الاتحاد

الملحق الثقافي

من يستخلص حقوقنا من «بطون» الأقراص المدمجة؟

في أروقة الدورات السابقة من معرض أبوظبي الدولي للكتاب كان ثمة حديث إيجابي وصلنا على لسان عدد من الناشرين الذين اعتادوا على حضور هذه التظاهرة والمشاركة بها مع العديد من الناشرين من دول مختلفة.. هذا الحديث كان يصب في خانة هذا الحدث الذي يؤكد كل عام على ريادة العاصمة أبوظبي في اجتذاب المشاريع الثقافية الكبيرة، واجتذاب النخبة من المهتمين بصناعة الكتاب وترويج الفكر الجاد والحر ودمج الجمهور في هذه العملية الشائكة والمعقدة وربطه مع آخر التطورات ومجريات الفكر والمعاصر وما تضخه المطابع في هذا الإطار. وقد أدلى بعض الناشرين بآرائهم حول حقوق المؤلف والملكية الفكرية واهتمام هؤلاء بهذه القضية التي ما زالت قيد البحث على كافة المستويات، خصوصاً وأن هذا الموضوع ما زال بحاجة إلى المزيد من البحث والإجراءات لحماية موضوع حقوق الملكية الفكرية.

لعل هذه القضية تعيدنا إلى استذكار مقولة الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي القديمة المتجددة: “أعز مكان في الَدنا سرج سابح/ وخير جليس في الزمان كتاب” هل هذه المقولة ما زالت محط أنظار أبناء العولمة في الألفية الجديدة، أم أن هناك ما يوحي بغياب كامل لكل مرجعية تقدس الكتاب والكلمة؟ المساجلات الحوارية التي تمت مع عدد من الناشرين العرب والمحليين حول الكتاب التراثي على وجه الخصوص وحول حقوق المؤلف واصطلاح الملكية الفكرية كشفت لنا الكثير من المفردات المتعلقة بهذا الموضوع الخطير بعد أن أكد بعضهم أن بعض جهات النشر الخاصة والمكتبات في الوطن العربي ما زالت تمارس عمليات تزييف طبعات الكتب الرائجة والنادرة أو قل الجماهيرية التي تبدو أنها تحقق مبيعات عالية تبدو واضحة في معارض الكتب، وأن أعمال القرصنة على الإبداع ما زالت تؤشر على ضياع الحقوق حتى عندما تدخل إلى دائرة المحاكم والقضاء.. فما زال كل شيء على حاله.. المزيد من ضياع حقوق المؤلف، وندرة الكتاب التراثي الجيد والمتميز في ذات الوقت.. أما الحاضر الغائب دائماً فهو جمهرة القراء ومحبي اقتناء الكتب.
فما هي القضية وأين قانون حماية الملكية الفكرية العربي من كل ما يجري؟ هنا حصيلة لآراء عدد من الناشرين العرب أدلى بها بعضهم خلال فعاليات الدورة السابقة لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب، ونقلها بعضهم الآخر مباشرة إلى “الاتحاد الثقافي”:

المزورون والمقصرون
محمد علي يوسف سليمان ناشر وصاحب مكتبة القاهرة بمصر والتي تأسست عام 1994، يعزي أسباب غياب الكتاب التراثي إلى العولمة والتقنية الحديثة في طرق حفظ المعلومات، ويضيف: “إلى جانب التقصير من جانب المؤسسات الرسمية فإننا نعاني كثيراً من وجود طبعات مزيفة من الكتب الكبيرة التي نقوم بنشرها، ولا بد من مشروع قومي عربي يحمي الناشرين على غرار الاتفاقيات الأخرى في المجالات الأمنية وغيرها”.
أما سعد عبدالله أبو حاضر من السعودية ويعمل في مجال النشر والكتب والمطبوعات في جامعة الملك سعود (تأسست عام 1997) فيرى أن الكتاب هو كل شيء في هذه الحياة وأن الجفاء سيظل قائماً بينه وبين المرئيات مثل التلفزيون والأقراص الليزرية والمدمجة وغيرها.. ويتابع: “لكنني أرى أن هذه الوسائل الحديثة هي الخطر الأكبر على الكتاب والمؤلف معاً.. فكم من سرقات اكتشفت في بطن هذه الأقراص، ولكن من يعيد لك الحقوق؟ تماماً كما يحدث مع آثارنا الثمينة المهربة في أوروبا وما زالت جاثمة في المتاحف على مرمى ومسامع القانون والمؤسسات الثقافية والمتاحف المعنية في الوطن العربي، فمن يحرك مثل هذه القضية؟”.

