عربي ودولي

الاتحاد

الجوع والحرمان من الوصول إلى الأماكن المقدسة أبرز ملامح المأساة


إعداد- أمل المهيري:
أيدت الغالبية العظمى من القوى السياسية والمجتمع الإسرائيلي على حد سواء إقامة جدار الفصل داخل الضفة الغربية وليس على الخط الأخضر فيما يعزا سبب هذا التأييد نتيجة للجوانب الأمنية فضلا عن خدمة مصالح إسرائيل الاستراتيجية بدرجة كبيرة؛ إذ سيصادر بموجبه ما يقارب نصف أراضي الضفة الغربية، وتسيطر إسرائيل نتيجة له على أحواض المياه الجوفية ذات القيمة الاستراتيجية، وتضم الغالبية العظمى من مستوطنات الضفة الغربية، وتقسم عشرات المدن والقرى الفلسطينية، وتعزلها في كانتونات غير متواصلة، تمهيداً لطرد نحو 200000 فلسطيني من بيوتهم وممتلكاتهم، إضافة إلى إقامة جدار حول مدينة القدس لعزلها عن محيطها الفلسطيني وتهويدها·
وتناول كتاب صادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بعنوان: ' جدار الفصل في فلسطين فكرته ومراحله و آثاره ووضعه القانوني'، للكاتب عمر أحمد علي ، موضحا تلك الجوانب بحيث شرعت الحكومة الإسرائيلية في يونيو 2002 ببناء هذا الجدار على نحو 752 كيلومتراً داخل أراضي الضفة الغربية، ورغم تبريرات إسرائيل الأمنية لخطة بناء الجدار، فإن نتائج إنجاز مراحل عديدة من بنائه أوضحت أن الأهداف الإسرائيلية قائمة على تصورات استراتيجية تحسم بالأمر الواقع الوضع الذي ترتئيه لنفسها حلاً لمشكلتها مع الفلسطينيين، وهو حل أحادي الجانب قائم على ضم أكثر من نصف أراضي الضفة الغربية بما تحتويه من مصادر طبيعية، وبما يستتبعه من آثار سلبية سياسية واجتماعية ومعاناة اقتصادية تفوق قدرة المجتمع الفلسطيني على تحمل تبعاته·
وقد جاءت هذه الدراسة للبحث في مخاطر وانعكاسات ما تقدم تعريفاً وتحليلاً وتفصيلاً؛ وذلك بتقديم دراسة أكاديمية عامة لهذه القضية الحيوية في الوقت الراهن لها تأثيراتها المهمة في المستقبل·
ويستعرض الكتاب فكرة جدار الفصل وجذورها، وكيفية تبني هذه الفكرة وتنفيذها على أرض الواقع عبر مراحل عديدة، تم إنجاز كثير منها، ومازال العمل جارياً على استكمالها·
كما يتناول انعكاسات بناء الجدار على الأراضي الفلسطينية وأبنائها، من نواحٍ ثلاث: سياسية حيث توضح ما تنطوي عليه التصورات الإسرائيلية التي تفرض بالفعل واقعاً سياسياً يصعب تجاوزه، واقتصادية حيث تولد الخطة الإسرائيلية ضغوطاً وأعباء تثقل كاهل الفلسطينيين وتجعلهم يفتقرون إلى سبل العيش الأساسية، واجتماعية حيث سيؤدي الجدار إلى عزل عشرات الآلاف من الفلسطينيين ومنع تواصلهم جغرافياً وديمغرافياً، وإلى تقطيع الأواصر الاجتماعية التي عرفت عن المجتمع الفلسطيني وتمسكه بها· إلى جانب دراسة مدى قانونية تشييد جدار الفصل وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي تعتبر إسرائيل من الموقعين عليها·
هذا ويشمل بناء هذا الجدار الأسمنتي بناء سياج إلكتروني وخنادق وقنوات واستخدام كاميرات ووسائل استشعار إلكترونية وأبراج للمراقبة وأبراج للقناصة، وطرق معبدة على جانبي الجدار لتسيير دوريات أمنية· ويفترض أن يكتمل بناء الجدار في صيف ·2005
