الاتحاد

عربي ودولي

عراق الأبجدية واللعبة الطائفية


أحمد خضر :
ليس صعباً على العراق الغني بتراثه وحضارته العريقة وتنوعه الطائفي والاثني أن يكون بعيداً عن الأمراض الطائفية والعرقية ، فلقد عاش موحداً تحت ظل الحكم الإسلامي ، بمختلف طوائفه ، وتقلبت عليه العديد من الحملات والغزوات الخارجية لكنه بقي موحداً ، وحين خاطب الحجاج الناس بقوله : ( يا أهل العراق ·· يا أهل الشقاق والنفاق ) ، كان يخاطب أناساً لهم تاريخ استثنائي ، وكان يريد أن يدخلهم في بيت الطاعة الأموي أيام يزيد ، فيما العراقيون موحدون قلباً وقالباً في إطار الهوية الواحدة ، وبقيادة زعامة من آل البيت الذين هم من أهل السنة والجماعة ، وحين احتل المغول بغداد وتحول لون نهر دجلة إلى السواد من كثرة ما ألقي به من روائع الكتب في الأدب والشعر والعلم والفلسفة ، ومنجزات الحضارة ، لم يتوقف النهر الخالد عن الجريان ، بل عاد صافياً نقياً لازوردي اللون ، إنها الحضارة التي تمتد إلى ستة آلاف عام في عمق التاريخ منذ أيام السومريين التي يفخر كل عراقي على وجه الأرض بانتمائه إليها ، وإن الدور النهضوي التجددي الحضاري الذي لعبه هذا البلد العربي دائماً ، كان محط الأنظار ، لذا كانت الضربة له مركزة وشديدة لتدمير الحضارة التي أبدعها الإنسان ، وتدمير الإنسان العراقي ذاته ، وإعادة صياغة جغرافية المنطقة على أسس جديدة ·
واجهة الحكم
ورغم أن واجهة الحكم في العراق كانت من السنة منذ العشرينات من القرن الماضي ، إلا أن بقية الطوائف كانت تحتل مراكز متقدمة وهامة في كل شؤون الدولة ، كما أن المعارضة للحكم السابق كانت من جميع الطوائف والملل دون استثناء ، لذا فإن البعض يرى أن الخوف على العراق من الانشقاق ، أو التمزق القومي والطائفي فيه الكثير من التجني على تاريخ العراق ، وعلى المستوى الثقافي الحضاري الذي وصل إليه أبناؤه ·
ومع الأسف فإن هذا الطرح صحيح من الناحية المثالية النموذجية ، أما من الناحية الواقعية فإن البعض يجنح باتجاه آخر ، فمثلاً حين يقع الزعيم السياسي تحت طغيان المثقف الديني ، وعقليته المتزمتة من جهة ، والعقلية الإمبريالية التي أوصلت الأمور إلى هذه الحالة من جهة ثانية رغم كل الممارسات العنجهية للنظام السابق الذي مهد لها الطريق ، فإن هوية العراق الوطنية قد تكون في نظر الطائفيين ، ودعاة النزعة الانفصالية مجرد هوية صورية ، أو ديكور شكلي أمام العالم ، بل إن مفاتيح التقسيم والتشرذم هي في يد قوة الاحتلال ، وهو ما صرحت به واشنطن مؤخراً حين طمأنت تركيا من أن التجربة الكردية تحت سيطرتها ·
خراب وبناء
إن الحروب تخلف وراءها الدمار والخراب ، لكنها أيضاً تبني الدول على أسس وقواعد جديدة ، وتستفيد الشعوب المتطلعة للمستقبل من تجارب الماضي ، وتأخذ منه الدروس والعبر ، لذا فإن العراق الجديد ينبغي أن يكون بعيداً عن الطائفية السياسية ، لا أن يسعى بعض القادة الجدد إليها ، حيث يتم استغلال الطائفة للوصول إلى سدة الحكم ، بمعنى تسييس الدين والطائفة ، رغم أن المفروض أن يكون هناك توافق وطني حتى يمكن تجنب الوقوع في جحيم الحرب الأهلية ·
