الاتحاد

دنيا

جزائريات يستعن بالقروض الصغيرة للخروج من دائرة التهميش

بدأت حياة النساء الريفيات وربات البيوت بالجزائر تتغير في السنوات الأخيرة، حيث لم يعدن يكتفين بانحصار مهمتهن في الأشغال المنزلية وتربية الأطفال وانتظار ما يجود به الزوج العامل، بل قررن أن يخضن غمار العمل والإنتاج ليس في مجال الوظائف المختلفة وإنما في ميدان الأعمال والمؤسسات دفعة واحدة، وهذا بفضل مخطط الحكومة الجزائرية الرامي إلى تأهيل المرأة الريفية والماكثة بالبيت حيث كانت، وإدماجها في عالم الشغل، وأسندت أمر تنفيذه إلى 3 وزارات وهي التكوين المهني والتضامن والوزارة المكلفة بالأسرة وقضايا المرأة.

بدأت ملامح المخطط الحكومي تتضح في الألفية الجديدة من خلال تكوين عشرات الآلاف من الفتيات والنساء الماكثات بالبيوت وبخاصة في الأرياف والمناطق النائية، في مراكز التكوين المهني قصد رفع التهميش عنهن وتأهيلهن للحياة المهنية التي تتلاءم مع طبيعتهن وميولهن ومنها التكوين في ميادين الخياطة والطرز وصُنع الحلويات والكعك والصناعات الجلدية ومختلف الحرف اليدوية، وبعد انتهاء مدة تمكينهن تستفيد المتخرجات من قروض صغيرة لشراء مختلف الآلات والتجهيزات التي تمكِّنهن من ولوج عالم الشغل والإنتاج في أحسن الظروف وفتح مؤسسات مصغرة.
تمكين 210 آلاف فتاة
تلقت 210 آلاف فتاة وسيدة جزائرية تدريبات مختلفة في مراكز التدريب المهني بحسب تصريح وزير القطاع الهادي خالدي، وهذا منذ سنة 2005، أي في ظرف 5 سنوات، واستفادت 143 ألف متخرجة منهن، من قروض صغيرة للمرور إلى مرحلة تكوين مؤسسات والشروع في الإنتاج، بينما تنتظر باقي المتخرِّجات استكمال بعض الإجراءات الإدارية وتلبية شروط “وكالة تسيير القرض المصغر” ومنها امتلاك محل أو كرائه، للحصول بدورهن على قروض تمكِّنهن من أنشاء مؤسسات صغيرة.
ونظمت الحكومة مؤخراً معرضاً بالجزائر العاصمة للفتيات المنتميات إلى مراكز التكوين المهني وكذا اللواتي أنشأن مؤسسات صغيرة للتعريف بإنتاجهن وتجاربهن المهنية في 60 تخصصاً وهذا لتحفيز الماكثات بالبيوت على الانضمام إلى المبادرة والتحول بدورهن إلى نساء منتجات. وشاركت في المعرض قرابة 600 فتاة وسيدة من الولايات الجزائرية الـ48 وحظي بإقبال شعبي كبير.
البيع للسياح
قدمت كلثوم صادقي (35 سنة)، من ولاية تمنراست (في أقصى الجنوب الجزائري)، أنموذجاً ناجحاً للمؤسسات النسوية الصغيرة من خلال عرض تشكيلة متنوعة من المنتجات التقليدية الصحراوية، الجزائرية والإفريقية، ومنها فساتين تقليدية وعصرية وآلات موسيقية تراثية مصنوعة من الجلد ومحافظ وأدوات جلدية خاصة بـ”الطوارق” المنتشرين جنوب الجزائر، فضلاً عن مجموعة من أدوات الديكور والزخرفة التي لفتت بها انتباه الزائرات بعد أن استعملت في إنتاجها أدواتٍ بسيطة غير مكلِّفة وفي مقدمتها علبُ الطماطم المسترجَعة حيث صنعت منها إطارات لمختلف أدوات الديكور الصغيرة. وتؤكد كلثوم أن السياح الأجانب هم أكثر زبائنها وهم يقتنون هذه الأغراض كتذكارات قبل العودة إلى بلدانهم. وعن تجربتها تقول إنها أنشأت مؤسستها الصغيرة سنة 2002 بعد أن حصلت على قرض صغير من “وكالة دعم تشغيل الشباب” ثم بدأت مؤسستها تتوسع باستمرار إلى أن استطاعت الآن فتح مركز لتعليم البنات الطرز التقليدي الإفريقي والخياطة ومختلف الأشغال اليدوية، وهي تحلم بأن تكون امرأة أعمال كبيرة.
دعمٌ أوربي
