الاتحاد

دنيا

«التلفزيون» أسرع طريق للطلاق

أصبح التلفزيون شريكا أسياسياً في الحياة يصعب الاستغناء عنه، وبمرور الوقت تغيرت عادات المشاهدة حيث اختفى تجمع العائلة وأصبح هناك أكثر من جهاز في كل بيت يشاهد كل فرد ما يعجبه، وفقد جليس المساء ميزته الاجتماعية وتحول كغيره من المخترعات إلى أداة مدمرة. ورغم جهود الإعلاميين يواجه التلفزيون اتهامات قاسية ليس أقلها أنه وراء انتشار العديد من العادات السيئة.
انتشار العنف
الدراسات الاجتماعية ترى أن التلفزيون وراء انتشار العنف واكتساب عادات مرفوضة خاصة بين المراهقين. وكشفت دراسة حديثة أجرتها الدكتورة عزة كريم -الخبيرة بالمركز القومي المصري للبحوث الاجتماعية والجنائية - عن قائمة الاتهامات الموجهة للتلفزيون ومنها أنه أحد أسباب الخلافات الزوجية وارتفاع معدلات الطلاق وانتشار الزواج العرفي. وخصت الدراسة المسلسلات والأغاني المصورة بالعديد من التأثيرات السلبية وترسيخ المشاعر السيئة في العلاقة بين الزوجين.
وأكدت الدراسة أهمية استضافة المتخصصين في برامج “التوك شو” المنتشرة عبر الفضائيات لتوضيح الحقائق العلمية والفرق بين الواقع وخيال الكتاب والمبدعين الذين يلجأون أحيانا إلى المبالغات بقصد خلق صور كوميدية أو درامية صارخة تحقق الجذب الجماهيري قبل أي شيء آخر.
ارتفاع معدلات الطلاق
وعن الدوافع لإجراء هذه الدراسة تقول الدكتورة عزة كريم إن هناك تغيراً ملحوظاً في السلوكيات الاجتماعية في مختلف الأعمار، وتم رصد بعض تلك السلوكيات من خلال استطلاعات علمية، وكان أحد المتغيرات ارتفاع معدلات الطلاق خاصة بين حديثي الزواج وإقبال عدد غير قليل منهم على الزواج الثاني في محاولة للوصول إلى تلك الحالة من السعادة والهناء التي يستمتع بها “الحاج متولي” وأمثاله من أبطال الدراما الاجتماعية. والإحصاءات تشير إلى أن نسبة الطلاق في مصر زادت 20 في المئة خلال السنوات العشر الأخيرة، كما زاد الإقبال على الزواج الثاني والزواج العرفي.
وأوضحت د. عزة أن التلفزيون لم يعد مجرد أداة ترفيهية بل تحول إلى شريك في حياتنا ومنه نتعرف إلى ما يجري في العالم من أخبار ونستقي منه معظم معلوماتنا، ومن خلاله نتواصل ونشارك بالتعبير عن الرأي في العديد من القضايا، ولكن عندما نتعرض للدراما نصبح متلقين ونتأثر بالصورة التي نرى عليها النجوم والنتائج التي يصلون إليها بسبب اختياراتهم ودون أن نشعر ينعكس ذلك على حياتنا وسلوكنا وعلاقتنا بالآخرين.
“الحاج متولي”
وحول التفاوت في التأثر بالدراما وفقاً للمستوى العلمي والثقافي تقول: بالتأكيد هناك تفاوت ولكن الكل يتأثر والمدهش أن الشباب المتعلم يتعايش مع بعض النماذج ويعجب بها، خاصة أن الذي يجسدها نجم محبوب أو فنان خفيف الظل مثل مسلسلات “الحاج متولي” و”العطار والسبع بنات” و”ابن الاردنلي” كما تتأثر بعض النساء بصورة النجمة الجميلة التي لا يجرؤ زوجها على الاعتراض على أي طلب لها وهنا يجب تأمل تلك النماذج التي نراها على الشاشة كما في مسلسل “إنها حقا عائلة مجنونة” حيث الزوجة المسيطرة والزوج المستسلم الروحاني، أو الصراع والتعدي بين الزوجين كما في مسلسل “العمدة هانم”.