وأكد ان فكرة بناء الجدار هي نتيجة لسياسة وخطة إسرائيلية بعيدة المدى للفصل الأحادي الجانب، تحدد إسرائيل معالمه على أرض الواقع، وهي فكرة لم تأت من فراغ ولا هي وليدة الحالة الأمنية فقط كما تدعي إسرائيل· فعملياً تم بناء الجدار ليس على الخط الأخضر مباشرة أو داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 إذا كان الهدف أمنياً، وإنما داخل أراضي الضفة الغربية بموازاة الخط الأخضر·
وقد ذكر تقرير صادر في ديسمبر 2003 أن 9 فقط من إجمالي طول الجدار ستقع مباشرة على الخط الأخضر، فيما 91% المتبقية تقع داخل الضفة الغربية · إن موقع الجدار (يصل في بعض أجزائه إلى عمق 6 كم داخل الضفة الغربية) وطوله (حسب ما هو مخطط حالياً 752 كم)، يوضحان أن الهدف ليس أمنياً فقط، وإنما هو أيضاً لمصادرة الأرض وتهجير الفلسطينيين وإعادة ترسيم الحدود بالأمر الواقع·
وأكد أن سياسة إعادة ترسيم الحدود التي تنفذها إسرائيل عبر هذا المشروع تهدف إلى تجاوز الحديث عن حدود عام 1967 في أي مفاوضات مستقبلية مع الفلسطينيين· إن سياسة الفصل من جانب واحد في الضفة الغربية ينطوي عليها فرض إسرائيل للرؤية الخاصة بها لعملية السلام وتجاوز جميع الرؤى الدولية لمشاريع التسوية المتعاقبة بدءاً من مؤتمر مدريد عام 1991 مروراً باتفاق أوسلو عام 1993 وحتى خريطة الطريق التي ضمنت تنفيذها اللجنة الرباعية التي تضم جهات دولية كبرى هي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة·
وأوضح أن أهم ما تنطوي عليه سياسة الفصل وفرضها بالأمر الواقع من خلال بناء الجدار وضم نحو نصف الضفة الغربية هو تأسيسه لواقع سياسي لا يمكن تجاهله من قبل أي حكومة إسرائيلية في المستقبل، حيث حقق جدار الفصل لإسرائيل تجاوز معظم قضايا المرحلة النهائية من مفاوضات السلام كالمستوطنات التي سيتم ضم معظمها، والقدس الشرقية التي ستضم إسرائيل نحو 90% منها وستعزلها نهائياً عن بقية الضفة الغربية، والمياه التي ضمن لها الجدار ضم المناطق التي تختزن الأحواض الرئيسية في الضفة الغربية· أما مسألة الدولة الفلسطينية، فماذا سيبقى منها من مظاهر سيادة إذا كانت لا تقوم على أرض متواصلة جغرافياً ولا ديمغرافياً وليس لها معابر تسيطر عليها بين الكانتونات المعزولة، وليس لها حدود دولية ولا معابر خارجية أو مطارات أو أجواء تتحكم فيها كجميع الدول، ولا موارد طبيعية تستطيع استغلالها؟وقال إن هذا السيناريو الذي حسمته إسرائيل من خلال بناء الجدار، لم تستطعه أي عملية تسوية سياسية، ولن توفره أي عملية مستقبلاً· ولذلك يعتبر ما قامت به هو حل نهائي سيُفرض على أي طرف فلسطيني يود العودة إلى عملية التسوية، كما سيُفرض واقعياً على أي حكومة إسرائيلية متشددة كانت أو معتدلة؛ إذ إن هذه المسارات والتصورات التي فرضها الجدار لا تحظى بدعم شارون وحكومته فحسب، بل تحظى بدعم منقطع النظير داخل إسرائيل من قبل القوى اليمينية واليسارية على حد سواء·كما تعتبر الضغوط الاقتصادية التي تقع على عاتق المجتمع الفلسطيني عامة، والسكان المجاورين للجدار على وجه التحديد من أكثر الآثار المباشرة التي يلمسها الفلسطينيون في حياتهم اليومية وأشدها· فالقيود المفروضة على الحركة نتيجة سياسة الإغلاق المتكررة وحظر التجول ووجود الأسلاك الشائكة سوف تؤدي إلى زيادة البطالة والفقر، علاوة على الآثار النفسية الخطيرة التي تتركها على الفرد والعائلة والمجتمع الفلسطيني·