طبعات رخيصة
الناشر طارق بهيج عثمان صاحب دار العلم للملايين في لبنان والتي تأسست عام 1975، وأصدرت أكثر من 600 عنوان، يصرخ بأعلى الصوت: “انهم يزوّرون الكتب”. ويقول: “لقد وجدنا في بلدان عربية ولدى ناشرين مجهولين مئات الطبعات من الكتب التي قامت الدار بنشرها مثل: كتاب موسوعة المرأة الطبية، ولاحظنا أن هناك طبعات مزيفة ورخيصة الثمن، وقد قمنا برفع عدة قضايا وملاحقات منذ سنوات دون أن نصل إلى حلول.. أحياناً ننجح في الحصول على مردود من القراصنة ولكن من خلال التفاهمات الشخصية وليس من خلال القوانين الخاصة بحماية حقوق النشر والملكية الفكرية وأقول إذا بقيت الأحوال مثلما هي عليه الآن فستصبح عملية النشر كما هي المافيا في العالم سطوة وقوة واختفاء للإبداع الحقيقي؟”.
مركز ابن العطار الذي تأسس في القاهرة قبل نحو 20 عاماً يفخر صاحبه نادي العطار بأنه قام بتحقيق أكثر من 10 عناوين من أمهات الكتب من بينها “الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر” من تأليف العلامة جعفر البرزنجي. وقال “إن عملنا في المركز يختص في الكتب النادرة والغريبة وكتب التراث التي تعكس صوراً مجيدة من حضارتنا العربية الإسلامية”. وأبدى العطار أسفه لظاهرة القرصنة التي تتعرض لها الكتب الثمينة، وعزا ذلك لأن الكتاب أصبح تجارة وانتفاع، بعكس فترات الإبداع العربي القديمة عندما كان المؤلفون والناشرون لا يبغون من وراء ذلك سوى مرضاة الله وخدمة الأجيال وحركة الإبداع وإبراز صورة الأمة بين الأمم الأخرى.
وطالب العطار بتحرك رسمي عربي على مستوى وزارات الثقافة لإنقاذ كتب التراث من أيدي القراصنة وتجار الكلمة من خلال قوانين ملزمة وملاحقات قضائية حقيقية وليس مجرد توصيات على هامش الندوات الفكرية وتوصيات أخرى مماثلة تصدر هنا وهناك دون فائدة ترجى.

نطبع لدعم فلسطين
سليم حموي المسؤول عن منشورات وزارة الثقافة السورية يعتز بأن ثمن الطباعة والنشر للكتب يذهب دعماً لفلسطين، وقال “هذه هي أهم رسالة يمكن أن تلعبها الكلمة المطبوعة في الظروف الراهنة”.. ويؤكد حموي إنه لا يؤمن بادعاءات الناشرين حول ارتفاع سعر الكتاب الناجم عن ارتفاع أسعار الورق والأحبار والطباعة، ويطالب بطبعات جماهيرية للكتب التراثية والأدبية والسياسية من منطلق دعم القراءة واقتناء الكتاب، لكنه اعترف بوجود أزمة في الكتاب العربي والناجمة عن التقنية الحديثة ووسائل الاتصال السريعة، لكنه يدرك أن هناك مشكلة أكبر تحتاج إلى علاج سريع وتتعلق بضياع حقوق الناشرين والمؤلفين نتيجة تساهل القوانين في البلدان العربية.. “فإذا كنا نحن نتعامل مع تراثنا وحضارتنا بهذه الصورة فكيف سيتعامل معها الذين يحاربوننا بالكلمة والكتاب وكل الوسائل العصرية المتاحة؟”.

