلوكاتهم الاجتماعية بعض المشكلات حتى عندما تكون وظائفهم العقلية والفكرية سليمة". ويضيف أن هناك بعض العاهات العصيبة التي تحول دون شفاء المريض وتعافيه. وبالمقابل، إذا تركت الإصابة هذه المهارات سليمة معافاة، فإن المصاب الناجي تكون لديه القدرة على تعلم استراتيجيات والتدرب على ممارستها، وذلك للتعويض الاستباقي لأسوأ العاهات أو الاضطرابات التي يمكن أن تُصيبه، من قبيل الشلل أو فقدان السمع أو البصر أو العجز عن الكلام.

ترجمة هشام أحناش
عن "لوس أنجلوس تايمز"

اقرأ أيضا