الاتحاد

الملحق الثقافي

مكتبات خاصة تنشأ من أحضان معرض أبوظبي للكتاب ل

أزال أذكر معلما هاما من معالم مدينة أبوظبي عندما وصلت إليها في الأول من يناير 1971، كان ذلك المعلم هو القصر الأميري القديم والذي لم يكن يفصله عن البحر إلا مسافة قصيرة يقع فيها شارع الكورنيش الجديد. كان البناء القديم عبارة عن قلعة مرتفعة الأسوار وفيها أبراج للحراسة.
استخدم ذلك القصر ومنذ البداية استخداما ثقافيا، ففيه كانت تتجمع الوثائق والمخطوطات والكتب ولذلك لم أستغرب أن يتحول ذلك القصر فيما بعد إلى بناء حديث، بدأ بسيطا في البداية ثم تطور إلى صرح معماري كبير أطلق عليه اسم المجمع الثقافي.

رغم أن ما أسجله من ذكريات ليس بحثا تاريخيا فهذه مهمة قام ويقوم بها متخصصون ومتخصصات في هذا المجال إلا أن التذكر وتسجيل الذكريات قد يساعد في فهم الأحداث التي يسجلها المؤرخون.
كانت صلتنا بذلك الصرح الجديد (المجمع الثقافي) قوية وفعالة منذ افتتاح ذلك المجمع. فالمجمع الثقافي الذي حرص المغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن يدعمه شخصيا؛ كان مستقلا عن وزارات الدولة، ورغم أنه كان مؤسسة حكومية عامة وليس مؤسسة خاصة إلا أن استقلاليته كانت واضحة وملموسة.
أهم ما كان في المجمع الثقافي منذ بداية نشاطه المكتبة العامة، فلا ثقافة بدون كتاب، والمكتبة العامة مطلوبة في جميع دول العالم، حيث تقوم المكتبة بتوفير الفرصة والجو المناسب لجميع من يريد القراءة أو الدراسة والبحث.
وقد اهتم المسؤولون عن المجمع منذ بداية تأسيسه بإنشاء مكتبة تضم أهم العناوين المرجعية في مختلف المجالات المعرفية والأدبية والفكرية.
وبحكم دراستي لعلم الوثائق والمكتبات حيث حصلت على شهادتي الجامعية في هذا العلم من كلية الآداب جامعة القاهرة، فقد راقبت بسعادة نمو وتطور مكتبة المجمع الثقافي.
أهم الأحداث التي مرت بذلك المجمع كان في عام 1981، حيث تم في ذلك العام إقامة المعرض الأول للكتاب في أبوظبي وقد سمي ذلك المعرض (معرض الكتاب الإسلامي). كان الحدث تتويجا للجهود المبذولة من القيادة والمؤسسات التي لها صلة بنشر الثقافة وتوفير مصادر المعلومات حيث كان الكتاب أو الكلمة المطبوعة يشكل المصدر الأول والأهم. ولم تكن ثورة المعلومات المتمثلة في الأنترنت قد وصلت إلينا، ولا وصلت إلى ما وصلت إليه في بداية هذا القرن.
حرص الشيخ زايد وولي عهده في ذلك العام الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان على رعاية الحدث وافتتاح المعرض والاطلاع على ما يضمه من إنتاج فكري وعلمي وأدبي.
توافد المقيمون في الإمارات إلى ذلك المعرض وعلى مدى الأيام القليلة التي استغرقها بأعداد لم يسبق لها مثيل.
كان المعرض بمثابة عرس كبير حرص على حضوره جميع من كان يشعر بالانتماء إلى الثقافة ويظمأ إلى الارتواء من ينابيعها.
وقد راحت جميع مدارس الدولة توجه طلابها وطالباتها إلى حضور المعرض وشراء الكتب التي كانت معروضة فيه خاصة أنه كان هناك تخفيض هام على أسعار الكتب المعروضة.
المكتبة الأولى التي قمت بتأسيسها في قصر معالي الدكتور مانع كانت من ذلك المعرض، وبميزانية لم تزد عن خمسين ألف درهم، تمكنت من تزويد مكتبة معاليه بأهم المراجع الأدبية وبجميع الدواوين الشعرية التي كانت معروضة في ذلك المعرض.
ولقد اكتشفت وأنا أمارس عملية الاختيار والشراء أن كثيرين غيري يقومون بالعمل نفسه، أي أنهم يشترون الكتب التي يمكنهم من خلالها تأسيس مكتبات خاصة لهم أو لمن يشترون الكتب لهم.
ولقد كان المعرض بالفعل غنيا بكتب التراث وكتب الفقه والسيرة النبوية وكتب عن الطب النبوي وكتب في الشعر والقصة القصيرة والرواية.
