أرشيف دنيا

الاتحاد

أطفال في دائرة الخطر··!

صلاح الحفناوي:
قبل أيام أطلقت المنظمة الدولية المسؤولة عن صحة العالم تحذيرا شديد اللهجة من الأخطار المحدقة بأطفالنا·· أكدت أن 6 أمراض ومشكلات صحية تهدد الأطفال منذ الولادة وحتى سن السادسة وتتصدر أسباب الوفيات بينهم·· وأن حوالي عشرة ملايين طفل في شتى بقاع الأرض يموتون كل عام بسبب أمراض يمكن الوقاية منها ومشاكل صحية يمكن تجنبها·
التقرير الخاص بصحة العالم خلال العام الحالي والذي أصدرته منظمة الصحة العالمية تتضمن الكثير من الحقائق الغريبة والمؤلمة·· ففي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لا يزال الإسهال سببا رئيسيا من أسباب الوفاة بين الأطفال·· وفي بداية الألفية الثالثة لا تزال الحصبة سببا رئيسيا للوفاة رغم ظهور اللقاح الواقي منها قبل سنوات طويلة ورغم أن هذا اللقاح يمنح الطفل مناعة دائمة من الإصابة بهذا المرض القاتل طوال العمر·· وبرغم كل التقدم الطبي الذي تحقق خلال العقود الماضية والذي وصل إلى حد التفكير في استنساخ البشر وامتلاك التقنيات اللازمة لذلك والذي نجح في قراءة خريطة الجينات الوراثية وكشف لغز الحياة على مستوى الخلية لا تزال عدوى المسالك التنفسية السفلى وخاصة الالتهابات الرئوية والشعبية ضمن أكثر الأمراض فتكا بالأطفال·· هل هذا معقول ولماذا؟
منظمة الصحة العالمية أكدت في تقريرها الحافل بالغرائب والحقائق المؤلمة أن 90 بالمائة من وفيات الأطفال دون سن الخامسة ترجع إلى ست حالات مرضية فقط لا غير·· أربع منها يمكن الوقاية منها ويسهل علاجها مما يجعل تصدرها للقائمة أمرا شديد الغرابة ويطرح أكثر من علامة استفهام حائرة·· وأن الاعتلالات الولادية الحادة وخاصة الولادة المبتسرة أو ولادة الطفل قبل اكتمال نموه بالإضافة إلى الأخطاء المصاحبة لعلمية الولادة مثل اختناق الطفل أثناء الولادة أو العدوى الجرثومية الحادة خلالها مسؤولة عن 37 بالمائة من إجمالي وفيات الأطفال دون سن الخامسة·· وأن عدوى المسالك التنفسية السفلى مسؤولة عن 18 بالمائة من الوفيات·· ويأتي بعدها الإسهال والجفاف حيث يتسبب في 18 بالمائة من إجمالي وفيات الأطفال قبل سن الخامسة·· ثم الملاريا التي تحصد أرواح مليون طفل سنويا في أفريقيا وحدها·· حيث تتسبب في 8 بالمائة من إجمالي وفيات الأطفال·· يليها مرض الحصبة الألمانية وتسبب في 4 بالمائة من وفيات الأطفال·· ثم مرض الإيدز أو نقص المناعة المكتسب ويتسبب في 3 بالمائة من الوفيات·
هل هذا معقول؟·· بهذا السؤال بدأت محاورة طويلة مع الأستاذ الدكتور علي هنداوي مستشار طب الأطفال في منظمة الصحة العالمية ومدير مركز الهنداوي الطبي في أبو ظبي·· محورها الأمراض الستة وهدفها الوصول إلى وصفة وقاية تحمي فلذات أكبادنا من كل ما يهدد حياتهم ويعوق نموهم ويسبب معاناتهم·· وقبل أن يجيب على تساؤلاتي العديدة استهل حديثه بحقيقة أكثر غرابة·· قال إن أهم ما في هذا التقرير هو توقيت صدوره أو توقيت نشره·· قال إن النظرة السريعة للأمراض الستة تؤكد أن أطفالنا في مأمن من معظمها·· فمرض الملاريا تقريبا غير موجود في الإمارات·· ومشاكل الإسهال عند الأطفال اقل حدة وخطورة مما يبدو في تقرير المنظمة الدولية بسبب ارتفاع مستوى الوعي الصحي بشكل عام والمنظومة الصحية القوية والمتميزة التي يتمتع بها أبناء الإمارات·· والحصبة ليست من الأمراض التي تهدد أطفالنا بسبب صرامة وفاعلية برنامج التطعيم الوطني حيث لا يوجد طفل في الإمارات لا يحصل على جميع اللقاحات الواقية من كل أمراض الطفولة·· بل أن بعض اللقاحات التي تعطى للأطفال في الإمارات لا تتوفر للأطفال في الكثير من دول العالم الأخرى مثل اللقاح الواقي من مرض هيموفيلس انفلوانزا واللقاح الواقي من الالتهاب الكبدي الفيروسي من النوع (أ)·· ومرض الإيدز لا يشكل مشكلة صحية