الاتحاد

الملحق الثقافي

عن اشتراطات صناعة الكتاب.. الناقصة

إلياس فركوح

إلياس فركوح

مرَّ معرض أبوظبي للكتاب، عبر تجربته منذ انطلاقته قبل تسعة عشر عاماً، بمجموعة من التحولات، كان أبرزها وآخرها الاتجاه به نحو وسمه بالصفة التجاريّة ـ كأنما يجري على الصعيد الاقتصادي في البلاد، بالمعنى الاستثماري المحض، قد أصاب بمفاهيمه القائمين على تنظيم وإدارة المعرض. لقد بدأ بأجنحة مجانيّة تُمنَح للناشرين العارضين، استناداً إلى أنه (المعرض) لا يخرج عن كونه تظاهرة ثقافيّة تبتغي تشجيع تداول الكتاب وتحفيز المجتمع، بشتّى مكوناته، على اقتنائه بوصفه رافعة من رافعات الوعي، ليؤدي في نهاية المطاف إلى خلق إنسان نوعيّ بمعنى الكلمة. ثم انتهى إلى أن يصبحَ مجالاً مفتوحاً لمجمل أوجه العلاقات الواجبة بين العاملين في قطاع النشر والتوزيع، بين العرب وسواهم من الأجانب، وبالمدلول المهني الصرف.
ليس لي أن أعترض على هذا التحول؛ إذ لا بدّ من مجيء اليوم الذي يرتقي فيه المعرض من مجرد صفوف متوازية ومتقابلة من “البسطات” الأنيقة لعرض الكتب بغية عرضها وجذب المعنيين بشرائها، إلى فضاء تتفاعلُ على أرضه مختلف القطاعات العاملة على إبداعه، وإنتاجه، وتسويقه، وتوزيعه. ولأنَّ الأمر يسير بهذا الاتجاه المهني؛ كان لمبدأ البداية، “العطاء بالمَجَّان”، أن يقف عند حدّ، وأن يتقدم منطق “البزنس” بحيث تؤجَر مساحات الأجنحة المشاركة لأيّ ناشر يريد أن يعرض نتاجه من الكتب الجديدة. وأن ترتفع قيمة الأجرة مع السنوات.
ولكن: على مَن يعرض الناشر كتبه؟
إذا ما أخذنا بالاعتبار نسبة القُرّاء المتدنيّة، بالقياس إلى عدد السكّان من المواطنين والمغتربين العرب، ومحدوديّة الجهات العامة المعنيّة بإغناء مكتباتها، فإننا نقع على حقيقة تقول بأنَّ الناتج النهائي للمشاركات إنْ لم يكن الخسارة المُرَجَحَة، فإنه لا يتعدى تغطيّة المصروفات. أما الربح؛ فالكفافُ منه يكفي!
أن نعمل على الاستفادة من خبرات معرض فرانكفورت العالمي المتراكمة، وإسناد أو إشراك إدارته، أو التخطيط للعديد من أنشطته، إلى خبرائه لنكتسبَ منهم الكثير؛ لهو من الخطوات البراغماتيّة الحكيمة بالتأكيد. غير أننا ننسى أنَّ صناعة الكتاب في “العالم الأول” استكملَت حزمةً من الاشتراطات ذات صلة بالسوق والتسويق بناءً على رقعة هائلة من السكّان المالكين لتقاليد القراءة والتعامل مع الكتاب كمفردة أليفة في حياتهم. وقاعدة راسخة قوامها الاستقبال الجماهيري للمُعطى الثقافي أعدادها تتجاوز مئات الألوف لتصل الملايين. وشبكة إعلام، ترويجيّة ونقديّة وحثيثة في متابعتها، عريقة ومتنوعة وذات نفوذ وتأثير. وقنوات سالكة وواضحة تقوم بتيسير العلاقة بين الكتّاب والناشرين بواسطة ما يُسّمى بـ” الوكيل الأدبي”،... إلخ
فهل نحن في “العالم الثالث”، أو عَلَّه العالم الأخير في الحقيقة، ضمن الشروط العامة السائدة والمتحكمة بالأسواق العربيّة، ناهيك عن طبيعة الوعي لدى الغالبيّة العظمى من الجماهير اللاهثة وراء الأخذ بأسباب البقاء والنجاة في حربها الضروس (فعلاً لا مجازاً) للوصول إلى “العمل المكفول، واللقمة النظيفة، والكِساء الخشن، والتعليم الأولي”. وإدبار المؤسسات الرسميّة عن إصلاح الإعوجاج المعرفي وتدنيه المرعب، إلخ.. أقول: هل نحن، وسط هذا الانحدار العام، نحتاج الآن ـ وأشدد على الآن ـ إلى جُملة الترتيبات الآخذة بإعادة ترتيب وتركيب معرض أبو ظبي ليتحول إلى “شبيه” بمعرض فرانكفورت؟ أم ثمّة خطوات كثيرة، ومؤلمة، وشجاعة، وسياسيّة في قراراتها ثقافيّة استراتيجيّة في رؤاها، هي ما نحتاجها قبل أن نصبح مؤهلين حقاً لأن نقترب من نموذج معرض فرانكفورت؟
هي أسئلةٌ تُضْمِرُ إجاباتها بالتأكيد. لكننا، مع ذلك، يتعذر علينا أن نغيب. فحضورنا إشارةٌ على عِنادٍ يأبى الرضوخ للشروط المهيمنة، وتحيّة محبَّة ووفاء لكل الأفراد الذين تحولوا (رغم عددهم الصغير) ليكونوا مبعثَ تحفيز لنا وصمود، وذلك في إقبالهم السنوي الشغوف على كتبنا.
فلهم التحيّة الطيبة، ولجميع المؤازرين والمساندين للكتاب المختلف الموَلِّد للأسئلة.. وليس ذاك المتعالم والمتعالي.


* مؤسس ومدير دار أزمنة الأردن

اقرأ أيضا