أذكر أنني حصلت من ذلك المعرض على دواوين مجلدة لشعراء من العصر الجاهلي مثل امرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى وشعراء من العصر الأموي والعصر العباسي والعصر الحديث. بالإضافة إلى المجموعات الكاملة لشعراء مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وشعراء المهجر مثل إيليا أبو ماضي والأخطل الصغير والشاعر القروي وجبران خليل جبران وغيرهم.
أما التراث الأندلسي فقد استطعت أن أحصل على عدد كبير من العناوين التي تتناول تاريخ الأندلس ونتاج أهم شعرائها ومؤرخيها وكتابها المعروفين.
وأستطيع القول إن ما استطعت شراءه من ذلك المعرض الأول جعل الدكتور مانع يخصص قاعة كبيرة ويجهزها بالأرفف لتكون المكتبة الرئيسية التي يقضي في رحابها الساعات الطوال في المطالعة والكتابة.
ولا أستطيع إلا أن أشعر بالفخر وأنا أراه يدعو ضيوفه الهامين إلى تلك المكتبة الجميلة والحافلة بالكتب والصور لأنها كانت ثمرة الجهود التي قمت بها منذ حضوري المعرض الأول للكتاب عام 1981 المسمى معرض الكتاب الإسلامي.
صحيح أن مبلغ خمسين ألف درهم يعتبر مبلغا بسيطا أمام مكتبة تضم أمهات الكتب ولكن في ذلك الزمن كان المبلغ يعتبر هاما، أضف إلى ذلك أن التخفيض الذي حصلت عليه من الناشرين والذي كان يصل إلى أكثر من خمسين بالمائة من السعر المعلن كان مساعدا في شراء عدد أكبر من الكتب.
من الذكريات التي ما زالت محفورة في قلبي، هي التقائي بشاب من العاملين مع الدكتور مانع هو الأخ علي الخميري في معرض الكتاب الأول، وكان يحمل حقيبة ملأى بالكتب التي اشتراها، ولم أكن أتخيل أن يهتم علي بالكتب أو حتى بالمطالعة، وعندما اطلعت على ما اشتراه، وجدت أنه يركز على الكتب التي تهتم بالخيول العربية الأصيلة ولكنه قام بشراء بعض الكتب الأدبية.
قال لي يومها: الحمد لله أنني وجدتك.
قلت: خيرا إن شاء الله.
قال: أريدك أن تساعدني في اختيار الكتب التي تصلح لتأسيس مكتبة.
قلت: حتى أنت يا علي تريد تأسيس مكتبة.
قال: أحب القراءة كثيرا، وهذه فرصة للتزود بالكتب التي يمكن في المستقبل أن يقرأها الأولاد.
الآن وبعد مرور حوالي ثلاثين سنة، فإن مكتبة الأخ علي الخميري من المكتبات الخاصة الجديرة بالتقدير.
كذلك ما زلت أذكر أنني عندما رجعت إلى البيت في اليوم الأول من المعرض، فاجأني الأولاد أنهم ذهبوا مع والدتهم إلى المعرض واختاروا بعض الكتب التي بدأوا على الفور في الاطلاع على ما فيها، وأعتقد أن ذلك المعرض ساهم إلى حد كبير في جعل المطالعة لدى أولادي عادة أو هواية.
أما مدارس أبوظبي فما زلت أذكر أنني كنت عضوا في مجلس آباء مدرستين، إحداهما مدرسة زايد الثاني والثانية هي مدرسة الراهبات الوردية وقد قمنا بالتوصية في المجلسين أن تكون هناك زيارات منظمة وبرعاية المدرسين والمدرسات للمعرض الأول للكتاب بحيث تتم الاستفادة من هذا الحدث بأقصى ما يمكن من الاستفادة.
وبالفعل كنت سعيدا جدا برؤيتي للطلبة والطالبات وبإرشاد المدرسين يتجولون في المعرض ويختارون بأنفسهم الكتب التي يقررون قراءتها.
كان الحدث هاما، وكان التفاعل معه غير مسبوق ومن أجمل الذكريات التي حفرت تفاصيلها في القلب والذاكرة هو قيام المغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد رحمه الله بشراء جميع الكتب التي عرضت في ذلك المعرض الأول وتوزيعها على المدارس ومؤسسات الدولة.
بعد خمس سنوات أقيم المعرض الدولي للكتاب وأطلق على ذلك المعرض اسم المعرض الأول للكتاب في أبوظبي وذلك في عام 1986، وبمشاركة سبعين من دور النشر، وكان أيضا معرضا هاما تمكنت فيه من استكمال مجموعات الكتب التي كانت مكتبة معالي الدكتور مانع العتيبة تحتاجها. بعد سنتين أقيم المعرض الثاني للكتاب أي في عام 1988.
وبسبب الظروف التي مرت بها منطقة الخليج وحرب الخليج الثانية توقف نشاط معرض الكتاب ليستأنف في عام 1993، ومنذ ذلك العام أصبح المعرض يقام سنويا في رحاب المجمع الثقافي إلى أن تم نقله قبل سنوات قليلة إلى مركز المعارض الدولي بالقرب من مطار أبوظبي القديم.

اقرأ أيضا