الاتحاد

دنيا

لطيفة تبريزي: عمل الخير ينبوع السعادة الحقيقية في الدنيا

حركتها لا تتوقف، تحاول إرضاء الكبير والصغير، لا تفارقها ابتسامة تملأ وجهها، كلامها ينفذ إلى الأعماق، تحمل مبادئ وقيماً في الحياة، وتقرن سعادتها بأعمال الخير، تؤمن أن كل شيء فان، ولا يبقى إلا ما أسعدت به الناس وما زرعته من خير ينتفع به الآخرون، وتسير دائماً على مقولة “انظر إلى الإنسان بمثابة معدن يحوي أحجاراً كريمة تخرج بالتربية جواهر إلى بستان الشهود، وينتفع بها العالم الإنساني”.

هذا ما تؤمن به لطيفة يونس تبريزي من تركيا الفائزة بجائزة أبوظبي في دورتها الخامسة إلى جانب ثمانية آخرين، تؤمن أن أعماق كل إنسان ودواخله تحوي أحجاراً كريمة، فقط يجب التنقيب عنها وإخراجها للعالم، ولا تستثني تبريزي المعاقين من هذا القول حيث تعتبر دواخلهم تحمل النور والصفاء، وهذا ما توصلت إليه حين تطوعت لمساعدتهم على إتقان حرف يدوية من المهملات، فخلقوا وتجاوزوا إعاقاتهم، بل أصبحت منتجاتهم اليدوية من المقتنيات المفضلة عند الناس.
في منطقة زاخر بمدينة العين ينام بيت لطيفة تبريزي، استقبلتنا لنطرق باب تجربتها ونحمل رسائلها للناس، لنتفاجأ أن الأسرة بكاملها تعشق التطوع وتعتبره من الثوابت والقناعات التي لا يمكنهم التراجع عنها تحت أي ظرف، فالوالد طبيب أسنان واثنان من أبنائه كذلك، لتحمل العائلة رحالها كل سنة لمساعدة البلدان الفقيرة على نفقتهم الخاصة، يقومون بجولات خيرية من أجل صحة الأسنان، هكذا عرفنا أن العائلة تعشق التطوع، بل يتنافسون على فعل إسعاد الفقراء والمحتاجين، يشعر المرء وسطهم بدفء المكان، تنثر السعادة فيه أم صديقة الكل، وكلهم يتسابقون في الحديث عن إنجازاتهم الخيرية، وعندما تحدثت لطيفة عن الجائزة قالت: إنها فعلاً فخر واعتزاز بالنسبة لي ولأسرتي، وعندما بدأت العمل التطوعي لم أتوقع أبداً الحصول على أية جائزة، وكان أقصى حلمي أن أتطوع وأعمل الخير لوجه الله، حيث أومن أن عمل الخير هو السعادة الباقية، وستدفعني هذه الجائزة الغالية للعمل بشكل أكبر، وسأبحث عن التألق والتميز، وأنا سعيدة بوجودي على هذه الرقعة الطيبة، التي بها أنجبت أولادي.
وفاة الوالد
تتحدث لطيفة تبريزي عن سبب اندفاعها نحو التطوع وعن بدايتها، وعن نجاحاتها في هذا المجال وتقول:
تفتحت عيناي في بيت بسيط جدا، لكن القيم التي ربتنا والدتنا عليها كانت كبيرة، حيث كنت أراقبها توثر على نفسها وتساعد الآخرين، توفي والدي في حادث غرق في البحر هو وإحدى أخواتي، حينها لم يبق معيل للعائلة التي تتكون من 6 أفراد، كنت أراقب والدتي تعمل ليل، نهار من أجل توفير القوت اليومي، تفتحت عيني على يديها تحيكان الملابس وتطرزهها لتبيعها، ورغم مشقة الحياة وشظف العيش كانت لا تتوانى في مساعدة الآخرين، حيث أذكر مرة أنها تركتني وإخواني في البيت وذهبت لمساعدة جارتنا التي أجرت عملية جراحية، وليس هناك من يمد لها يد العون، وظلت عندها أكثر من 20 يوماً، وحين توفي والدي علمتنا والدتي بعض الأشغال اليدوية بالإضافة إلى الدراسة التي كنا نتابعها، وهكذا كنا نجهز بعض المشغولات اليدوية ونبيعها لشراء ما يلزمنا في حياتنا اليومية من أكل وشرب، وكذا لشراء الكتب المدرسية.
وتضيف تبريزي بكل فخر واعتزاز: عشت في بيت بسيط جدا، لكن يلفه الحب الكبير، ربتنا والدتي على القيم والمبادئ وكانت تقول دائماً، إن السعادة الكبرى تتحقق عندما نساعد الغير، ورغم حاجتنا تقول ربما يكون هناك من هو أحوج منا، ومما أذكر أيضاً أن إحدى بنات الجيران في مقتبل العمر كفيفة، وفي مرة قمنا بزيارتها فقالت لي والدتي يجب أن تهديها هدية من صنع يديك، فما كان إلا أن اشترت لي كل ما يلزم فخطت لها فستاناً جميلاً أسعدها كثيرا، وتسترسل تبريزي في الحديث وتغوص في الذكريات التي خلقت في دواخلها حساً مرهفاً ينبع من أعماقها لتساعد الآخرين وتقول: إن كل إنسان يملك قدرات أو أموالاً يجب أن يساعد غيره، لأن هناك دائماً من هو أحوج منا.