ظاهرة السرقة
قاسم السلامات من مكتبة جرير للتوزيع في الإمارات يرى أن الإمارات قد حققت تقدماً ملموساً في مجال الملكية الفكرية من خلال القانون الاتحادي رقم (7) لسنة 2002 في شأن حقوق المؤلف. وإن رصد حالات عدة من إنصاف بعض المؤلفين ورد اعتبارهم يشير إلى تقدم الدولة في هذا الإطار. إن الحكم القضائي الذي أصدرته محكمة أبوظبي خلال شهر مايو من عام 2002 لإعادة حقوق المؤلف الإماراتي المالية والأدبية راشد عبود عن كتابه “حياة الغوص والصيد في دبا الحصن” أمام إحدى الهيئات، وهو أول حكم قضائي ملزم يصدر استناداً إلى تشريعات حماية حقوق المؤلف والمصنفات الفكرية في الدولة، ويؤكد أهمية القانون ودوره في هذه القضية الخطيرة، وهذا ما نحتاج إليه كناشرين نتعرض دائماً لهجمة أنصاف الناشرين والمتسلقين على صناعة ونشر الكتاب. ويضيف: “ما زلت أقول إن عمليات التزوير مستمرة ففي الداخل علمنا بأن إحدى المطابع في إمارة الشارقة قامت بطبع أحد كتبنا بعنوان: “مدخل إلى القراءة العربية” وقمنا برفع قضية ولكن للأسف لم يحدث شيء، وفي الخارج وجدنا العديد من كتبنا مستنسخة في بعض العواصم العربية ومنها بيروت على سبيل المثال ولدى دور نشر تجارية وما نحتاج إليه فعلياً هو تتبع القانون لحالات القرصنة خارج الدولة وبالاهتمام نفسه الذي نجده في داخلها. نريد مساعدة حقيقية تعيد لنا حقوقنا التي أهدرت، ونريد حماية قانونية ملزمة حتى نعمل تحت الضوء. فإذا غضضنا النظر عمن يسرقون تراثنا وفكرنا اليوم، فما نحن فاعلون غداً، حينما يسرقون عقول شبابنا بثقافة مزيفة باطلة؟

الهوية القومية
ومن الأردن تحدث واحد من أكبر وأهم ناشريها فهيم محمد مجدلاوي صاحب “دار المستقبل للنشر والتوزيع” في العاصمة الأردنية عمّان، والمتخصصة إلى حد ما بنشر الكتب التراثية والموسوعات ومنها موسوعة غزوات الرسول، وقد عزا سر أزمة الكتاب إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية للأسرة العربية مما يقف حائلاً دون اقتناء الكتاب بصورة مرضية، كما يؤكد بأن هناك ناشرين قراصنة يستغلون المؤلف وحقوقه. كما تحدث عن تزوير الكتب وقال إنه نوعان: هناك مزورون يأخذون الكتاب الأصلي كما هو ثم يقومون بعملية تقليده دون موافقة المؤلف أو دار النشر وهذا هو السطو بعينه. أما النوع الثاني من التزوير فيقوم أحدهم بسرقة فكرة الكتاب ثم يقوم بصياغته في كتاب آخر، وهذا هو أخف أنواع التزوير كما يعرف بين الناشرين.. ومع ذلك فأقول إن تزوير الكتب هي قضية خطيرة لا تتوقف عند سرقة حقوق المؤلف والمطبوعة بل تتعدى ذلك إلى تشويه المعلومات لإرضاء جهات خارجية وهو ما يمكن تسميته بمحاولة المساس بالفكر القومي والثقافة والحضارة والهوية الوطنية ولا بد من تفعيل قوانين الملكية الفكرية وحقوق المؤلف للدفاع عن الكتاب كما ندافع عن الأرض والعرض.

الكتاب الإلكتروني
أما حسن قائد دميهان القاضي وكيل الهيئة العامة للكتاب بصنعاء حيث الاهتمام بنشر كتب التراث من مثل “معجم القبائل اليمنية” و”اليمن في تاريخ ابن خلدون”، فيرى أن الكتاب إلى جانب غياب قانون الملكية وحقوق المؤلف فهو يعاني من عزوف شبابي عن اقتنائه بسبب طغيان وسائل العولمة ومنها الإنترنت وتوافر الكتاب الإلكتروني، وعدم اهتمام الجامعات بزرع ثقافة الكتاب في نفوس الجامعيين. إلى ذلك فالقاضي يرى أن هناك هجمة خارجية على الكتاب العربي والمؤلف والإبداع على وجه العموم وهو ما يبدو في المحافل الدولية ومؤسسات الجوائز الأدبية حيث يستثنى المبدع العربي من الاهتمام والتكريم إلا في حالات نادرة تلعب فيها السياسة دوراً كبيراً، ويقول: “أرى أننا نحن المقصرون في حق أنفسنا وتاريخنا ومبدعينا ولك أن ترى ما تفعله الرقابة أيضاً من منع ومصادرة فكر ومطبوعات وهو ما يوقع الكتاب والمبدع في إشكاليات لا تقل أهمية عن غياب حقوق المؤلف.. وأظن أن هناك ضرورة لتنسيق عربي رفيع المستوى لإنقاذ الكتاب من السارقين المحترفين الذين يعيشون على إبداع الآخرين وفي وضح النهار”.

