الاتحاد

الملحق الثقافي

طروحات لإنقاذ التراكم المعرفي

الأطروحات القوية التي شهدها مؤتمر الناشرين الدولي في أبوظبي المستندة إلى لغة الأرقام والمصحوبة بثقة عالية بالحق الإنساني في الحصول على المعرفة الذي يعادل الحق في الحصول على التعليم والغذاء وسائر حقوق الإنسان الأخرى، كلها جميعاً قد كشفت أن عالم صناعة النشر، في تلك الندوة التي حملت عنوان: “التوازن والإنصاف: دور ومستقبل استثناءات حقوق النشر” وأدارها كارلو سكولو المستشار القانوني للنشر العلمي والتقني والطبي، لا يمكن اختصارها بالناشر أو المؤلف أو القارئ بل هي تيارات واسعة، تحمل البعض منها ثقافة تجمع الصرامة في اتخاذ القرار إلى جوار الدهاء السياسي في النظر إلى المصلحة الخاصة، ولا تغيب الجغرافيات بثقلها السياسي والتاريخي، بل ربما ولا حتى ماضيها، سواء القريب منه أو البعيد. فلم يكن الأمر في الندوة مناقشة حقوق التأليف فحسب، بل حضرت الدول أيضاً وإلى جوارها مؤسسات المجتمع المدني التي يبدو أن مشوارها ما زال طويلاً. كل ذلك حوّل الجلسة إلى منبر حقيقي بالفعل.
تحدثت أولاً في تلك الندوة، التي اختتمت فعاليات اليوم الأول من المؤتمر، رئيسة اتحاد المكتبات الدولي (IFLA) من جنوب أفريقيا، إلين تايز، وكم بدت المرأة أنيقة وصلبة من طراز مثقف، يذكّر بأولئك المثقفين السود الكلاسيكيين العنيدين الذين لا يعرفون اليأس، وهي تعلن أنها هنا في هذا المؤتمر تمثل اتحادها وأن (IFLA) صوت عالمي ودولي يضم 1600 مؤسسة ومنظمة وعهد ومركز بحث من 152 دولة في العالم.
وقالت: “إن طرح أمر الحفاظ على حقوق المؤلف يستدعي بدوره طرح الحفاظ على حقوق المكتبات، فالمكتبة تاريخياً هي المكان الذي تراكمت فيه المعرفة بتطوراتها المختلفة في مراحل عديدة من التاريخ الإنساني” موضحة أن دعم قانون حماية الملكية عبر التاريخ كان يهدف إلى تطوير المعرفة وتسهيل حصول المستهلك عليها، وهو الأمر الذي كانت تنهل منه المكتبات.
وقالت أيضاً: “يمكن للمكتبات أن تسهم في إحداث توازن بين حقوق أطراف العملية الإبداعية وتشجع على استمرار هذه العملية بما يغني الحضارة والثقافة الإنسانيتين وتحديداً في العالم الرقمي المتطور الذي نحيا فيه حيث تبرز ضرورة الحفاظ على مجتمع معلوماتي عالمي”.
وأكدت: “الثقافة، بما هي تحصيل للمعرفة حق إنساني، وفي مجتمع المعلوماتية يحتاج الناس من كافة الفئات الاجتماعية إلى الديمقراطية بالفعل بحيث يسهل أمامهم الوصول إلى المعلومة بما يحفظ حقوق جميع الأطراف، الأمر الذي ينبغي علينا العمل معاً من أجله ومع المنظمات الدولية المعنية وتلك التي تسهر على تنفيذ قوانين خاصة بحماية الملكية الفكرية في بلادها حيث يجري تطبيق هذه القوانين بشكل متفاوت للأسف”.
وفي صدد ما يعرف بالاستثناءات من حقوق حماية الملكية الفكرية قالت إلين تايز: “الاستثناءات تعني، بالنسبة لها، بذل جهود من أجل توفير المعلومة بما يضمن وصولها إلى جميع أفراد المجتمع وبما يحفظ حق المؤلف والمكتبة في توفير الاستثناءات لها أسوة بالأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة وتوفير المعلومات لها بما يخدم أغراض البحث المعرفي بحيث تقوم بعملها دون مخالفة للقوانين. إننا نطالب بأن يكون حق المؤلف هو: حياة المؤلف يضاف إليها خمسون سنة وليس سبعون، ونعتقد بقوة أنه دون استثناءات لحق المؤلف فإن هذا يمثل احتكاراً من قبل المؤلفين الأمر الذي يهدد عمل المكتبات”.