التجارب متشابهة لفتيات أو نساء دخلن عالم الإنتاج منذ سنوات ثم تبدَّل حالُهن تماماً بعد تجربة التدريب المهني والقرض المصغر من الحكومة، إلا أن تجربة الفتاتين فتيحة (40 سنة) ولبنى (33 سنة) كانت مختلفة نوعاً ما، فهما لم تتحصلا على قرضين حكوميين بل على دعم من الاتحاد الأوربي في إطار تنفيذ برنامج متفق عليه مع الحكومة الجزائرية لدعم المرأة الريفية ودمجها في عالم الشغل. وأشرف الاتحاد الأوربي سنة 2004 على دعم وتكوين 80 فتاة بمركز التكوين المهني ببلدية برج الطهر الريفية بولاية جيجل شرق الجزائر لمدة 6 أشهر في ميدان تربية النحل، وبعد نهاية التكوين قام بدعم المتخرِّجات بعتاد تربية النحل كالخلايا وعصَّارة العسل والمدخنة والألبسة الواقية. وتقول فتيحة “هي تجربة ثرية طوال ست سنوات، عوض أن أبقى قابعة بالبيت دون فائدة، أصبحتُ منتجة ونجحت والحمد لله، والآن أفكِّر في التوسع عبر إنتاج غذاء ملكة النحل والشمع وليس العسل وحده”، أما لبنى فاكتفت بالقول: “أشعر الآن أنني قد حققت ذاتي من خلال هذه التجربة الإنتاجية لاسيما وأنني أسكن في منطقة ريفية جبلية لا يكاد يُسمع فيها صوتٌ للمرأة”.
ومنهن من ينتظرن
مقابل النجاحات هناك نسوة مازلن في انتظار حصولهن على قروض لإنشاء مؤسساتهن، ومنهن خالدية بن طولة من إحدى قرى مستغانم غرب الجزائر التي تنتج في بيتها، ألبسة مطرزة للأطفال وللنساء، وتجربة مليكة لصواق وزميلتين لها وهن ينتظرن الرد من مركز التدريب المهني بوهران (420 كم غرب الجزائر) حيث قدمت مليكة مجموعة من الرسوم الجميلة على الحرير والنقش على الخشب بينما قدمت زميلتاها أعمالاً جميلة في الديكور والزخرفة والنحت، وهن ينتظرن قروضاً مصغرة لتوسيع إنتاجهن.
كما قدمت نصيرة باشا وصادقة معاش، من أحد أرياف ولاية تبسة شرق الجزائر، تشكيلة من الملابس التقليدية خاصة بالفرسان وملابس نسوية للأعراس المحلية، وقد لاقى إنتاجهما إقبالاً كبيراً من الزائرات، وهما يتمنيان بدورهما الحصول على قروض لإنشاء مؤسسات في الخياطة التقليدية والعصرية معاً.
أما تجربة مسعودة بوكبوس من قرية “بونوارة” ولاية قسنطينة شرق الجزائر فهي مؤثرة؛ فالفتاة (35 سنة) من ذوي الاحتياجات الخاصة ولم تستفد بعد من قرض ومع ذلك عرضت رفقة الزهرة فلاحي (55 سنة) تشكيلة من أغطية الفراش والفساتين تقليدية الصنع ومنها ألبسة خاصة بالأعراس، وهذا بإمكانياتهما الذاتية، وتطالب مسعودة بمنحها قرضاً ومحلا للعمل باعتبارها من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وتقول إنها تعمل منذ 6 سنوات كاملة بإمكانات بسيطة وحققت قدراً من النجاح بـ”الإرادة والصبر الطويل” وحدهما ولكن لا مناص من تلقي الدعم الحكومي للاستمرار والنجــاح، فالإرادة والصـبر وحدهما لايكفـيان. أما زميلتها الزهــرة فهي مثالٌ آخر للإرادة حيث دخلت معهد التكوين المهني منذ سنة فقط وكان عمرهـا آنذاك 54 سنة، وهذا قصد خوض غمار الإنتاج لإعالة ثلاثة يتامى.
تقول: “لقد اقترضتُ أكثر من 300 ألف دينار جزائري (ما يعادل 4 آلاف دولار) للشروع في الإنتاج في ميدان الخياطة وأنتظر بفارغ الصبر دعم الدولة لتوسيع إنتاجي وتسديد ديوني”. وتؤكد فريدة بلقاضي، أستاذة في مركز التكوين المهني بـولاية “قالمة” أن المهمة ليست سهلة والطريق أمام النساء الماكثات بالبيوت ليس مفروشاً بالورود بل يجب التحلي بالكثير من الشجاعة والإرادة والصبر وطول النفس لينجحن.

اقرأ أيضا