وتشير د. عزة كريم إلى أن الدراسة سجلت أشكالًا جديدة من الدراما سواء مسلسلات أو أفلام تعرضها الفضائيات تعزز القيم السلبية وتظهر الزوجة الأولى وكأنها توافق زواج زوجها بأخرى وعلى أكثر تقدير تنسحب في هدوء، وهذا عكس ما يحدث في الواقع ومثل هذه النماذج تجعل الزوجة تشعر بالقلق والخوف على حياتها واستقرار أسرتها وتكرار عرض تلك النماذج يسبب الشكوك ويؤدي إلى الكثير من الخلافات الزوجية.
كارثة العصر
وترى الدكتورة عزة كريم أن الشباب في مصر مثلاً يعاني التوتر والضغوط والحرمان من كثير من مباهج الحياة، والزوجة المصرية مثيرة للمشاكل لأن أعباءها كثيرة ولا تسمح لها الظروف المعيشية بأن تكون دائما في مظهر لائق ولا أن تحتفظ بقوام ممشوقة وكارثة العصر هي الكليبات الغنائية التي تقدم نماذج لموديلز يتم اختيارهن بعناية وعلى أعلى مستوى من الجمال.
وقد كشفت الدراسة عن أن الازواج يقارنون الموديلز بزوجاتهم وأن الزوجة تشعر بالغيرة والإحباط وتتفجر المشاكل ما بين الكلبيات المثيرة والأفلام التي تخاطب الغرائز وتعتمد على مشاهد العري ولا يمكن إنكار عوامل أخرى تداخلت مع تأثير الفضائيات، لكن يمكن معرفة حجم الضرر المباشر من خلال حالة زوجة تضمنتها الدراسة حرمت على زوجها مشاهدة قنوات الأغاني المصورة.
توصيات
وعن أهم التوصيات التي خلصت إليها الدراسة تقول د. عزة إن الدراسة حذرت من الانسياق وراء النماذج المعروضة في الدراما الحديثة، وربطت بين اختلاف القيم في المجتمع والمضامين التي تعرض عبر الفضائيات، خاصة وأنه لم يعد ممكنا السيطرة والمنع حتى الأطفال يتعرضون لكل تلك السلبيات وهناك دور أساسي لمسؤولي الفضائيات وآخر أهم للمنتجين والمخرجين الذين نناشدهم أن يرحموا الأبناء، وإذا كانت الفضائيات معذورة في عرض تلك الأعمال الفنية لأنها تريد جذب المعلنين والمشاهدين فإن هناك برامج يومية تستضيف ممثلين ومخرجين يتحدثون بكل فخر عن هذه الأعمال وعندما نقارن بينها وبين الأعمال التي كانت تقدم قبل سنوات نعرف مدى تأثير التلفزيون في حياتنا، فقد تعلم جيلنا قيم الحب والعطاء والتضحية والإيثار من خلال أعمال فنية مازالت خالدة وتطالب الدراسة بضرورة وجود متخصصين يناقشون ويوضحون للفنانين والجمهور الفارق بين الواقع والخيال.
ونوهت الدراسة الى التأثير السيء لبعض الإعلانات الترويجية الخاصة بالأفلام والتي تتضمن مناظر لايليق أن يتعرض لها الأطفال كما في فيلمي “حين ميسرة” و”كلمني شكرا”. وأكدت أن التلفزيون والدراما أصبحا شريكين في التربية خاصة أن الواقع يؤكد وجود تلفزيون في كل حجرة فهو أيسر متعة يحصل عليها الفقراء، ولم يعد التحكم في المشاهدة ممكنا، وإذا كان هناك من يدعي أن الدراما تنقل عن الواقع وأن هناك ما هو أبشع نقول لهم: إذا كان من الضروري تصوير قذارة الواقع فلابد أن يضعوا في اعتبارهم الإساءة البشعة التي تسببها هذه الأعمال لأسرنا.

اقرأ أيضا