أمان نفسي

تتبادل الابتسامات الرقيقة مع أولادها الذين أحاطوها بحب، جلسوا بجانبها يسمعون أحاديثها وكأنهم يسمعونها أول مرة، يملأ عيونهم بريق الرضا بما حققت والدتهم، تتحدث عن مجيئها للإمارات واستقرارها في مدينة العين وتقول: إن الاستقرار النفسي شيء مهم جدا لكل إنسان، لهذا عندما قدمت إلى الإمارات حاولت أن أستقر في مكان واحد مع أسرتي، حيث قدمنا لها في مطلع سنة 1970 أي منذ أكثر من 40 سنة وفي كل هذه الفترة حاولت أن لا أغير البيوت التي سكنت فيها ليشعر أولادي بدفء المكان، وأحافظ لهم بذكرياتهم قدر المستطاع وأربطهم بتاريخهم، بحيث كنا سابقاً نسكن بمنطقة شعبية، كل الناس تعرفنا بها، وكنت أتواصل مع كل الجيران، فمدينة العين مدينة منبسطة واجتماعية بشكل كبير ولم أجد صعوبة كبيرة في التأقلم، ربطتني مع الجيران أواصر المحبة، وكنت أمد يد العون للمحتاج قدر المستطاع، ونساعد أنا وزوجي كل محتاج في أي مجال كان، وأولادي لا تربطهم بتركيا إلا ما يسمعون عنها أو ما يشاهدونه، حين أخذهم في الرحلة السنوية، وفي يوم صنع زوجي مدفأة لنقرب أولادي من الجو الذي نعيش فيه في تركيا أيام الشتاء البارد، ولأن مدينة العين طقسها بارد أيام فصل الشتاء فإننا لم نجد صعوبة في الجلوس أمام المدفأة وقراءة كتاب أو حياكة بعض الملابس، في حين كان الجيران يتساءلون عن سبب تصاعد الدخان من بيتنا، وغالباً ما يهرع البعض للبيت ليقول إن بيتكم يحترق. تضحك تبريزي وتضيف: وبعد ذلك انتقلنا إلى هذا البيت الذي نعيش فيه مدة تجاوزت 16سنة، أحاول دائماً أن لا أغير الأماكن لينعم الأولاد براحة نفسية، فهنا مثلاً الكل يعرفنا ونتواصل مع الجميع، تتحدث تبريزي وحركتها لا تهدأ، تصب الشاي وتسأل هذا، ماذا تريد؟، تبتسم لهذا، تحضن حفيدتها، حين تراها تدرك قوة تحملها وسر نجاحها في التعاطي مع فئة يلزمها الكثير من الصبر والتأني للتعلم والتواصل.

