الاتحاد

الملحق الثقافي

همس التعبيرية.. وصراخها

“لا وجود لثيمة أو قاسمٍ مشترك يجمع بين الأعمال ما عدا ارتفاع سويتها الفنية، ذلك أن الفنان من غير الممكن له أن يقدم أعمالاً بالسوية نفسها عندما يُطلب إليه الاشتغال في إطار فكرة ما مقارنة بما يمكن له أن ينجزه عندما يكون متحرراً من أي فكرة مسبقة”.. ربما تصلح الكلمات السابقة، التي تقريباً، قالتها الفنانة التشكيلية والكاتبة ابتسام عبد العزيز في المؤتمر الصحفي الذي انعقد في متحف الشارقة والفنون قبل يومين سبقا افتتاح المعرض السنوي العام لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية.

الذي تقيمه الجمعية بالتعاون مع إدارة الفنون في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ومؤسسة الإمارات ومؤسسات أخرى عديدة، تحت العنوان: “28 ويشارك فيه 28 فناناً” ويستمر حتى الثاني عشر من هذا الشهر.. قد تصلح تلك الكلمات لتكون مدخلاً لتناول أعمال المعرض التي تنتمي، في أغلبها إلى الحداثة بكل تقلباتها وما فيها من خصائص كلاسيكية في إطار مفاهيمي واصطلاحي يتعلق بلوحة معلقة على جدار من جهة، ومن جهة أخرى هناك أعمال تنتمي إلى ما بعد الحداثة بكل تعبيريتها الفردية ومفاهيمها “الثورية” التي تخرج على الراكد والسائد وتذهب إلى أن تخلق للعمل الفني هويته الخاصة به والتي تجعله يتميز ليس عن أعمال أخرى فحسب، بل يتميز حتى عن نفسه في حال عرضه في مكانين مختلفين. والحال، أن البيئة، بوصفها مجالاً ومحيطاً كما بوصفها مادة خاماً وفكرة تستند إلى موقف معرفي ما من الذات وتصورها عن نفسها وموقعها في العالم و موقف من العالم نفسه أيضاً، تشكل ذلك الجامع والقاسَم المشترك بين مجمل الأعمال، إنما بطرائق تختلف وفقاً للطريقة التي ينظر بها الفنان المشارك، من بين الفنانين الـ28، إلى البيئة، حيث تؤثر هذه الطريقة على “الهوية الراهنة” للعمل التشكيلي على نحو جوهري.

العسر النقدي

وبدءاً، فإن “الكلام” النقدي العربي، عموماً، على العمل التشكيلي هو من أكثر أنواع الكتابة عُسراً وتعاني من إشكاليات نظرية ومفاهيمية واصطلاحية جعلت من قراءة الكتابة النقدية على العمل التشكيلي نخبوية لجهة فهمها لما تنطوي عليه من غموض باستثناءات نادرة، وحكراً على الممارسين لهذا الفعل، تقريباً، لذلك لا ترقى هذه السطور إلى مستوى المعالجة النقدية بالمعنى الاحترافي للكلمة بل كل ما تصبو إليه هو أن تطرح أفكارا وأسئلة وتقرأ وتلاحظ، إنما ما من أجوبة قارّة وراسخة، تبعا لما يمكن أن يأتي به الناقد المتخصص، وهي أيضا قد انبنت على جملة ملاحظات وأفكار وأسئلة تطرحها الأعمال وأخرى بأثر من النصوص التي وردت في الكتاب المرافق للمعرض.

