الاتحاد

الملحق الثقافي

برنامج متكامل لتوطين الصناعة البترولية يبدأ من جزيرة داس

بريطاني يخطب بالعربية

بريطاني يخطب بالعربية

ما زلت أذكر الرحلة الأولى التي قمت بها لجزيرة داس، والتي لا تبعد عن مدينة أبوظبي إلا مائة وسبعة وستين كيلومتراً إلى الشمال الغربي، في تلك الجزيرة لم أجد دليلاً واحداً على أن الجزيرة تنتمي لإمارة أبوظبي فجميع من يسكنها من الرجال ينتمون إلى بقاع مختلفة من العالم بدءاً من أوروبا وانتهاءً بآسيا وجنوب شرق آسيا، ولكن لا أحد ينتمي إلى الأمة العربية ولا حتى إلى منطقة الإمارات اللهم إلا ممثل الحاكم في الجزيرة مبارك بن حاضر المهيري وحوالي أربعة مواطنين يمثلون دائرة البترول ويشرفون على عمليات تصدير النفط من حيث قراءة العدادات التي تشير إلى الكميات التي تحملها الناقلات من نفط المناطق البحرية.

كانت شركة أدما التي أُنشئت في عام 1953 ومنحتها إمارة أبوظبي امتياز المناطق البحرية عام 1954 هي المسؤولة عن تسيير وإدارة عمليات الإنتاج والتصدير من جزيرة داس التي اختيرت كقاعدة لهذا الغرض منذ اكتشف النفط في حقل أم الشيف في عام 1958 على عمق 5500 قدم.
والشركة صاحبة الامتياز تكونت من شركتين رئيسيتين: شركة البترول البريطانية وشركة البترول الفرنسية.

قاعدة داس

كانت جزيرة داس قريبة من منصات الإنتاج القائمة على الآبار التي اكتشف النفط فيها، والنفط لا بد له أن يعالج قبل أن يشحن في الناقلات، حيث لا بد من فصل الغاز المصاحب عن النفط الخام ثم بعد ذلك يتم ضخ النفط الخام الخالي من الغاز إلى الناقلات.
ولأن منشآت فصل الغاز المصاحب عن النفط منشآت معقدة، فلا بد لها من قاعدة أرضية تقوم عليها ومثلت جزيرة داس تلك القاعدة فامتلأت بغابات من الأنابيب والأجهزة والمعدات الخاصة بتخليص النفط الخام من الغاز وخزنه في خزانات ضخمة استعداداً لشحنه في الناقلات العملاقة التي أعد لها ميناء قريب من الجزيرة.
عندما قمت بسؤال المديرين والمسؤولين عن الشركة والجزيرة في ذلك الزمن عن سبب عدم وجود العاملين العرب فوق الجزيرة كانت الإجابة:

أولاً: عدم وجود الخبرة الكافية لدى العرب، ولا حتى المؤهل العلمي المناسب.
ثانياً: رخص العمالة الآسيوية.
ثالثاً: عدم استعداد العمال العرب للبقاء في هذا المكان المنعزل لوقت طويل.
أما المواطنون، فإنهم، كما قال المسؤولون عن الشركة، لا يستطيعون العيش في الجزيرة ويفضلون العمل في مدينة أبوظبي، أضف إلى ذلك عدم وجود المؤهلين بينهم.
كانت الأسباب واهية، وكان المشهد غير مقبول على الإطلاق وقد انتبهت الإدارة الوطنية آنذاك إلى خطورة الموقف وظهرت بوضوح حركة مركزة قادها المغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد وولي عهده الأمين الشيخ خليفة تهدف إلى توطين وتعريب الوظائف خاصة في شركات البترول.
كانت البداية لقاءات واجتماعات بمسؤولي هذه الشركات إن كان كان لديكم وظائف شاغرة أعلنوا عنها، ودعوا العرب وغير العرب يتقدمون إليها، ولكن الأفضلية يجب أن تمنح للمواطنين أولاً ثم للعرب ثانياً.
ولم تفد هذه اللقاءات ولا هذه الاجتماعات في تغيير الصورة، وظلت جزيرة داس التي كنت مغرماً بزيارتها مرة في الشهر على الأقل، للتصوير والتسجيل لبرنامجي التلفزيوني “الذهب الأسود”، ظلت شبه خالية من المواطنين والعرب.
أخيراً، صدر في بداية السبعينات قرار بإنشاء لجنة خاصة بالموافقة على العاملين والموظفين الذين تحتاج شركات البترول إليهم. ترأس هذه اللجنة الأخ الشيبة سعيد الهاملي، وكان وكيلاً لوزارة البترول والثروة المعدنية.
وما زلت أذكر من أعضاء هذه اللجنة:
حارب سالم المهيري مدير مكتب معالي الدكتور مانع العتيبة وزير البترول والثروة المعدنية، ورئيس دائرة البترول، نائباً لرئيس اللجنة. وكل من فاضل خادم المحيربي من الوزارة أيضاً، وخليفة أحمد جبارة المرر، ومحمد خليفة بن محمد المرر، وممثل لوزارة العمل (آسف لأنني نسيت اسمه)، وراشد بن سيف بن جبر السويدي ممثلاً لشركة أدنوك، أعضاء.
قامت هذه اللجنة بدور كبير، في عملية التوطين والتعريب وعايشت عملها بحكم اهتمامي الشخصي بالموضوع.
كان للجنة مقرر، وسكرتير، وكانت تتلقى جميع الطلبات التي يتقدم بها الراغبون في شغل الوظائف المعلن عنها.
وكانت اللجنة تتأكد من أن جميع الوظائف الشاغرة لدى شركات البترول يعلن عنها في الصحف ووسائل الإعلام ثم تتأكد من وصول جميع الطلبات إلى تلك الوظائف وتقوم بمراجعة الشهادات العلمية والخبرات العملية لدى جميع المتقدمين إلى تلك الوظائف.
كان للجنة دور فعال حقيقة في التعريب، وكان جميع أعضاء اللجنة مختارين بعناية، ومعظمهم في وزارة البترول التي كانت أدرى بحكم عملها بنوعية الوظيفة الشاغرة ومدى ملاءمة المتقدمين إليها، فإن كانت المواصفات المطلوبة تتوافر لدى المواطن فهو أولاً، والعربي ثانياً ثم تأتي بقية الجنسيات.
ولم تكن مهمة لجنة التعريب والتوطين الوقوف في وجه الجنسيات الأخرى، بل إنها كانت توافق على أي متقدم مهما كانت جنسيته عندما لا تتوافر في المواطنين والعرب.
الجميع شعر في ذلك الوقت بأن الشركات هي التي كانت تقف موقف المعاداة من المواطنين والعرب ولو ظل الأمر بيد تلك الشركات لظل عدم التوازن قائماً.
وكنت ألمس بنفسي مدى الجهود التي يبذلها أعضاء اللجنة لتنفيذ تعليمات وتوجيهات القيادة، وكان معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة وزير البترول والثروة المعدنية يدعم هذه اللجنة بكل قوته وعندما كنا نلتقي به في برنامج “الذهب الأسود” كنا نطرح عليه سؤال التوطين والتعريب ليجيب عنه وبالأرقام التي تبين:
أولاً: الاهتمام بتأهيل المواطنين علمياً وبرامج البعثات الدراسية في الخارجية للتخصص في دراسات لها علاقة بتكنولوجيا الصناعة البترولية.
ثانياً: الاهتمام بالتدريب وتأهيل المواطنين خريجي الدراسات المتوسطة والثانوية من خلال برامج تدريبية مكثفة للقيام بوظائف تكنولوجية وقيادية في الصناعة البترولية التي كانت تحتكرها شركات البترول.
ثالثاً: الاهتمام بالاستفادة من المؤهلات والخبرات العربية في مجال الصناعة البترولية.