الانعكاسات الاجتماعية
ويرجع علي أن أهم الانعكاسات الاجتماعية على المجتمع الفلسطيني نتيجة بناء جدار الفصل بالآتي: تقطيع الأواصر الأسرية والعلاقات الاجتماعية بين الناس، وتهديد نمط الحياة القروية، وإحساس الفلسطينيين بالعيش تحت التهديد الدائم بالجوع، وفي ظل حياة يمكن أن يكون أفضل وصف لها أنها سجن مفتوح، والافتقار إلى الرعاية الصحية، وعرقلة العملية التعليمية، والحرمان من الوصول إلى الأماكن المقدسة·
ويمكن أن تؤدي هذه التأثيرات الاجتماعية المتعمدة والمفروضة على الناس إلى دفعهم نحو الهجرة وترك وطنهم وأرضهم ومزارعهم وممتلكاتهم، خصوصاً وأن الأعباء يصعب تحملها، فكيف إذا أضيفت إليها الأعباء الاقتصادية والسياسية وغيرها التي لا يشعر بها إلا هؤلاء الذين يقعون تحت وطأتها؟
أما على صعيد موقف القانون الدولي من بناء الجدار في الضفة الغربية، فقد اعتبرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 أكتوبر 2003 بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية غير شرعي ويتناقض مع القانون الدولي، وذلك في قرار نص على التالي: تطلب الجمعية العامة من إسرائيل وقف بناء الجدار وإزالة ما تم بناؤه في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك أجزاء داخل القدس الشرقية وما حولها، والتي تبعد عن خط الهدنة لعام 1949 وتتعارض مع المواد ذات الصلة في القانون الدولي ·
وأشار إلى أن في التاسع من يوليو 2004 قررت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بإجماع أعضائها الخمسة عشر اختصاصها في النظر في القضية ، كما قررت بأغلبية 14 صوتاً مقابل صوت معارض أن إسرائيل ملزمة بالامتثال للالتزامات الدولية التي أخلت بها بتشييدها للجدار··· إسرائيل ملزمة بإنهاء إخلالها بالتزاماتها الدولية··· الالتزام بوقف أعمال تشييد الجدار على الفور وبهدمه فوراً والقيام على الفور بإلغاء أو إبطال القوانين واللوائح المتصلة بتشييده، باستثناء ما يتعلق منها بامتثال إسرائيل لالتزامها بالتعويض عن الأضرار الناجمة··· إسرائيل ملزمة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بجميع الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الذين تأثروا بتشييد الجدار ·
وقال علي : إن فتوى محكمة العدل الدولية لم تذكر أحكاماً متعلقة بإسرائيل فقط، بل شملت جميع دول العالم بضرورة الالتزام بأحكام تمس الالتزامات الدولية لهذه الدول بوصفها دولاً أعضاء في الأمم المتحدة ومصدقة على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، فقد ورد في النص الحرفي للفتوى ما يلي: ضرورة التزام جميع الدول بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن تشييد الجدار وبعدم تقديم أي معونة أو مساعدة في الإبقاء على الوضع الذي نشأ عن هذا التشييد· التزام جميع الدول، مع احترامها للميثاق والقانون الدولي، بالعمل على إنهاء أي معوق ناشئ عن تشييد الجدار، يحول من دون ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير· التزام جميع الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة، مع احترامها للميثاق والقانون الدولي، بالتأكد من امتثال إسرائيل للقانون الإنساني الدولي كما يتمثل في تلك الاتفاقية· ضرورة نظر الأمم المتحدة، وخاصة الجمعية العامة ومجلس الأمن في الإجراءات الأخرى التي يلزم اتخاذها لإنهاء الوضع غير القانوني الناشئ عن تشييد الجدار والنظام المرتبط به، مع أخذ الفتوى في الاعتبار كما ينبغي ·