ولنأخذ مثالاً واضحاً على الشعوب التي استطاعت الوصول إلى صيغة حقيقية للتعايش ، والتي كفلت الحقوق الوطنية لجميع أبنائها ، ففي أميركا التي لا يتجاوز عمرها 200 سنة ، وفيها من كل الأعراق والجنسيات واللغات ، لكنهم جميعاً منصهرون في بوتقة الوطنية الأمريكية ، بل وتفخر أمريكا أقوى دولة في العالم بهذا التعدد الذي ساهم في صنع أمريكا الجديدة التي نهضت على أنقاض الاستعمار البريطاني ·
وهناك مثال آخر على عظمة الديمقراطية التي توحد الشعوب تحت المظلة الوطنية وهو الهند هذه القارة المترامية الأطراف والتي فيها العديد من الأديان والقوميات واللغات المختلفة لكنها موحدة في إطار بلد واحد يعتبر من أهم بلدان العالم·
إن العراق الغني بالثروات الطبيعية ، والعقول البشرية الفذة ، عراق التسامح ، والأبجدية الأولى ، عراق السياب والجواهري وأبو نواس ، هو العراق الذي ينبغي أن تسود فيه القيم الليبرالية ، والتنمية الاقتصادية ، والحرية ، والدولة المبنية على أسس عصرية ، بعد أن سقطت شريعة الغاب إلى غير رجعة
المستنقع العراقي
ومن الخطأ الفادح الاعتقاد أن أمريكا هي التي سوف توفر الحماية للتجربة العراقية التي يتم فيها استقواء طرف على آخر ، وقبل التفكير في ذلك لا بد من التفكير في حماية التجربة العراقية في مرحلة كتابة الدستور من الخطأ ، ثم أن أمريكا سوف لن تطيل أمد وجودها في العراق ، ما دام أنها تتكبد خسائر شبه يومية بين جنودها ، ثم أنه ليس من مصلحة أمريكا البقاء ضمن ما يسمى بالاستعمار الكلاسيكي الذي جربته في أكثر من مكان وفشل ، والعديد من القوى تطالبها بالانسحاب ، وهناك مقاومة حقيقية لوجودها ، وهي بلا شك تورطت في المستنقع العراقي الذي لم تستطع حفظ الأمن والنظام فيه عبر العمليات العسكرية ، ومن الناحية الجيواستراتيجية فإن أمريكا تنظر إلى العراق كي يكون على غرار الجارة الشمالية تركيا التي تحتفظ فيها بقواعد عسكرية ، أو اليابان على سبيل المثال التي أصبحت ثاني قوة اقتصادية في العالم بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية ، إضافة إلى أنه بوابة التغيير في المنطقة ، ومدخل لإيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي ، وتغيير الخرائط ، وفوق هذا وذاك حماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية المتمثلة بالنفط ·
لقد تغير العالم ، ووصلت الشعوب إلى المستوى الذي يؤهلها لأن تعرف المسار الصحيح لحياتها ومستقبلها بعد أن بانت ( لحظة الحقيقة ) وتعرى أصحاب الشعارات الكاذبة الذين ما جلبوا للأمة سوى الذل والعار والهزائم المتكررة ·
التجربة العراقية
ورغم أن التجربة الديمقراطية التي بدأت بالانتخابات شأن داخلي محض كما يقول زيباري ، إلا أن العقل السياسي فيها كان مغيباً تماماً ، وجرت التحالفات على قواعد طائفية أو قومية انفصالية ، وهو ضد منطق التطور وبناء العراق الجديد الذي يحتضن جميع أبنائه دونما تمييز في العرق أو الدين أو الطائفة ، وتبعاً للظروف الموجودة في العراق فإن المثقف السياسي يلبس عباءة الفقيه ، كما أن الفقيه يرتدي عباءة المثقف السياسي في تداخل بين الطرفين حيث نتحدث عن الفقيه المثقف أو المثقف الفقيه ، لكن الخطأ الفادح أن يسلب أحدهما دور الآخر ، أو أن يتحول السياسي إلى شخص انتهازي فيستغل اللعبة الطائفية للوصول إلى الحكم ·
