الاتحاد

الملحق الثقافي

كوميديا داكنة.. وحروب أغرب من الخيال

هل يمكن للجندي في الأزمنة الراهنة والمستقبلية الاستغناء عن معداته القتالية أثناء المعركة، والاعتماد على قدراته النفسية والذاتية من أجل هزيمة العدو، وهل يمكن للطاقات الروحية الخاصة أن تمارس نوعاً من التأثير المعنوي المشوش في المعسكر المقابل بحيث تتحول الحروب التقليدية إلى ساحات للعراك النظيف والصامت، ومن دون حاجة لصرف ميزانيات طائلة على الأسلحة التدميرية التي لا تميز الضحية عن الجلاد.

رغم الخيالية المفرطة التي يتضمنها هذا الطرح، إلا أن المخرج جرانت هيسلوف وفي باكورة أعماله السينمائية “رجال يحدقون في الماعز” ــ عرض في ختام مهرجان الشرق الأوسط بأبوظبي ــ يصر على التعامل مع الفكرة من جانبها القابل للتصديق، فالفيلم رغم عنوانه الغريب الممهد للكثير من التفاصيل والمفاجآت التي تتجاوز الواقع وتكاد تكون أقرب للهذيان ولأفلام “الكوميكس”، إلا أن قصته تعتمد على حكايات حقيقية وملموسة عايشها الصحفي : “جون رونسون” وخرج منها بكتاب يحمل نفس عنوان الفيلم بعد تجربة غرائبية خاض تفاصيلها بدقة أثناء تواجده في العراق وسط فرقة الجنود الخاصة والسرية التي أسسها الجيش الأميركي في العام 1979 وحملت اسم “الجيداي الأميركي”، نسبة إلى مقاتلي الجيداي في سلسلة أفلام حرب النجوم!

استعان المخرج هيسلوف في فيلمه بوجوه معروفة وذات قدرات أدائية وارتجالية مبهرة مثل جورج كلوني الذي يشارك للمرة الثالثة في أعمال تتناول الهاجس العراقي بعد “سيريانا”، و”ثلاثة ملوك” وسبق لكلوني مشاركة المخرج في إنتاج فيلم ليلة سعيدة، حظ سعيد”، استعان المخرج أيضا بجيف بريدجز وكيفن سباسي وإوان مكروجر من أجل صياغة ودعم فيلم عانى من صعوبات كثيرة أثناء إعداد السيناريو رغم توفره على ملامح مميزة تجمع بين الكوميديا والخيال والواقعية الصادمة، وهي ثيمات مركبة وصعبة سبق للأخوين جويل وإيثان كووين التعامل معها بحرفية عالية في أعمال لافتة مثل: “بارتون فينك” و”فارجو” و”لا بلد للمسنين” و”الرجل الذي لم يكن هناك” وغيرها من الأعمال التي حازت على جوائز وإطراءات نقدية عديدة، وسبق لجورج كلوني التعامل مع الأخوين كووين في أفلام مثل: “يا أخي أين أنت”، و”قسوة لا تطاق”، أما جيف بريدجز فتعامل مع الأخوين في فيلم: “لوبوفيسكي الضخم”، حضور ممثلين بهذه القيمة الفنية والخبرة الأدائية قد يضمن النجاح لمخرج في عمله الأول، ولكن ترجمة الأفكار الصعبة إلى نص متماسك وعمل منفذ بدقة، قد يكون هو الرهان الأكبر لنجاح أي فيلم بغض النظر عن ثقل الأسماء المشاركة فيه، وهذه النقطة التي تختل فيها التوازنات بين الأداء والرؤية الإخراجية ربما كانت سببا في تذبذب الإيقاع العام لفيلم: “رجال يحدقون في الماعز”، الذي ارتقت بعض مشاهده إلى الذروة مع الدمج الموفق بين كوميديا الموقف وسوداوية الحدث، بينما هبطت مشاهد كثيرة منه نحو الكليشيهات والمبالغات الإخراجية وتشتت السرد وضياع الخطوط الرئيسية للفكرة.

مهمات غامضة

يتحدث الفيلم ومن خلال الرواي إوان مكروغر ـ في دور الصحفي بوب ويلتون ـ عن قصة ذهابه إلى الكويت بعد علاقة زوجية فاشلة كي يتخلص من آلامه الشخصية ويدخل غمار تجربة مهنية مثيرة رغم خطورتها والمتمثلة في دخول الأراضي العراقية والخروج بسبق صحفي أو مذكرات شخصية تحقق له نوعا من التوازن والرضا النفسي.