تحويل المخلفات إلى كنز

بكل ود تتحدث لطيفة ونظراتها لا تفارق عيون أولادها تشملهم بكل الحب والود، تفتخر بما أوصلت إليه أسرتها، تشعر بدفء العائلة المفتقد وسط كثير من الأسر، جمعتهم كؤوس الشاي المجهز على الطريقة التركية، تارة يتحدث أولادها عن إنجازاتها وتارة ينوب الزوج عن تقديم زوجته وتارة أخرى هي تتكفل بتفسير عواطفها تجاه الفئة التي تتعامل معها وتقول: إن هذه الفئة قريبة جدا إلى قلبي، اكتسبت قلباً مرهفاً بعد وفاة والدي، حيث توفي وعمري لا يتجاوز سنتين، عشت مع والدتي تقاوم لتضمن قوتنا، ولكن رأيتها إنسانة بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ تغدق على الناس مما يتوافر لديها، لهذا كبرت وبدواخلي شيء يحركني نحو الخير، كما أن والدتي دائماً تقول حاولوا دائماً أن تساعدوا غيركم فهذا خير لن يفنى أبداً، وهذا ما يحقق السعادة، هكذا وجدت ضالتي في هذا المركز حيث بدأت بأساليب جديدة في التعامل مع المعاقين وحاولت النبش عن المواهب في أعماقهم، فوجدت أن قلوبهم نورا، وأن التعامل معهم رغم ما يلزمه من صبر فهو يعطي راحة نفسية كبيرة بالنسبة لهم وبالنسبة للمتعامل معهم، فهذا شعور رائع.
وهكذا بدأت أداوم في المركز بشكل مستمر من سنة 1997 وبدأت في جلب المخلفات وأصنع منها أشياء جميلة جداً، وأعلمهم مهارات يدوية فمن ماصات العصير مثلاً أعمل عقداً، ومن الصندوق الذي يحوي البيض أصنع منه وروداً بمختلف الألوان فأشكل منها باقة رائعة، ومن علب البيبسي نقص ونصنع وروداً ولوحات، ومن غطاء المشروبات الغازية المصنوعة من الألمنيوم صنعنا وروداً وجعلناها لوحات رائعة. وتضيف لطيفة كان الهدف الأساسي ولا يزال من هذه الأشغال اليدوية هو تحريك أيادي المعاقين وإكسابهم مهارات وهذا طبعاً يساعدهم في تقوية مداركم وإظهار قدراتهم، وبالفعل اكتشفت أن ما يتوافر عليه هؤلاء من قدرات إبداعية كبير جدا، وبالنسبة للأطفال الذين يعانون من صعوبة تحريك أصابعهم فإنني كنت أقدم لهم المعجون من أجل تحريك أياديهم وترويضها، كان يعاني الأطفال في البداية صعوبة كبيرة في خلق بعض الأشياء، لكن مع مرور الوقت أصبح الأمر يسيراً، وأصبحوا يعشقون ما يحققون من إنجازات، وقد أشركت أهالي الأطفال المعاقين فيما أقوم به وأحثهم على تنمية مهارات أبنائهم، وبالفعل ظهرت نتائج جيدة وتغير سلوك الطلبة للأحسن بشكل كبير، وأثنى الأهل عن ذلك.وفي البداية كنت مسؤولة عن وحدة واحدة تتكون من 5 صفوف، أما اليوم أصبحت أقدم خدماتي لوحدتين، وإذا غابت معلمة أشغل مكانها ويسعد الطلبة بذلك جدا.
طرائف
كانت لطيفة تعمل بدوام كامل، وتظل تعمل خارج الدوام بحيث تسعى لجمع المواد الخام من المخلفات حسب تصورها للأعمال التي ستقوم بها، وهكذا كان يعلم الجميع من أهل العين باهتماماتها وخاصة المقربين منها الذين تتواصل معهم بشكل مباشر، ولهذا كانوا يجمعون المخلفات وينتظرون وصولها، وتقول لطيفة عن ذلك: أمارس السباحة في أحد الفنادق، والقيمين على المسبح يعرفون كل ما أرغب فيه من مخلفات، وبالفعل أصبحت أفاجأ بهم يجمعون أوراق الأشجار الميتة وريش الطيور ويقدمونها إليَّ، وكنت أسعد بذلك جداً، كما أن زوجي وأولادي كلهم يعملون على جمع بعض المخلفات التي يرونها تستحق التدوير لإعادة إنتاج تحف رائعة منها، وأذكر كذلك في يوم أثناء تلقين أحد الطلبة، وهو ضرير، على صنع صقر من الريش، فقال ما معنى الريش، فقلت له ضع يدك على رأسك وتحسسه، فقال: هذا شعري، قلت له حينها: كما لك شعر فالصقر له ريش، وهكذا تفهم الأمر، لهذا أحاول توصيل المعلومة بكل الطرق، وأبدع كثير من المعاقين بشكل كبير في مجال إعادة تدوير المخلفات والحياكة والتطريز والكروشي، وأذكر أن إحدى الطالبات وهي تعاني من الصمم بالإضافة لذلك فهي تعاني من إعاقة في يديها وأصبحت بفعل التدريب وإصرارها تصنع أجمل الأغطية وبعض الملابس.
كما أن معلمي المركز أصبحوا يتفهمون عملي وهم يبذلون قصارى الجهود من أجل إنجاح المركز، وفي يوم كانت تمر معلمة مع السائق في السيارة قرب إحدى النفايات فلمحت مزهرية مرمية على الأرض وبها كسور فأوقفت السائق وقالت له آتيني بـ”الفازة”، رفض السائق وقال إنها مكسورة، قالت له فقط جئني بها وسترى كيف ستصلح حالها لطيفة.
وتضيف لطيفة: على مدار هذه السنوات خلقت قوة تواصلية مع هذه الشريحة، وساعدتهم على أن يكونوا منتجين وساعدوني على تحقيق السعادة النفسية.
لطيفة يونس تبريزي عندما انتقلت من تركيا للعيش في مدينة العين سنة 1970، كانت تساعد الآخرين ولديها أفكار كثيرة، ولكن كان ذلك بشكل فردي على شكل مبادرات شخصية لمساعدة الجيران والمحتاجين لها، وعندما اشتد عود أبنائها، بدأت تبحث في كل اتجاه لتصريف طاقاتها الكامنة ليستفيد منها الآخرون، هكذا بدأت التطوع مع المعاقين، فتطوعت بدوام كامل ودون مقابل في مركز تأهيل المعاقين في مدينة العين، حيث بدأت تدرب منتسبي المركز من مختلف المراحل الدراسية على الحرف اليدوية وتعلمهم كيفية إنتاج مصنوعات فنية من المواد المهملة، وسنحت لها الفرصة لتأسيس برنامج التطوع الذاتي الذي ينظم مساهمات أفراد المجتمع التطوعية في مساعدة المركز والمعاقين لتعزيز دمجهم في المجتمع، ودورها لم يقتصر فقط على جعل المجتمع يهتم بالمعاقين، بل استطاعت من جهة أخرى تعزيز الجانب الإبداعي لدى المعاقين ورفع ثقتهم بأنفسهم من خلال مساعدتهم للمجتمع على إعادة تدوير المهملات والمواد غير المستخدمة وإنتاج مصنوعات يدوية تعبر عنهم، تعرضها في المعارض ويقتنيها الناس بكل إعجاب، كما أن لطيفة تبريزي ساعدت المعاقين على لعب دورهم كسفراء لتعزيز الوعي البيئي ونشر مفهوم إعادة التدوير، وساهمت بقوة في إرساء دعائم الاستخدام المستدام وهو ما امتد ليشمل دوائر أوسع كعائلات المعاقين وموظفي المركز وعائلاتهم وقد استفادت العديد من المدارس في منطقة العين من تجربة لطيفة وبدأت بتطبيقها في برامجها التعليمية والأنشطة التي تنظمها وتشكل اليوم تبريزي مصدر إلهام للكثيرين من المبادرات التطوعية والبيئية في المنطقة التي تعمل فيها.

