الاتحاد

تقارير

الصحافة العراقية... تحت وطأة القيود

قبل بدء الغزو الأميركي للعراق، الذي أطلق عليه "عملية تحرير العراق"، كانت الصحفية "نجحة خدوم" اسماً بارزاً في مجالها، وضمن ما كانت تسمح به ظروف المرحلة، فقد أُرسلت أثناء الحرب العراقية- الإيرانية في الثمانينيات إلى الجبهة لتغطية المعارك وإرسال التقارير إلى جريدتها في بغداد، كما أن أحد مقالاتها حول تفشي الفساد في الدوائر الحكومية كان وراء إقالة وزير المالية عام 1991.
وحتى بعدما تغيرت الأوضاع في العراق إثر الاجتياح الأميركي في العام 2003 وزوال النظام السابق، ظلت الصحفية العراقية على نشاطها ومثابرتها، حيث أطلقت موقعاً إلكترونياً مستقلاً يعكس من خلال التحديات التي يواجهها المعاناة التي يكابدها العراقيون المتعطشون لإقرار الحريات الأساسية بعد سنوات طويلة من الديكتاتورية.
ولكن وفيما تقترب عملية "تحرير العراق" من نهايتها، ترى "خدوم" أن نموذج الحرية الذي أرادت الولايات المتحدة إدخاله إلى العراق، قد تحول في أحسن الأحوال إلى صرح هش، وفي أسوئها إلى وهم زائف سرعان ما سيتبدد ليظل الواقع العراقي بوجهه القبيح. فمنذ الإطاحة بالنظام السابق، بقي العراق البلد الأكثر خطورة بالنسبة للصحفيين، حيث لقي ما لا يقل عن 140 صحفياً حتفهم، أغلبهم سقط على يد الميليشيات المسلحة والمتمردين، وذلك حسب إحصائيات لجنة حماية الصحفيين التي تتخذ من نيويورك مقراً لها.
ورغم حرية الصحافة التي يكفلها دستور العام 2005 مازالت التشريعات المتعلقة بتطبيقها معطلة في البرلمان العراقي، كما أن المسؤولين الحكوميين والمواطنين ما فتئوا يرفعون الدعاوى القضائية على الصحفيين للحد من التحقيقات المنتقدة للنظام، أو الكاشفة للفساد والمصالح الخاصة، بل الأكثر من ذلك أعلنت لجنة خاصة شكلها رئيس الوزراء، نوري المالكي، عن مجموعة من القواعد يرى فيها الصحفيون العراقيون والمدافعون عن حرية الصحافة تقهقراً إلى الوراء ورجوعاً إلى عهود الاستبداد والتضييق على الصحافة.
فقبل اندلاع الحرب، تعترف "خدوم" أنه كان بإمكان الصحفيين نشر بعض المقالات القاسية أحياناً لو توافرت لديهم الأدلة، قائلة: "في ذلك الوقت لم يكن أحد يقتل الصحفيين لنشرهم مقالاً ينتقدون فيه الأوضاع دون أن تلقي الحكومة القبض على المجرم"، لكن في الخريف الماضي نجا الصحفي، عماد عبادي، وهو زميل لخدوم من محاولة اغتيال محققة، وهو ما عبرت عنه- بعد إطلاق الرصاص عليه بسبب مقالاته المنتقدة لمظاهر الفساد الحكومي- بقولها: "لقد كانت تلك محاولة لتكميم أفواهنا، ومنع الصحفيين من القيام بوظيفتهم".
ووفقاً لرئيس مرصد الحريات الصحفية في العراق، زياد العجيلي، تزايدت في الفترة الأخيرة الدعاوى القضائية المرفوعة ضد الصحفيين في المحاكم، لتتزامن مع التنافس السياسي الحاد الذي تغذيه الانتخابات العراقية المقبلة، مؤكداً أن "الحرية في العراق غير موجودة". ومن ضمن القيود التي فرضتها لجنة الاتصال والإعلام التابعة لرئيس الوزراء منع الصحفيين من التحفظ عن ذكر أسماء مصادرهم، وتهديد من ينشر معلومات تحرض على العنف، وتضيف القواعد الجديدة، كما يتعين على المؤسسات الإعلامية طلب الرخص والتجهيزات من اللجنة وإمدادها بقائمة الموظفين لديها.