يتعرف الصحفي في أحد الفنادق الكويتية على شخص أميركي غريب الأطوار ـ لين كاسيدي ـ (جورج كلوني)، والذي يسعى بدوره إلى دخول الأراضي العراقية رغم خطورة الوضع على الحدود، تتقاطع مصائر الشخصيتين من خلال بحثهما عن خلاص ذاتي وإنجاز مهمة غامضة وملحة وسط الجحيم الأرضي في العراق، يكتشف الصحفي أن كاسيدي كان جنديا سابقا في خلية سرية هي: “الجيداي الأميركي” التي تجند أشخاصا بمواصفات نفسية خارقة وقدرات عقلية متجاوزة، تتركز مهمتهم في التأثير النفسي على العدو واختراق خطوطه دون استخدام طلقة واحدة، وتعود جذور تأسيس هذه الخلية إلى فكرة طرحها أحد الجنود الذين شاركوا في حرب فيتنام ـ جيف بريدجز ـ الذي يقترح على القيادة العسكرية الأميركية إنشاء هذه الوحدة بعد معايشته لقوة التأثير النفسي الذي مارسه الفيتناميون على الجنود الأميركان، تتشجع القيادة أكثر لفكرة تأسيس هذه الفرقة بعد حصولها على معلومات مؤكدة عن استخدام الروس لتكنيكات الحرب النفسية والتواصل الذهني عن بعد “التليباثي” للتفوق على القدرات العسكرية والاستخباراتية للعدو.
يعود الفيلم ومن خلال فلاش باك طويل إلى العام 1979 ويتناول التفاصيل الغريبة والعجائبية والمتناقضة التي اتبعتها فرقة الجيداي في معسكرها التدريبي المبدئي داخل الأراضي الأميركية وبتمويل مفتوح من القيادة العليا، فرغم اعتماد هذه الفرقة على القوة الذاتية والتأملات الداخلية الأشبه بطقوس البوذيين والمتصوفة البعيدة عن ممارسات العنف الجسدي وإيذاء الخصم، إلا أن استخدام الفرقة لتكنيك تعذيبي يتمثل في قتل الجندي للماعز من خلال التحديق فيه وإيقاف قلبه، أدى إلى ظهور خلافات وسط المنضوين للفرقة، ومع ظهور عوارض الاكتئاب والهوس والجنون على جنود آخرين، ارتأت القيادة العليا تفكيك الخلية السرية والتخلي تماما عن مشروع “الجيداي الأميركي” مع إحالة كل أعضائها إلى التقاعد.

تجارب مشبوهة

بعد هذا الفلاش باك الطويل الذي يرويه الجندي كاسيدي للصحفي والذي يتقاطع مع مشاهد ولقطات في الصحراء العراقية وفي الشارع العراقي الملغم بالانتحاريين وتجار الرهائن والمرتزقة، يتمكن الاثنان بعد تجربة اختطاف مريرة وضياع مهلك في الصحراء من الوصول إلى القاعدة الأميركية في العراق والتي ما زال البعض من قادتها مؤمنا بفكرة المحاربين النفسيين وبجدوى التجارب العقلية والسيكولوجية في التأثير على العدو، ولكن الصحفي والجندي المتقاعد كاسيدي يكشفان عن فظائع مستترة تمارسها هذه الوحدة النفسية التي أعيد بعثها في العراق وذلك من خلال التعذيب النفسي للمعتقلين العراقيين وتطبيق أساليب وتقنيات بشعة من أجل الحصول على اعترافاتهم، يعثر الاثنان أيضا على مخبأ مغلق لقطيع من الماعز تحولت هي الأخرى إلى حقل لتجارب القتل الصامت، فيقومان بتخدير جنود المعسكر وإطلاق سراح الماعز والمعتقلين العراقيين في مشهد ختامي يطرح أسئلته المرّة، ويومئ إلى عشوائية وفوضى التواجد الأميركي في العراق.

فرغم طابعه الساخر والتهكمي حمل الفيلم إشارات ورسائل تنتقد التوجهات الأميركية العليا التي تعتبر العراق حقلا كبيرا لممارسة تجاربها المشبوهة والمتضمنة للكثير من أساليب العصور الوسطى والسوداء القائمة على الجهل والخوف المرضي وجنون الارتياب ومطاردة أعداء وهميين ومفترضين، نكاية في التاريخ وتشويها للحقيقة.

اقرأ أيضا