الاتحاد

عربي ودولي

مشاعر الاعتزاز لدى الروس والإحباط من الشراكة مع واشنطن


موسكو - رستم احمد:
لم تمض غير بضعة ايام على الاحتفالات الضخمة التي شارك فيها رؤساء زهاء 60 بلدا ومنظمة دولية بمناسبة الذكرى اليوبيلية الستين للنصر على المانيا النازية والتي سادتها اجواء المصالحة والوفاق ، حتى استمع نواب مجلس الدوما الروسي ( البرلمان ) في جلسة مغلقة الى انتقادات اطلقها وزير الخارجية سيرغي لافروف ومدير جهاز الامن الفدرالي نيكولاي باتروشيف لماوصفوه بسياسية ( المعايير المزدوجة ) للغرب · وجاءت جلسة الاستماع بناء على طلب نواب المعارضة و ( الولاء ) للكرملين الذين عبروا عن الاستياء من تصريحات الرئيس بوش في جورجيا بعد ساعات من مغادرته احتفالات موسكو الاثنين الماضي · فقد حض الرئيس الاميركي موسكو على التعجيل بسحب قواتها من جورجيا · ويرى النواب ان تصريحات بوش شجعت تبليسي على ( التطاول والتحدث بلغة التهديد ) · وقال وزير الخارجية في معرض رده على اسئلة النواب ، وفقا لماتسرب عن الجلسة المغلقة ، فان روسيا ( تملك كل مقومات الدولة القوية والمزدهرة ) وزاد ( اصبح لنا دور نشط ومستقل في الساحة الدولية ) وانتقد ( محاولات بعض الدوائر الغربية اضعاف نفوذ روسيا في الساحة السوفياتية السابقة ) · في حين كان مدير جهاز الامن الفدرالي اكثر وضوحا بالتأشير على دور واشنطن في تغيير الانظمة الموالية لموسكو مشيرا الى ان ( الغرب سعى الى اضعاف نفوذنا في المنطقة ) · ولم يفت لافروف للتنويه بالتورط الاميركي في العراق مشيرا الى ان الولايات المتحدة تلقي ( كل شيء على عاتقها في العراق ) · وقال ( تسعى روسيا الى مدخل اكثر توازنا لتطبيع الوضع في العراق لايتم على النحو الذي تتوخاه الولايات المتحدة فقط ) وشدد الوزير الروسي على ان المدخل الاكثر توازنا يجب ان يستند الى ( مشاركة جميع القوى السياسية والاثنية والدينية لتحقيق الاستقرار في البلاد ) · ووصف لافروف الوضع في العراق بانه يسير من ( سيء الى اسوء )
من البلطيق الى جورجيا
وكانت تبليسي وقبلها عواصم جمهوريات البلطيق
( السوفياتية السابقة ) استقبلت بحفاوة الرئيس الاميركي الذي اعتبر ضم هذه الدول الى الاتحاد السوفياتي السابق عام 1940 ( عدوانا ) وقال ان نهاية الحرب كانت تعني( احتلال ) استونيا ولاتفيا ولتوانيا · اما نائب رئيس المفوضية الاوروبية غونتير فيرهوفين فقد دعا روسيا الى ( الاعتراف بحقيقة احتلالها غير الشرعي لدول البلطيق اذا رغبت في علاقات حسن الجوار مع الاتحاد الاوروبي ) · ورد الرئيس بوتين على مطالبة بلاده بالاعتذار لدول البلطيق بانه لايرى مايدعو الى ذلك وقال للتلفزيون الالماني ( ان الاستونيين واللاتفيين والليتوانيين كانوا مواطني الاتحاد السوفياتي لامواطني روسيا ) · واعاد الى الاذهان ان بلدان البلطيق كانت جزءا من الامبراطورية الروسية حتى العام 1918 عندما نالت استقلالها بموجب الاتفاق الذي ابرمته روسيا البلشفية مع المانيا · وفي العام 1939 وافقت المانيا الهتلرية على ان يعود هذا الجزء من اوروبا