الاتحاد

دنيا

أحداث مصر تغيِّب عضو التحكيم صلاح فضل عن ثاني حلقات المرحلة الثانية

تنافس في الحلقة الثانية من المرحلة الثانية لمسابقة “أمير الشعراء”، التي أقيمت أمس الأول على مسرح شاطئ الراحة خمسة متسابقين هم زكريا النواري من ليبيا، وعلي ديارا من مالي، ومحمد حجازي من الأردن، ومحمد غبريس من لبنان، ومنتظر الموسوي من سلطنة عُمان، والذي جاءت مشاركته نظراً لغياب المتسابق المصري هشام الجخ الذي سيكون حاضراً في الحلقة الثالثة والأخيرة من المرحلة الثانية للمسابقة مساء 9 فبراير.

أبوظبي (الاتحاد) - قوبلت مشاركات الشعراء في الحلقة الثانية من المرحلة الثانية لمسابقة “أمير الشعراء”، التي أطلقتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، بآراء نقدية جريئة من أعضاء لجنة التحكيم التي غاب عنها د. صلاح فضل بسبب الظروف الاستثنائية في مصر، تناولت جماليات النصوص المقدمة وتفكيك محترف للبنية اللغوية والدلالية. وفي نهاية الحلقة أعلن مقدم البرنامج باسم ياخور نتائج لجنة التحكيم، ليحصل منتظر الموسوي على 45% متأهلاً بذلك إلى المرحلة النهائية من المسابقة، ثم تلاه علي جبريل (41%)، ثم محمد حجازي (40%)، ومحمد غبريس (37%)، وزكريا النواري (32%). أما جمهور المسرح فمنح الموسوي 37%، وغبريس 6%، وحجازي 23%، وجبريل 28%، والنواري 6%. وتأهل عبدالعزيز الزراعي من اليمن إلى المرحلة النهائية بعد أن حصل على نسبة تصويت وصلت إلى 75%، فيما خرج الفلسطيني محمد أبو نصيرة (44%)، والسعودي علي النحوي (37%)، والجزائري الزبير دردوخ (35%).
خصوصية المكان
كانت “حفنة من طينة الأوجاع” فاتحة الشعر مع المتسابق زكريا النواري، والتي جاءت على لسان جزيرة “أبو موسى”. وقال عضو لجنة التحكيم الفلسطيني د. أحمد خريس إنّ “القصيدة جميلة، لكن ما يزعجني أنك أغفلت خصوصية المكان حين قلت في مطلع القصيدة “يا حادي الزيتون فوق رمالي”، وأنت هنا تتحدث عن بيئة بعيدة عن عالم الزيتون، وهذه البيئة لها خصوصيتها، ولها أشجارها، ولها مسمياتها، ناهيك عن أن الزيتون لديك يُحدى، وهذه صورة غريبة، وفي أحد الأبيات تقول “وافضح فراعنة تسوم جزائري/ سوء الجواب وتسبيح سؤالي”، وأرى أن كلمة الفراعنة هنا نافرة كثيراً، وكان بإمكانك استبدالها بكلمة أخرى، أما القافية كما في جاءت في القصيدة “ليالي، تلالي، نضالِ، لآلي، صلصالي.....”، وكأنما ليس هناك سوى تركيب الإضافة، وأخيراً أقول لك عليك أن تدرك التاريخ السياسي القديم لآسيا”.
ورأى د. علي بن تميم أن الوطن مهما كان صغيراً في الحجم إلا أنه لا يوصف بالحفنة، فهو قطعة من القلب، وجزء من الروح والوجدان، ولا ينفع أن يُنظر إليه من ثقب الباب، وكما يقول الشاعر يوسف الصايغ: “ أنا لا أنظر من ثقب الباب على وطني/ ولكن أنظر من قلبي المثقوب/ وأميز بين الغالب والمغلوب”.
من جهته قال د. عبدالملك مرتاض إنّ “العنوان مكثف، وفيه دلالة، وهو منزاح اللغة، ومثقل بالشعرية”.
معارضة ابن زيدون
ألقى الشاعر علي جيريل قصيدة “ترتيلة لغدي الشارد”، والتي قال حولها خريس إنها تذكره بقصيدة لابن زيدون في مقطّعه الجميلة التي يقول مطلعها: “ودع الصبر محب ودعك/ ذائع مِن سره ما استودعك”، ثم قال “هل تعلم أن أحمد شوقي عارضها كذلك، وأنا لست ضد المعارضة، ولست ضد أن يأتي الشاعر بمعان أو تراكيب أو أشياء طُرقت قبل ذلك”.