لأطفال الإمارات بسبب البرامج الوقائية الصارمة التي تحول دون الإصابة بهذا المرض أو تسلله إلى الدولة من الخارج·· والالتهابات الحادة في الجهاز التنفسي السفلي تعالج بنجاح كبير بفضل توفر الخدمات الصحية المتقدمة·· وأيضا المشاكل الولادية شبه نادرة في المجتمع المحلي لان أكثر من 99 بالمائة من الولادات تتم في المستشفيات المتخصصة وتحت إشراف طبي دقيق·· وبرغم ذلك فإن توقيت صدور التقرير يكتسب أهمية خاصة·· فنحن نقترب من موسم الصيف والإجازات الطويلة والسفر شبه الجماعي إلى الخارج·· وفي الخارج، وبالتحديد في الكثير من المناطق والدول الأفريقية والآسيوية لا يتمتع الطفل بالمظلة الصحية المتكاملة المتوفرة له في الإمارات وتتزايد احتمالات إصابته ببعض هذه الأمراض·
هناك فرق
يضيف الدكتور هنداوي: على سبيل المثال إذا كانت الملاريا غير منتشرة في الإمارات·· فإن الأمر قد يكون مختلفا تماما في بعض الدول الأخرى التي تنتشر فيها الملاريا أحيانا بشكل وبائي والتي يتكاثر فيها وينتشر البعوض المسبب للملاريا·· والأمر ينطبق على كل الأمراض الأخرى الواردة في تقرير المنظمة الدولية وخاصة الإسهال الناتج عن التلوث الغذائي أو التسمم الغذائي·· فخلال موسم الاصطياف والصيف في الكثير من الدول يكثر الباعة الجائلون على الشواطئ ومعظم لا يلتزم بالاشتراطات الصحية والمواد الغذائية التي يقدموها للرواد لا تخضع في الغالب لأي رقابة·· ويكثر استهلاك العصائر المبردة عن طريق إضافة ألواح الثلج مباشرة إليها وألواح الثلج مصدر مهم من مصادر العدوى بالجراثيم التي تسبب الإسهال وأمراض الجهاز الهضمي الخطرة·· وكذلك الآيس كريم·· ومما يفاقم المشكلة الاعتقاد السائد بين الكثيرين بأن الثلج يقتل الميكروبات والجراثيم وهو اعتقاد غير صحيح والكثير من الأمراض تنتقل عن طريق تناول الأطعمة والمشروبات المبردة التي لا يراعي في إعدادها الاشتراطات الصحية والنظافة أو التي تتعرض للحشرات التي تنتشر وتتكاثر في شهور الصيف الحارة الرطبة مثل الذباب·· والإيدز منتشر بكثرة في العديد من الدول الأفريقية والآسيوية وعلى عكس الاعتقاد السائد فإن العلاقات الجنسية غير المشروعة ليست السبب الوحيد ولا الأهم لانتقال هذا المرض الفتاك·· والعدوى يمكن أن تنتقل مثلا في محال الحلاقة عند استخدام شفرات حلاقة ملوثة·· وفي عيادات الأسنان إذا لم يكن الطبيب ملتزما بدقة وصارمة بإجراءات تعقيم الأدوات المستخدمة في المعالجة السنية·· وباختصار فإن الشعور بالأمان الكامل أثناء التواجد في الإمارات يجب أن يتحول إلى حذر كامل عند السفر إلى الخارج وهو ما يكسب إعلان تقرير المنظمة الدولية أهمية خاصة·
طريق السلامة
يقول الدكتور علي هنداوي إن تقرير المنظمة الدولية يؤكد حقيقة مهمة وهي أن معظم متاعب الأطفال وأمراضهم وأسباب معاناتهم يمكن تجنبها بسهولة وبإجراءات وقائية بسيطة·· وباستثناء توفير خدمات صحية متطورة لرعاية الحوامل وإجراء الولادات في ظروف آمنة وتحت إشراف طبي دقيق·· وهي مهمة النظام الصحي في أي دولة·· فإن الأفراد يستطيعون حماية أبنائهم من كل الأمراض الأخرى بإجراءات وقائية بسيطة·· وعلى سبيل المثال فإن ناموسية رخيصة الثمن من النوع المشبع بالمبيدات القاتلة للبعوض تكفي للوقاية من الملاريا القاتلة·· وعبوة محلول الجفاف التي قد يتجاوز ثمنها درهما أو درهمين قد تنقد حياة طفل من الجفاف·· ويمكن تحاشي معظم تلك الوفيات عن طريق التدخلات الموجودة وهي بسيطة ومعقولة التكلفة وفعالة· ومن هذه التدخلات العلاج بتعويض السوائل عن طريق الفم، والمضادات الحيوية، والأدوية المضادة للملاريا، والناموسيات المعالجة بمبيدات الحشرات، والفيتامين ألف وغيره من المغذيات الدقيقة، وتشجيع الرضاعة الطبيعية، والتمنيع·· وقبل ذلك الوقاية بالالتزام بإجراءات وقواعد السلامة الصحية·

اقرأ أيضا