الاتحاد

تقارير

طائرات بدون طيار... جديد الحروب الأميركية

كان السؤال المكتوب بخط رديء على سبورة الشرح في البنتاجون الخريف الماضي دالاً للغاية من حيث أنه كان يمسك باللحظة الحالية الغريبة والصعبة في آن التي تمر بها القوات الجوية الأميركية. لماذا تحتاج أميركا إلى قوات جوية مستقلة؟ كان هذا هو السؤال الذي كتبه كبير المساعدين المدنيين للجنرال "نورتون آيه شوارتز" رئيس أركان القوات الجوية، والذي لم تكن، وهو سؤال لم تكن القوات الجوية - ولأول مرة منذ إنشائها قبل 62 عاماً - تملك إجابة واضحة عليه.
وأزمة الهوية التي تواجه القوات في الوقت الراهن، ليست سوى تجلٍ واحد من تجليات عديدة للدور الذي ساهم به القتال الذي تخوضه الولايات المتحدة، بلا توقف ضد المتمردين في أفغانستان والعراق منذ عقد من الزمان في إعادة تعريف الطريقة الأميركية للحرب. فهذا القتال خلق نوعاً من الطلب المستمر على نوع من الطائرات، كان يحتل في الماضي مرتبة دنيا ضمن أسلحة القوات الجوية الأميركية وهي الطائرات التي تطير من دون طيار، ورفع بالتالي من قيمة وأهمية الضباط الذين يقومون بتشغيل تلك الطائرة.
وهذا النوع من الطيارين الذين يمارسون مهامهم من قواعد أرضية يعيدون في الوقت الراهن تعريف ما الذي يعنيه أن تكون مقاتلاً جوياً حديثاً، وما الذي يعنيه مصطلح " البسالة" في الحرب.
منذ نشأة القوات الجوية، ظل الطيارون الذين يقودون الطائرات المقاتلة والقاذفة يأتون على رأس قائمة تصنيف الطيارين. وهؤلاء يقاتلون في الوقت الراهن من أجل المحافظة على مكانتهم ونفوذها، خصوصاً في الوقت الراهن الذي أدت فيه ظروف القتال والتقدم التقني إلى زيادة أهمية الطائرات التي تطير بدون طيار في مسرح القتال في أفغانستان ومن قبله في العراق. والطيارون المقاتلون والقاذفون يرون أن ما يقوم به الضباط من مشغلي هذا النوع من الطائرات لا ينطوي على أي قدر من "البسالة "، إذا قورن بالأدوار والمهام التي يقومون بها في الحروب.
يقول الخبراء إن الجنرال "شوارتز" هو الرجل الذي يجب أن يقوم بدور تجاه حل هذا الخلاف الناشب بين الطيارين التقليديين من مقاتلين وقاذفين وبين مشغلي الطائرات التي تطير بدون طيار. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن "شوارتز" هو أول جنرال يتولى رئاسة أركان القوات الجوية، دون أن يكون قد قاد من قبل طائرات مقاتلة وقاذفة، وهو ما يعكس وجهة نظر وزير الدفاع في الحرس القديم بالقوات الجوية.
منذ توليه لمهام وظيفته عمل "شوارتز" على تفكيك النظام التراتبي الهرمي الذي كان سائداً في القوات الجوية، والذي كان يضع طياري المقاتلات في قمة التصنيف، يليهم طيارو القاذفات، يليهم قائدو طائرات النقل والشحن، وفي خاتمة المطاف الطيارون الذين لا يقومون بممارسة الطيران فعلياً، وإنما يساعدون من مواقعهم على الأرض في مهام تتعلق بالمساعدة على تشغيل الطائرات التي تطير بدون طيار وإبقاء الأقمار الاصطناعية في مداراتها المحددة.
كما سعى "شوارتز" أيضاً لتوسيع تعريف القوات الجوية لمهامها الجوهرية ـ بخلاف القصف الاستراتيجي والسيطرة على الأجواء. وفي هذا السياق أضاف "شوارتز" المهمة التالية للمهام المنوطة بالقوات الجوية: تقديم صور الملاحظة والرصد للقوات البرية التي تقوم بشن عمليات لمواجهة التمرد.
في الوقت الراهن تقوم القوات الجوية بـ40 دورية على مدار اليوم من طائرات "بريداتور" و"ريبرز" التي تطير بدون طيار، وهو ما يشكل زيادة بمقدار ثمانية أضعاف عما كان عليه الأمر عام 2004.
وكان من المحتم أن تؤدي هذه التغييرات، إلى أسئلة أخرى مهمة على نطاق القوات الجوية منها على سبيل هل يجوز للطيارين الجدد الذين يتم تخريجهم من أجل تشغيل الطائرات بدون طيار -خلال فترة زمنية أقل من تلك اللازمة لتخريج طيارين وقاذفين- شارة الطيران مثل تلك التي يرتديها هؤلاء الطيارون؟ هل من حق هؤلاء الطيارين الحصول على نفس الزيادات في الرواتب التي يحصل عليها الطيارون المقاتلون والقاذفون؟ وهل يجوز أصلاً أن نطلق عليهم لقب طيارين؟
للإجابة على تلك الأسئلة وغيرها، اتخذ "شوارتز" عدة قرارات منها أن هؤلاء الطيارين يجب أن يطلق على كل واحد منهم لقب طيار، حتى ولو لم تكن طبيعة مهمته تستلزم منه مغادرة الأرض، وأن من حقهم بالتالي الحصول على رواتب الطيارين، وعلى زيادات في الرواتب بنفس المعايير المحددة.
وفي حفل أقيم مؤخراً في قاعدة كريتش الجوية في لاس فيجاس لتخريج الطيارين الذين يقومون بتشغيل الطائرات بدون طيار، والذين خضعوا بسبب الحاجة الماسة إليهم بسبب تطورات القتال في أفغانستان لبرنامج تدريبي مختصر المدة على كيفية تشغيل طائرات بريداتور والريبرز ـ قال "شوارتز" مخاطبا هؤلاء الخريجين:"إنكم جزء من تطور كبير لحق بالقوات الجوية الأميركية وهو تطور يعتبر الأهم خلال عقود طويلة".
يقول الخبراء العسكريون إن هذا التغير في ثقافة القوات الجوية لن يقدر له الاستمرار إلا بعد ما يتمكن هذا النوع الجديد من طياري الطائرات بدون طيار من الحصول على الرتب العليا في القوات المسلحة شأنهم في ذلك شأن طياري المقاتلات والقاذفات.
ويؤكد هؤلاء إن الجيل القادم من الطيارين الذين يوجهون الطائرات بدون طيار من قواعد أرضية سوف يفرض إدخال المزيد من التغييرات على ثقافة وبيئة القوات الجوية منها على سبيل المثال الحاجة إلى أنواع جديدة من البنيات التنظيمية، وأنواع جديدة من القواعد، ومعايير جديدة للاختيار تختلف عن تلك الخاصة بالنمط القديم من الطيارين
ومن المحتم أيضا في سياق ذلك أن يتغير مفهوم "البسالة" في القتال من معناه الحالي، وهو المخاطرة بالحياة في وجه الخطر ليصبح "الحرص على عمل ما هو صائب وللأسباب الصائبة وبالطريقة الصائبة".


جريج جاف
كاتب أميركي متخصص في الشؤون العسكرية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست»

اقرأ أيضا