إن الانتخابات في العراق ، وما تلاها من اجتماع المجلس الوطني ، والتصويت على حكومة الدكتور الجعفري ، خطوة جيدة في طريق العمل البرلماني والديمقراطي من أجل تحقيق الحرية السياسية الكاملة للعراق الديمقراطي الموحد بجميع طوائفه وإثنياته وأعراقه ومذاهبه وقومياته ، خطوة تعيد بناء الدولة العراقية على أسس عصرية جديدة بعيداً عن الإرهاب والتسلط وسفك الدماء والمقابر الجماعية والحروب ، والنزعات الانفصالية ، وتغييب عقول الناس ، لكنها ليست كافية إذا استأثر فريق دون آخر بالحكم وكتابة الدستور ، أما إذا وضع الزعماء المتربعون على عرش العراق حالياً في عين الاعتبار ، أن مؤسسات الدولة ، ومستقبل العراق أهم من الطائفة التي تشكل أكبر خطر داهم على المجتمع ، وأن يكون البحث عن مصلحة الوطن ، قبل البحث عن الذات ، والمصالح الشخصية ، والنزعات الانتقامية فإن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح ، وقد جرى بعض التقدم في هذا الشأن حين أعلنت الحكومة الجديدة إعادة النظر في قضية اجتثاث البعث ، وحين بدأ طالباني رئيس الجمهورية عهده بالعفو عن كل من لم تلطخ يديه بدم العراقيين على حد قوله ، ذلك إن الشعب يتوق للحرية والخبز والكرامة والخلاص ، وقد سئم الفتن والحروب الداخلية والخارجية ·
إن الطائفية هي عقدة المنشار أمام تطبيق الشكل الديمقراطي للعراق الجديد ، كقضية الحداثة ، والحرية ، وحقوق الإنسان ، والمواطنة ، والمساواة ، والانتماء العروبي لهذا البلد الذي بقي دائماً مصدر إشعاع وتأثير بالغ في القضايا العربية والإنسانية ، كما أن لعبة الإقصاء التي تمارسها جهة ضد جهة أخرى ، قد تقود الأمور دائماً إلى حافة الهاوية ، والفوضى ، وعدم الاستقرار ، لذا لا بد من البناء الحقيقي لعراق موحد بعيد عن منطق الكراهية والاستعداء والاستئثار بالسلطة ، لأن مثل هذا الأسلوب لا يلائم مظاهر التحديث والتغيير الديمقراطي على الإطلاق ·
غالب ومغلوب
ما يحدث أن البعض ينظر للأمور بمنطق الغالب والمغلوب ، وهذه نظرة مجتزأة من فكر متعصب لم يعد يرى غيره على الساحة ، وحين يسيطر هذا النسق من العلاقات اللاوطنية فإن المجتمع يكون عرضة للتخريب والإرهاب والأحداث الدموية المتواصلة على مدار الساعة ، أما حين يكون هناك آلية حقيقية للمشاركة في صياغة الدستور ، وصنع القرار السياسي ، وبناء البلد على أسس حضارية ، بعيدة عن المنزلقات الطائفية ، والتبعية للأجنبي ، فإن واقعاً آخر سينشأ في العراق العظيم ، وعلى رأس ذلك الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ·
شيء آخر هو أن التحالف مع الاحتلال لقمع المواطن العراقي والتنكيل به لن يؤدي إلى تطهير العراق من الإرهاب ، بقدر ما سيخلق شرخاً عميقاً بين أبناء العراق أنفسهم ، وسيجعل الموت ضيفاً في كل بيت عراقي يحصد الأرواح بالجملة خاصة من بين المدنيين ورجال الشرطة وأساتذة الجامعات وأئمة المساجد والمدن التي تم تدميرها على رؤوس ساكنيها ، لذا فإنه ينبغي على العراقي قبل أن يتصالح ويتحالف مع الأجنبي أن يتصالح ويتعافى مع نفسه ، كي تقوم قيامة العراق الأسطورة من بين الأنقاض ·

اقرأ أيضا

الشرطة التركية تعتقل عضواً في الحزب الحاكم اعتدى على زعيم المعارضة