بدلالة الأعمال، وعندما تكون المادة الخام من نتاج البيئة والمجال المحيط، فإن العمل الفني قد بات بحثاً، القريب إلى المعنى الأكاديمي للكلمة، فيسعى الفنان إلى البحث عن الخامة التي تجسد فكرة ما قد تأخذ العمل إلى “واقعية ما” كما في أعمال من أبرزها أعمال حسن شريف وعبد الرحيم سالم التركيبيتين، على سبيل المثال لا الحصر، وهذا من جهة، وأعمال تركيبية أخرى ذات طابع “تجريدي” مثل أعمال حسين شريف وعلي الراشد وعبد الناصر غارم وصوفيا بايتبيير وشيخة المزروعي وباتريشيا ميلينز وسلمى المري وندى الجسمي وهدى سيف والشابة منى العلي من جهة ثانية، حيث لكل منهم طريقته ومضمونه وشكله في طرح أفكاره، ثم أعمال أحمد حيلوز من جهة ثالثة. والمقصود بالواقعي والتجريدي هنا ليس وفقاً للاصطلاح السائد نقدياً بل هو مدى قابلية العمل الفني لإنتاج معنى يخصه من قِبَل المتلقي عبر التقاط الإشارات التي من الممكن تأويلها على هذا النحو أو ذاك. وإن البحث، بما يتمخض عنه من نتائج، مؤثر إلى حدّ بعيد في إنتاج هوية العمل الفني التي تمتاز في الأعمال التركيبية، سواء التجريدية منها أم الواقعية، بأنها هوية راهنة ومتحولة، ربما بسبب طبيعة الظرف الخاص الذي يعاد به إنتاجها وهو ما يخص الفنان، وكذلك بسبب ظرف التلقي، وهما ظرفان شديدا التعقيد والتداخل إلى حد بعيد.

ظروف التلقي

بهذا المعنى، فإن هوية العمل الفني لم تعد قائمة على إدراكه من قِبَل المتلقي بل على ما يحيط بظرف التلقي من إشكاليات معرفية وثقافية غير مطروقة سابقة وتنتج تجربة جمالية وإحساساً بالفردية تجاه ما يبثه العمل من إشارات تتأثر قراءتهما بما يحيط بالمتلقي والعمل معاً في لحظة تعايشهما في تجربتهما الجمالية الخاصة، حيث من الراسخ أنه مع الأعمال الفنية الكلاسيكية في النحت والتصوير فإنه من الممكن إحالة العمل الفني إلى مدرسة فنية بعينها تسهل من تحديد الهوية الثابتة للعمل مثلما تسهّل من قراءته وتجعل إمكانية هذه القراءة ملكاً لمخيلة جمعية وإحساس جمعي وربما وعي جمعي إذا جرى الإفراط بالمبالغة.

أما في الأعمال التركيبية، في هذا المعرض، الذي من المفترض أنه يعكس المشهد التشكيلي بالإمارات برمته، وما استجد فيه خلال عام مضى، أو حتى عقد من السنوات قد انتهى، فإن التحول في هويته ناشئ من بنائه من مادة خام قابلة للتحول وللتغير في الشكل، الأمر الذي يُحدث تحولاً في المعنى الذي يقوم بإنتاجه التلقي. والتلقي عندما يكون بوسعه استدخال هوية جديدة للعمل قائمة على أفكار مكتسبة من العمل ذاته ومن تلك التحولات الطبيعية التي تصيب الفرد أثناء حراكه الاجتماعي والثقافي وتمس علاقته البصرية للمحيط الذي يتفاعل معه حيث يخضع هذا المحيط، بدوره، لتحولات يومية، فما يراه المرء (الآن، وهنا) سوف يختلف إحساسه به غداً وكذلك بسبب اختلاف ظرف التلقي، نفسياً أقلّها، وبالتالي سوف تتأثر المقدرة على التقاط الإشارات وتأويلها وسوف تختلف طبيعة تلك الإشارات التي اختلفت بين الأمس واليوم مثلما بين متلقٍ وآخر. والأرجح، أنّ الحاسم في إدراك هوية الأعمال التركيبية في المعرض هو التخييل، أي ذلك الربط غير الواعي، ربما، بين الهوية التي تحدث الآن للعمل عبر بنيته وتكوينه الفني وإشاراته وبين الذاكرة الفردية المستقرة للمتلقي التي يجري هدم الفكرة الأساسية فيها المرتبطة بكلاسيكية العمل الفني وهوية القائمة في هوية بعينها. ما يعني أن إدراك الهوية متأثر بماضي التلقي وحاضره، مثلما أن الهوية نتاج لهذا التأثر. ربما هذا الفعل المعرفي القائم على الاستقطاب هو ما يجعل تلك الهوية راهنة ومتحولة من شخص إلى شخص في اللحظة التي يقرآن بها عملاً واحداً ومن فنان تشكيلي إلى آخر، حتى أنها تختلف لدى الفنان من لحظة عرض للعمل إلى أخرى. هل يُنتج هذا الأمر تشظياً في الهوية أم أنها ملمح لهوية؟ هذا الأمر من العسير الإجابة عليه بمعزل عن جوهر الفن وحقيقته وسؤاله الأبدي الذي لا إجابة عليه كافية ومكتفية بذاتها وواضحة: ما الذي يجعل الجميل جميلاً؟ والفن فناِ؟ والشعر شعراً؟.