صديقتي الأميركية أخذتني إلى المركز

بعد أن اشتد عود أبنائها خرجت لطيفة تبريزي تبحث عما يرضي نفسها ويسعدها، تبحث عن الخير في كل اتجاه، بعد أن كانت تعمل متطوعة بشكلي فردي ودون تنظيم، فلجأت لأحد المراكز حيث تذكر عن هذه القصة: كانت لي صديقة أميركية الجنسية اسمها جولي، كانت قريبة مني جدا وتعرف كل ميولي وما يحزنني وما يحقق سعادتي، وكانت تقدر ما أقوم به من أعمال الخير وتقدر بحثي عن مكان أتطوع فيه، كما كانت تقدر مشغولاتي اليدوية التي غالباً ما تكون موادها الخام من المخلفات التي أعيد تدويرها، وحدثتني عن تجارب أميركا في مجال التطوع، وقالت يجب أن يستفيد الناس من خبرتك، وقالت إنها ستفتح لي المجال إن كنت مستعدة لذلك.
وتفيد تبريزي: عندما أخبرتني صديقتي بوقت اصطحابي لمركز تأهيل المعاقين جهزت بعض الأشياء من المواد التي أعدت تدويرها، وأذكر أنها كانت عبارة عن علبة محارم وعلب الحليب المركز الفارغة وجهزت شيئاً على هيئة إنسان، كما جهزت بعض الأشياء الأخرى التي تظهر مهاراتي اليدوية والتي كنت أحاول إقناع مدير المركز بما أقوم به من أعمال، وذهبنا في اليوم التالي للمركز حيث استقبلوني بترحاب كبير، وفسرت لهم رغبتي الكبيرة في تقديم المساعدة لأناس هم في أمس الحاجة لكل الناس وخيرهم. وتضيف لطيفة: وهكذا بدأت العمل بدوام رسمي ودون مقابل من ساعتها إلى اليوم، حيث بدأت سنة 1997 وما زلت على رأس عملي في المركز إلى اليوم، بل طورت واكتسبت خبرات كبيرة في التعامل مع المعاقين، ومن هؤلاء المعاقين من اشتغل في بعض الدوائر الحكومية في العين ويتقنون كل الأعمال المنوطة بهم، ومنهم من سافر إلى الخارج لاستكمال دراسته، ومن خلال عملي في المركز أدركت أن كل إنسان يمتلك جواهر داخله فقط يجب التنقيب عنها بكل صبر وحزم.

اقرأ أيضا