الاتحاد

الملحق الثقافي

الكتاب يقول

أتاح معرض الكتاب (أبو ظبي ـ مارس2009) فرصة إعلان التفاؤل بواقع الكتاب، ومستقبله بالضرورة. ليس فقط بهذه الحشود المقبلة على الأجنحة المتنوعة ولا حضور الشبيبة والفتيان والفتيات بشكل لافت، ولا تعدد العارضين واختلاف لغاتهم وتخصصاتهم فحسب، بل لأن الكتاب يؤكد أنه ما زال متصدرا واجهة اهتمامات الناس وأولويات حياتهم التي باتت تثقلها الأزمات وما يحف بها من مخاوف.
يعود الأمل برؤية المعرض ـ معروضات وعارضين ومستعرضين ـ بأن الكتاب سيظل يقول كما تسند إليه الذاكرة الثقافية ترميزا لنفوذ الكلام وامتداد القول بعد الفراغ من تأليف الكتاب، كما تتوفر إمكانية سماع ما تقوله صفحاته رغم الشكوك التي أثارتها الهبّة الإلكترونية والقلق من انحسار الكتاب الورقي وتضاؤل القراءة بسبب الانصراف إلى مغريات الشبكة المتاحة بيسر والمحققة للجاذبية التي تحاول دور النشر مباراتها بالإخراج الفني اللائق.
ويبدو أن القلق من المنافسة قديم يذكرنا به أولتر أونج في كتابه المهم "الشفاهية والكتابية" حين يستعيد تخوف أفلاطون من التدوين قائلا بلسان سقراط إن الكتابة شيء مصنوع وهي تدمر الذاكرة وتضعف العقل ولا تتيح الأخذ والعطاء بين أشخاص حقيقيين مثلما تتيح المشافهة وسيستقبل المتشائمون منجزات الطباعة بالخوف نفسه لأنها بحسب ظنهم تجعل الناس أقل اجتهادا.
وحين انتشرت الحواسيب وتنوعت استخداماتها وتيسرت بشكل شخصي وعام وانتقلت إلى حالة الحاسب المحمول تزايد الخوف على الكتاب الورقي والثقافة التي يمثلها ولكننا في مناسبات كمعرض الكتاب هذا وسواه نستعيد الثقة ونزداد يقينا بأن مكانة الكتاب ستظل كما أراد لها مخترعو الكتابة من الأسلاف المبدعين، وكما طورتها لمسات اللاحقين. وهذا يجعلنا ننسل إلى موضوع ثان يتصل بمحتوى الكتب ذاتها فهو يتعرض للتسطيح احيانا ويناله ما نال الفنون لا سيما الغناء من تردٍ واضح واجترار ونزعات شعبوية تلبي فضول المتطفلين على القراءة ولا تؤسس لثقافة حقيقية.
ومما يعزز الجانب الحضاري والثقافي لمعرض الكتاب حضور المؤلفين والكتّاب في أرجائه وزواياه وأركانه بأشخاصهم، وتواقيعهم على إصداراتهم ولقاءاتهم المباشرة بالجمهور وحواراتهم مما يعيد تلك الصلة بين الكاتب وقرائه ولا يجعل منه كائنا خرافيا لا يرى ولا يحس، كما كان الناشرون في الغالب من المثقفين الذين لا تربطهم بالكتاب علاقة تسويق وتجارة فحسب بل هم منتجون للثقافة في المقام الاول ومستقطبون للجديد والمختلف لا تنقص بعضهم الجرأة وإن انقاد للسائد والشائع ملاحقا اتجاهات القراءة متنازلا عن دوره في صنعها واكتشاف الإبداع الجديد والمبدعين الحقيقيين.
منزلة الكتاب أكدتها جائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة البوكر العربية للرواية، التي تزامن المعرض مع إعلانهما فاستكملت للكتاب الطمأنينة إزاء واقعه ومستقبله.
سنختم بمفارقة يوردها أونج: إن أفلاطون يسجل بالكتابة اعتراضات سقراط على الكتابة! كما كانت الاعتراضات على الطباعة مطبوعة! وهذا ما لا نريد أن يكون اعتراضا على وجود الكتاب الورقي وحياته ومستقبله.

اقرأ أيضا