وجيريل يسير على درب عبدها آخرون كما قال بن تميم، مضيفاً “نجحت القصيدة بالانتقال من لحظة الحزن إلى لحظة انتظار الغد، لكن الغد لا يرجع بالتراتيل، ولهذا عليك أن تفتش على ما تريده حتى تناله، وأنت شاعر يجب أن تحفر عن غدك بإبرة، حتى لا ينطبق عليك ما قاله الأخطل الصغير: “ليس عندي غد/ فأفرغت كأسي ثم حطمتها”.
وقال مرتاض “أنت تعارض مقطّعة ابن زيدون، وإن كنت لم تبلغ بطبيعة الحال قامته، لكن النص جميل، والعنوان شعري كثيف، ويحمل دلالة، ومن الصور البديعة قولك “حلم خلف جفوني نائم/ كلما نمت صحا كي يتبعك”، فالمفارقة هنا تقوم على تصوير الشخصية الشعرية، وإنك تمثل الشاعر الأنيق في التصوير الفياض الشعرية، الطافح القريحة، فشعرك شهد شهد مشتار”.
الشاعر ومنفاه
خريس وجه مجموعة تعليقات اعتبرها “جانبية” لمحمد حجازي الذي ألقى قصيدة “قمر على هامش البوح” التي أهداها إلى شاعر عراقي قضى حياته في منفاه، ومن هنا بدأ خريس الذي لم يعثر على ذلك الشاعر في القصيدة، وطلب من حجازي أن يترك قصيدته تتحدث عن نفسها، بحيث لا يضيف إليها أي شيء، ووجد الدكتور فيها أن المتسابق يستفيد من نصوصه السابقة، فهناك بيت من قصيدة “في ظلال الأمير” التي قدمها في حلقة سابقة من البرنامج تتشابه صورته مع صورة بيت في قصيدته الجديدة “على هامش البوح”، وكذلك يوجد في بيت آخر من ذات القصيدة، وهو: “يا من صهرت الحرف ثم صببته/ جمرا وعدت به ينظف سكرا” تشابه مع بيت في القصيدة السابقة”.
كما أكد بن تميم غياب الشاعر عن النص، وقال “لم أرَ الشاعر العراق في القصيدة، ولم أرَ منفاه أيضاً، صحيح أن المجاملة جميلة بين الأصدقاء لكنها ليست كذلك في الإبداع، وقد كنت في النص تنتقل من ضمير المخاطب إلى الغائب فالمخاطب، وهذه الانتقالات المفاجئة لا مسوغات فعلية أو فنية أو إبداعية لها”. مرتاض اعتبر أن حجازي أنشد مقطّعة شعرية سكرا، أو أنها تبحث عن سكرة شعرية قد تكون من جنس السكر الروحي لدى المتصوفة، ورأى أن أجمل بيت في هذا النص يقول: “فبكل صبح يشتهيك فم الندى/ وبكل أرض بات يعشقك الثرى”.
“صحوة” غبريس
ألقى الشاعر محمد غبريس نصاً بعنوان “صحوة العتق”، قال خريس عنه “أكاد أراك يا محمد وكأنك طُحنت بين مطرقة القديم وسندان الحداثة، أو ما فهمتَ أنها الحداثة، أردتهما معاً وهذا أمر صعب، ولم يواتِك أنت، فأنت تستعمل ألفاظاً وتراكيب قديمة تنتسب إلى شعر العصور الغابرة، ويساعدك على هذا البحر الطويل، لكن هذا سلاح ذو حدين، حيث تستخدم “فرقد، عسجد، خافق صدي” ثم تنتقل إلى “جحيم التشدد، التقيد، معقد” أي تطرف في الرأي، وهذا أورث نصك توليفة مشوهة برأيي”.
بدوره، قال بن تميم “استخدام الأفعال الماضية المقترنة بتاء التأنيث يعطل الطاقات الكامنة في البيت الشعري، على الرغم من أن الموضع معاصر، ويمكن أن يكون في سياق آخر غير المرأة، فهو مفتوح ويلاقي الجراحات كلها، وهذا صحيح وجيد، والمرأة كما تعرف، وكما استخدمها الشعراء كمنطقة تعبر عن رموز شتى، وعن قضايا كبرى، وأنت تستخدم البعد المعاصر وتمزجه بمفردات قديمة، لكن القضية ليست قضية شعر، فأنت تستعمل مصكوكات من الشعراء، وتحاول أن تملأها بالمفردات”، فيما سأل د. مرتاض الشاعر “أهي صحوة من عتق أم إفاقة من عشق؟”، موضحاً في نقده للقصيدة أن البيت “منحت الأماني صحوة العتق والرؤى/ ومن عطر خديك ارتوى الخافق الصدي” أجمل ما قلت، لأنه بيت معتق الذوق، معطر الشم، مرتوٍ مروٍ، وأي جمال رومانطيقي عظيم هنا”.
“تلاوات” رومانسية
