الاتحاد

تقارير

التقشف الألماني وأزمة أوروبا الاقتصادية

أدى إسراف وغلو اليونان في الإنفاق إلى وقوع أكبر أزمة تعرفها وحدة النقد الأوروبية "اليورو" منذ ظهورها قبل 11 عاماً، إلا أن هذه الوحدة النقدية الطموحة تواجه مشكلة أخرى أقل وضوحاً قد يكون من الصعب التغلب عليها: إنها التقشف الألماني. فقد أدى تبني "اليورو" إلى عهد تميز بالقروض الرخيصة والرواتب المرتفعة و"الحكومة الكبيرة" في دول مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال.
غير أن إنفاقها الكبير المدعوم بواسطة الديون يتسبب اليوم في مشاكل، حيث باتت اليونان أول دولة تشارف خزائنها على النفاد، مما يثير المخاوف من الإفلاس. وفي هذه الأثناء، يتوقع من ألمانيا -التي تعد القوة الاقتصادية في أوروبا- أن تضطلع بدور قيادي ضمن جهود الإنقاذ لتجنب تأثير سلبي ممكن على "اليورو" واندلاع موجة جديدة من الاضطراب في أسواق السندات والعملات والأسهم الدولية.
غير أن الغلو والإسراف في بلدان جنوب أوروبا باتا اليوم موضوع سخط واستياء واضحين في ألمانيا، حيث يعبر الكثيرون عن ندمهم على اليوم الذي ودعت فيه هذه الدولة البالغ عدد سكانها 82 مليون نسمة عملتها السابقة "المارك" عام 1999. ولكن عدداً من المحللين يقولون إن جزءاً مهماً من النمو الاقتصادي الذي حققته ألمانيا خلال السنوات التي أعقبت ذلك إنما يعود إلى ازدياد الإنفاق في اليونان وإسبانيا والبرتغال ودول أوروبية أخرى بعد تبنيها "اليورو"، ذلك أن الارتفاع الكبير في مبيعات كل شيء"، في أجزاء أخرى من أوروبا ساعد على التعويض عن نقص الإنفاق هنا في ألمانيا -حيث أدى تجمد الأجور والثقافة الاستهلاكية المحافظة إلى سنوات من ضعف الطلب الداخلي.
واليوم، يقول عدد من الاقتصاديين إنه لا بد من تغيير ذلك حتى يصمد "اليورو" ويستمر، وإنه إذا كان يتعين على اليونان أن تقلص إنفاقها وترتب أمورها من أجل استعادة الثقة في "اليورو"، فعلى الألمان أيضاً أن يبدؤوا في استهلاك أكبر لما تصنعه ألمانيا وجيرانها.
بيد أن انعدام التوازن الاقتصادي في أوروبا يبرز مشكلة عالمية أكبر، وصف الرئيسُ أوباما وآخرون حلَّها بأنه أساسي من أجل تعبيد الطريق لنمو مستديم في أعقاب الأزمة المالية؛ حيث يجادلون بأن على دول مثل ألمانيا والصين واليابان أن تبذل جهوداً أكبر لحث مواطنيها، الذين يمتلكون بعضاً من أعلى معدلات التوفير في العالم، على الاستهلاك أكثر، تماماً مثلما على دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا واليونان أن تبدأ في التصدير أكثر، بموازاة مع ضرورة توقفها عن الإنفاق الكبير المعتمد على القروض، والذي خلق الفقاعات الاقتصادية التي شاهدناها خلال السنوات الأخيرة. غير أن ذلك لن يكون سهلاً.
"روزي ويتشر" معلمة وأم لطفل في الأربعين من عمرها. وعلى غرار العديد من الألمان، حصلت روزي على زيادات طفيفة في راتبها على مدى العقد الأخير، بسبب حرص الشركات والحكومة الألمانية، التي تعتمد خفضاً قوياً في الكلفة، على عدم تجاوز حد معين بخصوص زيادة رواتب القطاعين العام والخاص. وعلى غرار العديد من زملائها في هذه العاصمة الأنيقة والقديمة حيث يقابَل التباهي و"المظهرية" بتقطيب الحاجبين، فإنها فخورة بتقشفها. فهي تستعمل جهاز "الستيريو" نفسه منذ 12 عاماً، ولا تعاني مشاكل ديون بسبب بطاقات الائتمان، ولا تمتلك سيارة، وقانعة بأثاث اشتُري في الثمانينيات. وتقول روزي: "لماذا أحتاج إلى المزيد؟ إن ابني سعيد بجهاز الألعاب الصغير الذي لديه بدلاً من ألعاب "بلاي-ستيشن"؛ وجهاز الستيريو الذي أملكه ما زال يشتغل بشكل جيد. والحقيقة أنني لا أعتقد أنها علامة على التقدم والرقي أن يُغرق المرء نفسه في الديون".
ونتيجة للتجارة غير المتكافئة، تربط ألمانيا بشركائها في "اليورو" اليوم علاقة لا تختلف كثيراً عن تلك التي تجمع بين الصين والولايات المتحدة، حيث يلعب أحد الطرفين دور المزود والممول، والثاني دور المستهلك الذي يسرف في الإنفاق.
فخلال العقد الماضي، ارتفعت مبيعات ألمانيا -التي لديها اليوم أكبر فائض تجاري في العالم بعد السعودية- إلى اليونان وإسبانيا والبرتغال بـ66 في المئة و59 في المئة و30 في المئة، على التوالي. ومثلما تُعد الصين أكبر حامل لسندات الخزينة الأميركية، فإن البنوك الألمانية استثمرت كثيراً أيضاً في الديون اليونانية والإسبانية والبرتغالية. غير أن ألمانيا بالمقابل استوردت القليل نسبيا من هذه الدول -ويعزى ذلك جزئياً، كما يقول الكثيرون هنا، إلى أن لدى هذه البلدان القليل نسبياً لتبيعه.
وفي هذه الأثناء، توجد ألمانيا في وضع صعب -فهي لا تريد مكافأة اليونان، التي أبدت تهوراً ولامبالاة، بوعد بالمساعدة، ولكنها تخشى في الوقت نفسه تداعيات ذلك على اقتصاديها إنْ هي لم تفعل.وفي هذا السياق، يقول "توماس مايرز" ، كبير الاقتصاديين بـ"دويتش بنك": لقد كان الألمان يتولون إعداد الأكل والشراب في حفلة كبيرة كانت تقام في منطقة اليورو، حيث يبيعون الطعام ويعرضون القروض على ضيوف الحفلة... ولكن الضيوف أكلوا كثيرا، واليوم تجد ألمانيا نفسها مطالَبة بتسديد الفاتورة. إن العبرة في هذه القصة هي ضرورة تعديل نموذج اليورو. صحيح أن على اليونانيين أن يقوموا بإصلاحات، ولكن الألمان مطالَبون أيضا بالتغيير".


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست»

اقرأ أيضا