وختمت بالقول: “بهدف توفير المعلومة ينبغي العمل على خلق نماذج عمل جديدة، ذلك أن النموذج الحالي نموذج قاصر ونحتاج، جميعاً، إلى نموذج عمل فعّال وواقعي ويحقق التوازن”.
ثم كانت المتحدثة التالية كاترين بلاشي، مستشار السياسة الدولية في اتحاد الناشرين الفرنسيين، فأشارت بداية إلى أنها تعتمد في أطروحتها “على التجربة الفرنسية والجدل الأوروبي حول الاستثناءات، ببساطة، لأننا نريد الحفاظ على استثماراتنا وحماية مصالحنا”. فأكدت في ضوء ذلك “أنه ينبغي على الاستثناءات أن تكون مرتبطة باستثناءات بعينها وسوى ذلك لا نستطيع، وقد أقر هذا الأمر بتوجيهات صدرت عن الاتحاد الأوروبي عام 2001 بهدف الحفاظ على التنوع الثقافي في المجتمعات الأوروبية”.
فتعرضت أولاً لقانون الطبع وعلاقته بدور المكتبات في حال نفاد الكتاب، فقالت إن بسبب الاستثناءات فإن هناك 7 بالمئة من الكتب موجودة في الإنترنت.
وبالاعتماد على احترام فرنسا لحقوق النشر تمكنت المكتبات من عرض محتويات 22 ألف كتاب على شبكة الإنترنت، وقالت: “نتيجة الحضور الفاعل للقوانين الفرنسية في مجال النشر، أوصت لجنة بتخزين المعلومات بطريقة رقمية تقوم بتحديدها المكتبات، ولذلك أنشأنا لجنة على مستوى قومي لإدارة المعلوماتية رقمياً، ومن الممكن تحديثها باستمرار، وأصل الفكرة هنا أن وجود هذه الكتب يمكن أن يؤدي إلى علاقة مختلفة بين الكتاب والمكتبات وبما يساعد الباحثين على البحث”.
ووصفت الاستثناءات بأنها “تؤدي إلى التنافسية التي تحبط الناشرين، فهي ليست هدفاً ولن تحل محل السياسات العامة لكنها تساعد في أن تجعل جودة المحتويات أعلى حيث يمكن هنا الاعتماد على سياسات حكومية تخلق هذا التوازن موضوع الحديث، وفي فرنسا هناك الكثير من الخطوات في هذا الاتجاه وحققت نجاحاً”.
هنا تخل مدير الجلسة فأشار إلى وجهتي نظر طرحتا حتى الآن حيث تريد (IFLA) وآخرون تعزيز الاستثناءات فيما ترى كاترين بأننا نعتمد على ثقافة محددة بهذا الصدد والاستثناءات جيدة في حال فشلت السوق.
وإلى المتحدث الأخير في الجلسة وهو الرجل الضرير كريستوفر فرند، رئيس الحملة العالمية لحق القراءة التابعة للاتحاد العالمي للمكفوفين WIPO الذي ألقى خطاباً إنسانياً شفافاً اتسم بالتماسك ووضوح الفكرة إلى جوار نبلها وفرادتها، ربما. قال إن ما يتم إنتاجه للمكفوفين، بهذه الطريقة أو تلك، من المعارف لا يتجاوز 1 بالمئة، إن الوصول إلى المعلومة سياسة استراتيجية بالنسبة لنا، ونحن نحاول أن نساهم في حل مشكلة الكتاب، لكنني شخصياً أشعر بالإحباط والقلق، ثم توجه بخطابه إلى الناشرين بالقول أنتم الذين تمنعون عنا الكتب نحن بحاجة للقراءة وأنتم لا تنتجون لنا الكتب، فهل نحن غير مفيدين إلى هذا الحد بالنسبة لكم؟ إننا لا نطلب شفقتكم بل سوف ندفع ثمن الكتب لأصحابها، وإمكانية إيجاد كتاب لنا بيدكم، فأنتم عليكم أن تنتجوا البدائل لنا.
وأضاف: “إننا نشجع الاستثناءات لكن ثمة مَنْ لا يريد إحداث أي تغيير في اتفاقية حقوق الملكية الفكرية، إننا لا نسيء للمؤلف ولا لصناعة النشر عندما نطالب بهذا التغيير بل ينبغي إحداث توازن بين حقوق الناشر وحقوقنا بوصفنا مستهلكين وما نطالب به ليس تغييراً جذرياً ولن يضر بأحد”.
وقال أيضاً: “ليست حقوق المؤلف هي الأمر الأكثر إلحاحاً بل هناك أمور تجدر مناقشتها وعلينا أن نجد حلاً لها بوصفها حقوقاً لآخرين ينبغي النظر إليها”.
وختم بالقول: “هل تدرون أن 90 بالمئة من كتب المكفوفين قد تمّ تمويلها ونشرها من مجتمع المكفوفين، أتدرون أن قانون الملكية الفكرية يمنع علينا ذلك؟”