الى الاتحاد السوفياتي بموجب اتفاق سري بين ستالين وهتلر · وقال ( في العام 1989 ادان برلمان الاتحاد السوفياتي هذا الاتفاق وعادت جمهوريات البلطيق مستقلة وبالتالي فان روسيا ليست مسؤولة عن الحيف الذي لحق بشعوب تلك الدول ) · وقال ( في الوقت الذي نتفهم فيه مشاعر شعوب البلطيق فانا لانوافق على انتهاكات حقوق الناطقين بالروسية في جمهوريات البلطيق الذين وجدوا انفسهم هناك بمشيئة القدر وليس بارادتهم ) · وتحرم قوانين دول البلطيق الروس والناطقين من العمل والتعليم وتمنع عن اعداد كبيرة الرواتب التقاعدية وتمارس ماتصفه موسكو بسياسة التمييز ضد الناطقين بالروسية · ويلفت المحللون الى ان واشنطن لم تعترف بضم جمهوريات البلطيق الى الاتحاد السوفياتي عام ·1940 لكن الادارات الاميركية التي تزامن وجودها في البيت الابيض مع الحقبة السوفياتية لم تعتبر الضم الذي جاء نتيجة تسويات بين الحلفاء ضد المانيا الهتلرية، احتلالا ، حتى في ذروة الحرب الباردة ، لانها كانت تخشى القوة العسكرية السوفياتية وتتحاشى الصدام والمواجهة المباشرة مع موسكو· وفضل الغرب والولايات المتحدة مساعدة المنظمات البلطيقية الساعية للانفصال عن الاتحاد السوفياتي ماديا ومعنويا وفتحت لها ممثليات في واشنطن ونيويورك ومختلف العواصم الاوروبية· وظلت شعوب البلطيق تنتظر اللحظة المناسبة لاستعادة الاستقلال حتى جاءت مع بدء تفكك الدولة السوفياتية اواخر الثمانينات من القرن الماضي · وبعد انفراط عقد الاتحاد السوفياتي عام 1991 سارعت روسيا الى سحب جميع قواتها ، واجلاء كل قواعدها العسكرية من دول البلطيق في حركة اعتبرها القوميون الروس هروبا امام زحف حلف شمال الاطلسي و( خيانة ) لملايين الروس المقيمين في جمهوريات البلطيق، وتحولهم الى رهائن يجري التعامل معهم على انهم مواطنون من الدرجة الثالثة اوالرابعة · وتوقع القوميون واليساريون الروس ان يتخذ بوتين اجراءات عقابية ضد دول البلطيق لاجبارها على احترام الاقلية الروسية ، الا ان الكرملين يكتفي بتوجيه الانتقادات ويتهم الغرب والولايات المتحدة بازدواجية المعايير الامر الذي يعتبر من وجهة نظر المراقبين تكريسا لنهج بوتين الخارجي البعيد عن المواجهة مع الغرب وتجنب العودة الى الحرب الباردة · وقال ميخائيل مارجيلوف ، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي في معرض تعليقه على مطالبة روسيا بالاعتذار من جمهوريات البلطيق ان نتائج الحرب العالمية الثانية
( التي يدعونا لاعلان توبتنا عنها ، تمثل الارادة الجماعية للحلفاء الذين احرزوا النصر ) · واضاف
( لقد تم تقسيم اوروبا بارادة الترويكا اي الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وبريطانيا ) · وقال
( ولهذا فيتعين على من يطلب من روسيا الاعتذار الى بلدان البلطيق ان يتقدم بطلبه الى بقية الدول · ولكن من احرز النصر لايعتذرعما احرزه ) ·