فكرة الخلود

أيضا، فإن خصيصة أساسية أخرى للأعمال التركيبية في المعرض هي أنها تطرح فكرة من هذا النوع: في الكتابة كما في الرسم فإن الصبوة العميقة وربما اللا واعية أيضاً هي الخلود، وربما لولا هذه الفكرة لما صرخ الإنسان عبر التجربة البشرية كلها للتعبير عن رغبة في الرقص مثلاً، ولما خطّ خطين متقابلين أو متعارضين ليخلق شكلاً ما ولما اختلق حكاية منبعها المخيلة ولما قال كلاماً فصار الكلام شعراً. فكرة الخلود هذه تنسفها بعض الأعمال التركيبية التي تبعد عن فن الفيديو آرت وتقترب أكثر من العمل الذي من الممكن إعادة إنتاجه من قِبَل الفنان وإعادة قراءته من قِبَل المتلقي، فمن غير الممكن لها ألا “تنقرض” وألا تبقى إلا في الصور الفوتوغرافية والمادة الفيلمية. إنها أقرب حالاً إلى فكرة العرض المسرحي حيث يتركز صنيع الفنان على الإعلاء من شأن الفكرة التي يود قولها ويمضي، ويلغي تماماً من إمكانية حدوث أرشيف واحد للعرض ومختصر، إنها أعمال، سواء أكانت تركيبية تشكيلية أم عروضاً مسرحية، هي ضد فكرة المتحف وتسعى إلى إلغائه تماماً من ذاكرة الماضي بل تريده له أن يحيا زمن الناس هذا (الآن، وهنا) وزمنه الخاص، الأمر الذي يقوم بإحداث أثر كبير في تحديد الهوية.
وربما لإحساسهما العميق بذلك يجمع عبد الرحيم سالم وحسن شريف، في مجمل تجربتهما بين اللوحة والعمل التركيبي معاً.

“تمييع” الهوية

ومن الواضح أيضاً أن التطور التقني بإمكاناته الهائلة قد ساهم، بدوره، في إحداث نوع من “تمييع” هوية العمل التركيبي في سياق مقارنتها بهوية اللوحة المستقرة على حائط، لكنها بالمقابل منحت الفنان حرية أوسع في خوض مغامرته الفنية إلى أبعد مدى قد تبلغه المخيلة، وجعلت طريق الفنان، في الوقت نفسه، أكثر سهولة للوصول إلى فكرته المباشرة، وربما يكون هذا نوعاً من الإغواء الذي يمارسه هذا الفن، الذي يحتاج إلى جرأة تجاور جرأة المخيلة، على صاحبه.