نجاحات تجارية
وكانت هذه الندوة مسبوقة بندوة أخرى حملت عنوان: “نماذج نشر جديدة في عصر الإنترنت”، ورأسها بيتر غيفلر رئيس الاتحاد الدولي للناشرين الأكاديميين ورئيس لجنة حقوق النشر في في الاتحاد الدولي للناشرين، وشارك فيها براين وافاواروا الرئيس التنفيذي لمؤسسة ناشري جنوب أفريقيا وديفيد هول مدير قسم تسويق العلامات التجارية في مجموعة نيتشر وديفيد هول وستيفان هارناد رئيس قسم العلم الإدراكي بكندا للبحوث وأحمد هنداوي ميدر عام مؤسسة هنداوي للنشر.
والفكرة الأساسية التي دارت حولها هي الإمكانات المذهلة والديناميكية التي أسهمت فيها تقنية الإنترنت على توسيع قطاع النشر، صناعة وتأليفاً وتوزيعاً، على نحو من غير الممكن تخيله أحياناً لولا الذين يقومون بذلك هم أنفسهم أمامنا ويحدثون عن تجاربهم بالفعل.
أما الفكرة الموازية فإن ما قيل عن المشروعات يشير إلى الاتساع المتنامي والمتسارع لقطاعات مجتمع المعرفة في مناطق متفرقة من العالم لكنه تنام لا يخص مجتمعات المعرفة في دول العالم الثالث بما فيها الدول العربية باستثناءات نادرة.
وأشير أيضاً إلى الاستخدام المجاني وكذلك الاستخدام مدفوع الأجر ضمن فئتين إحداهما تسمى بالتواصل الذهبي والأخرى بالتواصل الأخضر، وذلك في صدد النقاش حول مواقع الإنترنت الخاصة بالناشرين حيث هناك 25 ألف موقع إلكتروني يمكن التواصل معها والحصول على 30 بالمئة من المعلومات مجاناً ولعل هذا ما يسمى بالتواصل الأخضر أما الحصول على المعلومات كاملة فسوف يكون مدفوعاً لقاء أجر من الأفراد والمؤسسات في أي مكان بالعالم.
إنما يمكن القول إن الجلسة قد شهدت نقاشاً، ينطوي على أمر تقني معرفياً ويصل بنقل المعلومة، لكنها في الأساس جلسة ضمت عدداً من رجال أعمال تميزوا في هذا الحقل في عالم صناعة النشر وأخبروا الحضور بقصص نجاحاتهم في العالم.
أما الجلسة الافتتاحية التي أعقبت حفل الافتتاح فقد حملت عنوان: “حقوق الملكية الفكرية في الشريعة الإسلامية والفكر القانوني المعاصر” وتحدث فيها أمين عام مجلس القضاء المستشار في محكمة النقض عبد العزيز يعكوبي وأدارها الدكتور أحمد الموسى كبير الباحثين في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية.
ورأى يعكوبي، في جانب من مداخلته، أنه لا يجوز احتكار المعرفة أو تعطيلها لصالح طرف دون آخر مستشهداً بنص الحديث النبوي الشريف: “مَنْ سُئِل عن معرفة وكتمها، لُجم بلجام من نار يوم القيامة”، لكن في عالم اليوم فإن تحصيل المعرفة لا يرتقي إلى مقام حقوق الملكية الفكرية أياً كان نوعها هي الحقوق التي تقرها الشريعة الإسلامية.
في هذا السياق، تحدث يعكوبي عن العديد من الاتفاقيات الدولية التي أقرت خلال السنوات العشر الأخيرة والمتعلقة بحماية الملكية الفكرية، مشيراً إلى أن ما ينبغي التركيز عليه هو أمر تيسير نقل الملكية الفكرية إلى دول العالم الثالث بحيث يصبح الجدل حول حق هذه الدول في الحصول على المعرفة وليس فقط حماية الملكية الفكرية من السطو عليها من قبل فئات لها مصالح بهذا السطو.
وشدد يعكوبي على أن ما تنتجه مراكز البحث والشركات والأفراد والمبدعين هو حق لهم بالتأكيد لكن بحيث يتسنى للقادرين على تلقي منتجاتهم من الاستفادة منها، وهذا أمر تمّ إقراره من قبل أرفع هيئة فقهية في العالم العربي والإسلامي وهي الهيئة المعروفة باسم مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي وتطبق قراراته جميع الدول العربية والإسلامية.

اقرأ أيضا