الاتحاد

دنيا

بر الوالدين

المشكلة


عزيزي الدكتور:
أنا فتاة عمري 16 سنة، من أسرة طيبة ملتزمة، ولي خمسة إخوة وأخوات، ترتيبي بينهم في المنتصف، وأحاول دائما أن ألتزم بشريعة الإسلام، وبالقيم التي تربيت عليها، لكن تقابلني بعض العقبات التي تؤثر في نفسيتي، وأهمها أنني أشعر بعدم استطاعتي أن أبرّ أمي، لأنها ما زالت تتمسك بطريقة معينة وجامدة في التفكير، ولا يفهم بعضنا بعضًا، وكثيراً ما أغضب وأثور وأعصب عليها، وهذا يغضبها ويحزنها بالتأكيد. وهذه المشكلة تزعجني جدا، لأنني أعرف أن الله أوصانا بالأم كثيرًا، وأعرف أيضًا عواقب من لا يبر أمه، وأنا خائفة جدا من عقاب الله لي، ولكنني لا أستطيع أن أتفاهم معها، فهي لا تستطيع استيعاب ما أفكر فيه إلا على طريقتها، وإن خالفتها أكون في نظرها عاصية لها، وحاولت مراراً دون فائدة، فماذا تقولون لي، كيف يمكنني أن أرضيها، وبم تنصحونني؟
غيداء م

النصيحة

ابنتي العزيزة:
أحييك على حرصك بعدم إغضاب أمك، وبالتالي عدم إغضاب ربك، ولا تتصوري أن هذه هي مشكلتك وحدك، وإنما هي مشكلة معظم الأبناء، وهي عدم فهم الآباء للأبناء والعكس، وافتقاد الحوار المشترك بينهما، وبلا شك أن من أسباب هذه المشكلة هو فارق السن واختلاف المفاهيم والثقافة بين جيلين، وكل هذا مفهوم، ولكن السؤال: هل عدم التفاهم بين الأبناء والآباء يبرر العقوق وعدم البر؟ فرغم تفهمي لمعاناة الشباب لعدم وجود جسر من التفاهم بينهم وبين الآباء، ليقرب وجهات النظر، فيحتوي الآباء الأبناء، ويتفهم الأبناء آباءهم، وما يسببه من مشاكل وخلاف، فإنني لا أقتنع بأن يكون كل ذلك مبررًا لعقوق الوالدين، فلا يوجد خلاف أشد من أن يحاول الوالدان تكفير أبنائهم، ومع هذا قال الله تعالى في كتابه: «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا…».
صغيرتي، أرى مشكلتك عامة ومتكررة بين الشباب، وقد تسألينني: ما الحل إذن؟ فأقول لك: ما دمت أنك قد شعرت بالمشكلة، ابدئي أنت ببناء جسر التفاهم والمودة بينك وبين والدتك، وابدئي البناء بوضع الحجر تلو الآخر بدءاً بالحب، ومن الفطرة أن يحب كل منا أمه، حتى ولو كانت لا تحمل من صفات الأمومة إلا الاسم، فاستشعري حب والدتك، وأحبيها لحبها لك، فأنا على يقين أن كل أم تحب أبناءها، حتى رغم عقوقهم لها. ومن ثم الاعتراف بقلة الخبرة، وأنت ما زلت زهرة يانعة الخبرة بالحياة، وأن والدتك لديها خبرة أكبر، وغالبًا يكون رأيها أصوب، ولكن في بعض الأحيان شدة خوف الأمهات على الأبناء تجعلهم يرفضون كل ما لا خبرة لهم به، وكثير من الأمهات الطيبات يجهلن كيف يمكن التعبير عن مشاعر الحب التي في قلوبهن تجاه البنات والأبناء، أما الحجر الثالث، فهو أن تلتمسي العذر لوالدتك إن لم تجدي لبعض تصرفاتها مبررًا واضحًا، واصبري عند غضبها، فهناك أمور ربما لا تجدين لها فيها عذرًا إلا بعد مرور وقت طويل، أو بعد أن تنجبي أطفالاً وتكوني أمًّا مثل والدتك. والحجر الأخير في اكتساب صفة البر، هو أن تعلمي أن البر لا يأتي إلا بتصنّع البر، فهو كسائر العادات الحسنة التي نسعى لاكتسابها، والتي يحتاج اكتسابها إلى بذل الجهد ومجاهدة النفس، فتصنّعي البر لوالدتك تصلي إليه، وكوني دائمة الدعاء بأن يعينك الله على برها، ويجعلك قرة عين لها.

اقرأ أيضا