في هذا السياق، يرى الفنان حسن شريف في مقالته “رقصة الحياة” التي تضمنها كتاب المعرض أن الثقافة البصرية، التي تنتمي إليها أعمال ما بعد الحداثة في هذا المعرض كما في سواه، تشبه النظرية التطورية التي تعتمد على “الحرية المتطرفة” وأن ما تطرحه من “سياق تعبيري” ليس سوى نتائج قد نجمت “عن طريق تمزيق الوضع الفكري الراهن” الذي هو عادة ما يكون “الوضع الفكري السائد والراكد”. أما الأمر الآخر الذي هو جدير بالملاحظة بالنسبة للأعمال التركيبية فهو غياب ما بات يُعرف بالسردية الكبرى الجامعة بدورها ليس لفنان أو لعمل إنما لحقبة بأكملها. ربما، جميعاً، بسبب طابعها الاحتجاجي ذاك وبسبب لا زمنيتها. والسردية الكبرى هنا هي التي تلامس تلك الأسئلة الكبرى حول التجربة البشرية ومصير الفرد وثيمات أخرى عديدة كالحب والسلطة والمعرفة وموقف الإنسان وموقعه منها، هي الأسئلة التي تتوافر عليها أعمال إسماعيل الرفاعي وعبد القادر مبارك ونجاة مكي ومحمد القصّاب حيث يحفر كل من هؤلاء الفنانين، بأدواته الخاصة ونزوعه إلى امتلاك خصوصيته الفنية، في “محيط فني ومعرفي” تجدّف فيه أسماء كبرى عربياً وعالمياً. أي أنها أسماء تسعى إلى عناصر هويتها الخاصة عبر استكمال ملامح مشروعها الخاص وفي الوقت نفسه تمثل تعبيراً عن عصر يخوض كل منهم فيه حياته بقلق تجاه المعرفة والتطورات الحادثة فيها وتجاه الفن وخصوصيته وجدواه، فتكون اللوحة، أيضا، تعبيراً عن قلق الفرد المتلقي مثلما أنها حوار مع مستقبل غامض ورغبة في الخلاص من فكرة راهنية العمل والتوق إلى أزليته، وذلك في سياق تلك السردية الكبرى.

هكذا نرى أن التحولات المعرفية والإنسانية وتلك الأسئلة التي يطرحها القلق المعرفي على الشكل والمضمون ليست حكراً على العمل التركيبي وحده في المعرض، فقد طرحت الأعمال الأخرى إشكالياتها الخاصة الجمالية والمعرفية. ولاستكمال أمر الهوية لجهة علاقتها بالبيئة، وعودة إلى صنيع الفنان أحمد حيلوز، بصدد علاقة عمله بالبيئة والاستفادة منها، فقد جاء بحث هذا الفنان في سياق تلك الأعمال التي ما زالت لها سرديتها الكبرى، لكنه ذهب إلى استخدام خامة ربما تكون غير مطروقة سابقاً فجعل من تلك الصفائح التي تلقي بها المطابع سطحاً تصويرياً نزع من خلاله إلى الحصول على نتائج أخرى غير متوافرة في تجربته السابقة، ربما، فيصنع توليفاً، أي كولاجاً، مما هو غير توليفي ويُحدث انقلابه الخاص على ما يتخلف عن عصره ويجري إهماله ليعيد إليه نوعاً من الاعتبار بما يتضمن قَدْراً إشارياً من المعنى الذي يعيد الفنان تدويره، إذا جاز التوصيف، فيدين كل ما هو ضد العادي واليومي والمهمل الذي ينتمي إلى زمنه الخاص.

أيضا تبدو أعمال باولو ماريا لافتة على هذا الصعيد، إنه يجعل من السطح التصويري أشبه ما يكون بحبل غسيل ينشر عليه مخلفات الحروب وفكرتها غير العادلة بنقل هذه المخلفات إلى السطح التصويري فيجعل المتلقي يشعر بذلك الإحساس الغامض تجاه ما يود الفنان إيصاله من معنى يحتاج إلى التأمل تجاه أعمال من الممكن القول إنها تحمل تجريديتها التعبيرية الخاصة بها.

وأخيراً إلى أعمال جاسم ربيع الفوتوغرافية التي تقدم تجربة مختلفة تقوم بالأساس على التقاط العمق، أي البُعد الثالث، بواقعيته الشديدة وجماليته الخاصة والفريدة في العمارة الشعبية المغربية. حيث اللوحة – الصورة الفوتوغرافية عفوية وبسيطة وتتميز بانسيابية شديدة مريحة لعين الناظر إليها، لكنها، أيضا، قائمة على توازن شديد التعقيد بحيث يبرز مباشرة عنصر ما من هذه العناصر المعمارية بوصفه كتلة لونية من بين كتل لونية أخرى، يوهمنا الفنان أنها ما كانت إلا لتبرز هذا العنصر.

اقرأ أيضا