ولم تخفف تصريحات مارغيلوف من حالة الاستياء التي عمت البرلمان الروسي على خلفية المطالب الاميركية والاوروبية بضرورة ان تعترف روسيا باحتلال البلطيق · وفاقم من مشاعر الاستياء خطاب بوش في جورجيا امام حشد ضخم من سكان العاصمة تبليسي جاؤوا لتحية الرئيس الاميركي في ( ساحة الحرية ) التي شهدت قبل نحو عام ونصف العام (الثورة المخملية ) وكانت الجماهير نفسها اطاحت الرئيس السابق ادوارد شيفردنادزه القريب من موسكو ونصبت القومي الشاب ميخائيل ساكاشفيلي المتعلم في الجامعات الاميركية والفرنسية ويعتبر من اخلص حلفاء واشنطن في الساحة السوفياتية السابقة ·
الاعتزاز والإحباط
ومع ان زيارة بوش لجورجيا لم تستغرق اكثر من 24 ساعة ، الا ان القيادة الجورجية الشابة الموالية للغرب اعتبرتها ضوءا اميركيا اخضر لتشديد الضغوط على الكرملين للتعجيل باجلاء قاعدتين عسكريتين من الاراضي الجورجية يعتزم ساكاشفيلي تأجيرها لحلف شمال الاطلسي في اطار خطة شاملة لتوسيع الحلف جنوبا بعد ان توسع غربا · واطلقت تبليسي تهديات مبطنة واخرى مباشرة ضد روسيا من قبيل قطع التيارالكهربائي عن القاعدتين·فيما لوح قوميون جورجيون متطرفون بقتل الجنود الروس · ومع تصاعد التهديدات الجورجية ومطالبة بلدان البلطيق روسيا بالاعتذار، طلب نواب مجلس الدوما ( البرلمان ) من وزير الخارجية ومدير جهاز الامن الفدرالي توضيحا لمعرفة الموقف · وفيما ايقظت الاحتفالات اليوبيلية المهيبة بعيد النصر مشاعر الاعتزاز الوطني لدى الروس ، وحيث حرص بوتين على تأكيد الدور الحاسم الذي لعبه ( الجيش الاحمر ) السوفياتي في النصرعلى المانيا النازية ، تسود ايضا مشاعر الاحباط بان الشراكة التي يبشر بها بوتين مع الغرب والولايات المتحدة تسير على سكة ملتوية تقود روسيا الى طريق مسدود حين ستجد نفسها بلا حلفاء ولا اصدقاء في الساحة السوفياتية السابقة ، محاطة بقواعد اميركية ·
ويشن الجنرالات المسرحون من الجيش الروسي المعروفون بالتشدد ، حملة ضد سياسة بوتين الخارجية تصل احيانا الى اتهامه بانه يفرط بالامن القومي للبلاد · ويعتقد الجنرال ليونيد ايفاشوف المدير السابق لقسم التعاون الدولي بوزارة الدفاع ، ان زحف الناتو على روسيا من الغرب والشرق والجنوب مخطط متكامل لمحاصرة روسيا ومن ثم احتلال اجزاء منها في اللحظة التي تتطلبها المصالح الاقتصادية والعسكرية الاميركية · ويشير الجنرال الذي يترأس معهد ( الابحاث الجيوسياسية ) الى ان روسيا قد تفقد بحر قزوين الغني بالنفط في حال( لم نضع حدا لزحف الناتو واذا لم نحافظ على قواتنا وقواعدنا في القوقاز ) ·
لكن مؤيدي نهج بوتين الخارجي يستبعدون سيناريوهات متشائمة مثل هذه · ويرى اليكسي كاراغانوف رئيس مجلس السياسة الخارجية والدفاعية الروسية ، بان الشراكة مع الولايات المتحدة ومع الغرب تضمن لروسيا مصالحها بعيدا عن المواجهة وسياسة الاحلاف والقواعد العسكرية و لا يستبعد رئيس مؤسسة الابحاث شبه الرسمية هذه ، ضمور النفوذ الروسي في الساحة السوفياتية السابقة ويدعو الى ايجاد آليات اكثر فعالية تستند الى المصالح الاقتصادية والتجارية لربط الجمهوريات السوفياتية السابقة بالمدار الروسي ·

اقرأ أيضا

السلطات السودانية تُحقق مع البشير بتهمتي فساد