وشدد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وأن هذا الجدار يمثل عائقاً في سبيل تحقيق ذلك الحق· كما يلفت الانتباه تأكيد المحكمة بضرورة نظر الأمم المتحدة في الإجراءات اللازم اتخاذها لإنهاء الوضع القانوني الناشئ عن تشييد الجدار، أي اتخاذ إجراءات عملية تلزم إسرائيل بتنفيذ ما ورد في هذه الفتوى بعد تبني ما جاء فيها كقرارات دولية ملزمة·وفي تقرير شامل لها عن جدار الفصل في الضفة الغربية أوضحت منظمة العفو الدولية الحقوق الأساسية التي أوجبها القانون الدولي والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان للأرض والشعب اللذين يقعان تحت الاحتلال، وبينت في هذا التقرير بشكل أساسي المواقف القانونية المتعلقة بحقوق الفلسطينيين التي انتهكتها إسرائيل من خلال بناء جدار الفصل· وكان موقف المنظمة بأن الجدار ما دام يقوم على أراضي الضفة الغربية فهو إجراء ينتهك القانون الدولي واتفاقيات حقوق الإنسان بشكل واضح، فأي إجراء تتخذه إسرائيل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بحجة الأمن يجب أن ينسجم مع تعهداتها إزاء القانون الدولي ·
نكسة ثالثة
لقد بينت الدراسة خطأ القول الذي يذهب إلى أن جدار الفصل سوف يحدد على أرض الواقع حدود إسرائيل حسب حدود عام ،1967 لأن إسرائيل التي تقوم بتشييده لا يمكن أن تفرض على نفسها و'بأموالها' حلاً يحدد الحدود التي طالما رفضت العودة إليها· بل الحقيقة أن الجدار يمكن أن يعتبر نكسة ثالثة من دون حرب تقليدية هذه المرة، تضاف إلى نكبة عام 1948 ونكسة عام ،1967 بوصفها تتشابه معهما - وإن بدرجات متفاوتة - بالمحصلة النهائية·وأوضح علي أن الدراسة بينت الآثار السلبية وبخاصة الاقتصادية والاجتماعية على المجتمع الفلسطيني، ما هي إلا مجرد أمثلة قليلة عن واقع مرير مازال يتشكل ويعيشه الفلسطينيون يومياً· وأن دراسة الآثار الواقعة عليهم بالتفصيل تحتاج إلى كم هائل من الصفحات، وإلى دراسات ميدانية تنقل تفاصيل المعاناة اليومية لفئات مختلفة من المتضررين من الجدار؛ فهناك فئة قد عزلها الجدار تماماً عن بقية المجتمع الفلسطيني وحشرت بينه وبين الخط الأخضر، فلا دخول ولا خروج إلا بأذونات معدودة، فضلاً عن مستقبل غامض يتهددها· وهناك فئة شطر الجدار بلداتها وقراها إلى نصفين، نصف خلف الجدار ونصف أمامه، كما أن قسماً كبيراً من أراضيها وممتلكاتها صودر ليقام الجدار وملحقاته عليه· وفئة ثالثة فصلها الجدار عن التواصل مع أراضيها التي تعتبر مصدر رزقها، وفئة رابعة منعها الجدار من الوصول إلى أماكن عملها، ومدارسها وجامعاتها· وهناك فئات إضافية لا يمكن حصرها بسهولة قد تضررت نتيجة بناء الجدار، علماً بأن بعض الفلسطينيين ينضوي تحت فئتين أو أكثر مما سبق·
ويستنتج بعد ذلك كله أن الجدار لا يمكن اعتباره إلا كارثة كبرى خطيرة حلت بالفلسطينيين، وما الآثار الناتجة عنه حتى الآن إلا جزء يسير من آثار مستقبلية أخطر على مجمل الوضع الفلسطيني يصعب التنبؤ بها·

اقرأ أيضا

السنغال تسجل ثاني وفاة بفيروس كورونا