خريس أبدى إعجاب بقصة قصيدة منتظر الموسوي “تلاوات لنبي مجهول”، مضيفاً توجد في القصيدة سلسلة من التحولات التي تكاد أن تكون درامية، ففي البداية تحدثت عن النبي الشاعر، لكنه نبي من طينة أخرى، يقضي ليله وهو منكب على قصيدة علّها تولد، وأنت تستفيد من قصيدة السياب، وتعلن في النهاية انكسار الشاعر، وتتحدث بضمير المتكلمين، وهذا القفزات في القصيدة هي التي منحتها وهجها”.
من جهته، قال بن تميم للشاعر “جاء في القصيدة “إني بعثت لأحيي الضوء في القمر”، وكنت أتمنى لو قلت النور في القمر”، والقصيدة تنبني على 3 أسئلة، وبالإمكان التمثيل عليها، حين تقول: “وأي ريح تطفي شمعة القدر”، لكن لا نعرف لمن يوجهها النص، وباعتقادي أن صياغة مثل هذه الأسئلة مكمن سهل للشاعر، وتنطفئ الإضاءة الشعرية، ولا ندري لماذا على وجه الخصوص تستدعي السياب، ولماذا تستدعي قصيدته أنشودة المطر”.
مرتاض قال إن “العنوان يصدر عن مجهول، ويحيل على مجهول، وهو من أجل ذلك يقع من الشعرية في ذروتها، لكن هل أنت تسقِط مقام النبوة على مقام الشاعر، لأن النص في معظمه ذو لغة نبوية أكثر منها شعرية. ولعل أجمل بيت في نصك هو: “كنا نعتق لحن الغيم في دمنا/ حتى تخالطنا أنشودة المطر”، فهنا التصوير، والرومانسية، والانزياح، والتناص، وكل مكونات الجمال الشعري البديع”.
التخميس على الأفوه الأزدي
في فقرة “فن التخميس”، طلب بن تميم من متسابقي الأمسية التخميس على بيتين من أبيات قصيدة للأفوه الأزدي، صلاء بن عمر الذي يكنى بأبي ربيعة، وهو من شعراء ما قبل الإسلام، وأكثر شعره كان في الحماسة والفروسية، وكان متميزاً بكتابته لألفاظ صعبة جداً.
ومن ثم كان دور لجنة التحكيم فقال خريس عن تخميس المتسابقين، “زكريا.. الإشكال عندك كامن التقفية، وأحسنت يا علي لقد سررت بما قلت، وجميل ما كتبت يا محمد تركي لولا أنك أشبعت لضرورة الشعر فقلت “فلم ألقَ”، وما كتبته أيضاً جميل يا محمد غبريس، وهناك اتساق يا منتظر بين المعاني التي طلبت منك وبين ما كتبت”.
من جهته، قال بن تميم “أرى أن الانطلاقة خفتت في أصواتكم، لكن مجمل الأبيات التي سمعناها جميلة، وحبذا لو أنك يا علي لم تنوِّن، أما زكريا فقد كنت تقرأ متألماً، وهذا قادك أحياناً إلى أن تشعرنا بأن هناك وقفات، وهناك مشكلات لديك في اللغة، أما محمد تركي فقد أشبعت “ألقى”، وسأحسبها هنا ضرورة ولو أني لا أحبذ ذلك، وكنت يا محمد غبريس تقرأ من دون الالتفات إلى استقامة الوزن في قراءتك، وأخير يا منتظر فقد كنت رائعاً. ومن زكريا بدأ مرتاض فقال “لديك يا زكريا شعرية رقيقة أسعفتك على أن تسكب من موجعات الأيام بحراً مسجوراً، فيما كنت يا علي مسافراً يصطاد القوافي، فتهت أولاً ثم استقمت، ولقد أحرقت الفؤاد يا حجازي وأرويت المشاعر، وكنت على صلة بالأفوه، وعانقت يا غبريس جمال الحرية، أما أنت يا منتظر فقد فجرت من ملامحك فجراً، وجعلت من السحائب سراً، وكنت في صميم التخميس”.


مجاراة بين بن عويل والتميمي

ضمن فقرة المجاراة استضاف البرنامج الشاعر السعودي نايف بن عرويل، الذي شارك في الموسم الرابع من برنامج “شاعر المليون”، والشاعر العراقي حاتم التميمي، الذي شارك في الموسم الأول من برنامج “أمير الشعراء”، وعلى المسرح قدما قصائدهما أمام الجمهور وأعضاء لجنة التحكيم بكثير من دفء المعنى، وغزارة الشعرية، حيث طفحت قصائدهما التي ألقوها في ذلك المساء بعميق الكلام، وبالإيقاع الذي استوقف الأسماع.

اقرأ أيضا