صورة تتغير

وما إن انتهت السبعينات وبدأت الثمانينات حتى تغيرت الصورة وبدأت ألمس عملياً نتائج أعمال لجنة التوطين والتعريب.
وكانت جزيرة داس مرة أخرى هي المؤشر والدليل، حيث بدأت أجد فيها عدداً كبيراً من المواطنين والعرب ولم تعد الوظائف خاصة في مجال الكهرباء والتكنولوجيا حكراً على المهندسين الأجانب.
اهتمت شركة أدنوك بعد ذلك، وشركة أبوظبي لتسييل الغاز المحدودة بالتعريب، وأصبحت شركة أدما نفسها بعد تطبيق المشاركة بنسبة 25% أولاً ثم بنسبة 60% لشركة بترول أبوظبي الوطنية و40% للشركات صاحبة الامتياز، أصبحت تلك الشركة مجرد شركة إدارة تدير العمل لحساب الشركاء وأكبرهم أدنوك.
لذلك كان من الطبيعي أن يكون رئيس مجلس الإدارة من أدنوك وأن يكون هناك عدد كبير من قياديي الشركة من المواطنين والعرب. انتهت في الثمانينات مهمة لجنة التعريب والتوطين بعد أن أصلحت الخلل وأعادت التوازن إلى سوق العمل في أبوظبي خاصة في مجال شركات النفط.
وأعود للتأكيد أنه لم يكن الهدف من إنشاء تلك اللجنة في ذلك الزمن هو إقصاء غير العرب عن العمل، في مجال البترول، بل كان الهدف الرئيس منها هو حماية المواطنين والعرب من تعسف قرارات المديرين الأجانب في تلك الشركات والذين كانوا لا يخفون تخوفهم من المواطنين والعرب، كان الهدف تحقيق المساواة والعدالة، فدولة الإمارات العربية المتحدة ومنذ نشأتها كانت إنسانية النزعة، حققت العولمة قبل غيرها من الدول، ولم تكن لدى قيادتنا في يوم من الأيام أية نزعة عنصرية.
والدليل هو ما نجده حقيقة وواقعاً في دولة الإمارات، حيث يعمل فيها الوافدون من مختلف دول العالم دون أي تمييز أو دعم لجنسية على أخرى، الجميع سواسية في الحقوق والواجبات والجميع مرحب بهم طالما لا يتخذون من الدولة مجالاً لممارسة أي نشاطات تسيء إلى الدولة وإلى من يقيم فوق أرضها.
في الزيارات الأخيرة التي قمت بها لمواقع العمل البترولي سواء في البر أو في البحر، كنت ألمس بشكل واضح تغير الصورة.
ما زال العاملون من الجنسيات الأخرى موجودين فعلاً ولكنّ العاملين من المواطنين والعرب موجودون أيضاً ولا تقف الإدارة ضدهم كما كان في السابق؛ لأن الإدارة نفسها تغيرت ولم تعد حكراً على مجموعة من الخبراء الأجانب. هناك فعلاً مديرون من المواطنين ومديرون من العرب.
ولكن لا بد أن أشير أيضاً إلى أن بعض مديري الشركات البترولية خاصة البريطانيين كانوا يتقنون التحدث باللغة العربية، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور هوران والذي كان يخطب في المناسبات الخاصة بالأحداث المهمة التي مرت بشركة أدما باللغة العربية، بل إنني سجلت لقاءً تلفزيونياً معه باللغة العربية أيضاً، وكان له دور إيجابي في تطبيق سياسة التعريب والتوطين.
وكانت مفاجأة سارة لي عندما تلقيت بداية هذا العام مكالمة هاتفية منه يخبرني فيها أنه عاد إلى أبوظبي بعد سنوات طويلة مرت على تقاعده، وطلب مني زيارة معالي الدكتور مانع العتيبة الذي استقبله بحفاوة وتكريم مسترجعاً معه سنوات العمل المشترك التي انتهت أخيراً بالسيطرة الوطنية الكاملة على الصناعة البترولية في دولة الإمارات العربية المتحدة.

اقرأ أيضا