وفي رده على الانتقادات التي وُجهت للجنة قال: ماجد توفان، الناطق الرسمي باسم اللجنة المثيرة للجدل إن الهدف من اللجنة ليس خنق حرية التعبير، بل وضع آلية تنظيمية الغرض منها مراقبة القطاع الذي يعمل في ظل فراغ تشريعي، قائلاً: "إن الوضع في البلاد مازال غير مستقر، وهناك البعض في الإعلام ممن يحرضون على العنف ويروجون للإرهاب".
وقد كانت "خدوم" إحدى الصحفيات القلائل اللواتي أرسلن إلى الجبهة لتغطية الحرب العراقية- الإيرانية خلال الثمانينيات، وبعد الحرب تولت مناصب قيادية في صحيفتها، وكانت نشطة وتدافع عن أفكارها بحماس، كما تميزت بقدرتها على الخوض في قضايا حساسة دون التعرض لمشاكل مع نظام صدام. ومع أن الصحفيين وقتها كانوا يعملون في إطار من التضييق إلا أن القواعد غير المكتوبة كانت واضحة، حيث شكلت المقالات المنتقدة لصدام وعائلته خطاً أحمر، لا يمكن تجاوزه، أما الحكومة فكان مسموحاً بانتقاد بعض تجاوزاتها، وهو ما قامت به "خدوم" عام 1991 عندما توصلت إلى معلومات عن وجود فساد في وزارة المالية، فأجرت تحقيقها وحصلت على وثائق تثبت تلقي موظفين في الوزارة لرشاوى من المواطنين، وبعد أيام من نشرها تفاصيل الفضيحة، أقيل وزير المالية من منصبه، فأحست "خدوم" وقتها كما تقول "بالفخر إذ لم يكن من السهل التسبب في إقالة وزير في الحكومة". ورغم أن الحكومة المؤقتة التي تلت سقوط صدام، صاغت قوانين تضمن حقوق الصحفيين، إلا أنها لم تتحول بعد إلى تشريعات لعدم مصادقة البرلمان عليها لتبقى قوانين صدام حسين مستمرة ومعمول بها إلى غاية اليوم، لكن ذلك لم يمنع ازدهار الصحافة غداة الاجتياح الأميركي بعدما ظهرت العديد من الصحف وأنشئت القنوات الفضائية، وخدوم التي اضطرت إلى مغادرة العراق في العام 2006 بسبب العنف الطائفي عادت مرة أخرى في العام 2008 عندما انحسر العنف، وقامت في الصيف الماضي بإطلاق موقعها الإلكتروني بعد بيعها لقطعة أرض كانت تملكها في جنوب العراق بخمسين ألف دولار.
وسرعان ما حقق الموقع نجاحاً بعد نشرها لتحقيقات سياسية تتناول العنف المستشري في العراق، مشيرة إلى أسماء المفسدين، لكن بعد سلسلة من التهديدات وبعد تعرض زميلتها لمحاولة اغتيال، أصبحت خدوم أكثر حذراً، وفيما كانت تحزم حقائبها لمغادرة حي الأعظمية الذي عاشت فيه لأربعين سنة بسبب تجدد العنف الطائفي والبحث عن منزل في حي الكاظمية المجاور أصر العديد من جيرانها على توديعها وخاطبها أحدهم بقوله: "إنه لمن المؤلم حقاً أن نخسرك ولكن ما تقومين به من عمل صحفي هو عين الصواب".


إيرنيستو لوندونو
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست»

اقرأ أيضا