ظروف نفسية
الناشران خالد شلبي ووائل محمد موسى صاحبا دار الكتب العلمية بلبنان يؤكدان على أن مصيبة الكتاب (عويصة) فالظروف النفسية للقارئ العربي لا تسمح له حتى بالقراءة، إلى جانب أزمات أخرى تتعلق بالاقتصاد وسرقة الكتب وتزويرها لا سيما كتب التاريخ والعلوم الإنسانية والحضارية وهو ما يعمل بلا شك على تزوير الحقائق والوقائع أيضاً.

الجمارك والكتاب
المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت يصدر للقارئ العربي وبأثمان زهيدة العديد من المطبوعات والكتب أهمها: “عالم المعرفة” و”مجلة الفنون” و”عالم الفكر” وسلسلة إبداعات عالمية والسلسلة التراثية التي صدر عنها مئات الكتب المحققة من بينها معجم “تاج العروس” و”أزمنة التاريخ الإسلامي”. عبد الله المطيري المسؤول عن النشر في المجلس، يرى أن الكتاب على المستوى العربي يتعرض للكثير من الضغوطات والروتين حتى يصل إلى أيدي القراء في بلد آخر غير بلد نشره، ومن هذه الضغوطات مشكلة الجمارك، التي تعمل من خلال رسوم التعرفة الجمركية على رفع سعر الكتاب الذي حين يصل إلى القارئ في بلد آخر وقد ارتفع ثمنه مما يؤدي إلى العزوف عن شرائه، إلى جانب قيود الرقابة، وظهور طبعات رخيصة مزورة، وهنا نطالب بضرورة اعتبار الكتاب قيمة إنسانية قبل أن يكون سلعة تشترى وتباع، كما أنه على وزارات الثقافة التدخل لتخفيض أسعار الكتب والمطبوعات وحماية القارئ والكتاب ومن ثم حماية المؤلف وتقدير دوره في بناء ثقافة الأمة والمجتمع.
وأخيراً الناشر عبد السلام فهمي مدير المكتبة الأزهرية للتراث بمصر، يعتز بأنه أصدر للمكتبة العربية أكثر من 600 عنوان من أهم كتب التراث والتاريخ والطب والفلك وعلوم العرب ومنها “تفسير المنار” للأمام محمد عبده وجاء في نحو 6 مجلدات. في هذا السياق قال: إن للكتاب التراثي مشاكل كثيرة منها: صعوبة الحصول على المخطوطات النادرة ومعظمها سرق ولا يزال محفوظاً في المتاحف والمكتبات الأجنبية ولا أحد يطالب به. أما ظاهرة تزوير وسرقة الكتب فقد أصبحت بالنسبة لنا ظاهرة عادية، فقد تقوم بتحقيق كتاب وتوليه كل عنايتك واهتمامك، ثم تصحو في الغد لتجد كتابك نفسه في طبعة أخرى رخيصة الثمن، وقد يتعالى فيها سارقوها حتى عن ذكر المصدر الأصلي للكتاب، وأقولها صراحة أن قوانين الملكية الفكرية مثل الشجب والاستنكار والإدانة التي تتردد على مسامعنا في الإعلام منذ زمن طويل، أي بمعنى آخر ليست لها الفاعلية المطلوبة ولو وجدت القوانين التي تعاقب من يسطو على الجهد الإنساني مثل الذي يسرق بعض الأموال أو يختلس من المؤسسة التي يعمل بها لتراجعت هذه الظاهرة كثيراً، وبالمختصر أقول إن قضية التزوير ما زالت بلا حل، ونطالب بقوانين رادعة لمن يقدمون للجمهور والشارع الثقافي العربي جهداً مزوراً ويخلَ بقوانين حماية الملكية الفكرية.
في النهاية، إن القضية المطروحة ونحن الآن في سياق دورة جديدة من معرض الكتاب هي قضية حيوية وتحتاج إلى وقفة ودراسة حتى نؤدي رسالتنا في حماية الجمهور وحماية الفكر الجميل ووضع الكتاب في مكانه الصحيح وحتى نسهم في تحقيق تطوير متواصل لهذه التظاهرة العربية الرائعة التي تحتضنها الإمارات كتقليد سنوي يجعل من العاصمة أبوظبي عاصمة ريادية وثقافية قادرة على حماية الكتاب وتقديمه بجوده عالية ضمن أطر حقيقية ومشروعة تجتذب نجوم الفكر والثقافة العربية من كتاب وناشرين وشعراء ومثقفين وإعلاميين يقدمون لنا كل عام تظاهرة ثقافية عالمية وليس مجرد سوق لبيع الكتب كما يتصور البعض.

اقرأ أيضا