الاتحاد

دنيا

سمير الشيخ حسين: كاد المعلمُ أن يكون رسولا


دبي ـ موزة خميس:
حين أراد الأديب والصحفي والشاعر سمير الشيخ أن يبدأ الحديث في هذه الزاوية، استهلها بهمس إلى أستاذه الذي لم يستطع أن ينساه فقال له: أستاذي الفيلسوف إبراهيم حيدر، عصتني القافية واستعصى الروي وهجرني الصدر والعجز، ونأى الوزن والميزان· فجأة وفي غمرة اليأس والتشبع بالفراغ، ومن عمق ثلاثين عاما ونيف استوقفتني الذاكرة، ومضت تتقلب الذكريات، ليست ذكريات الحبيب الأول ولا طيش الشباب وعنفوانه، إنما ذكريات المعلم الذي كاد أن يكون رسولا، والذي اعتاد في بداية كل درسٍ للغة العربية التي كان يعلمني إياها في المرحلة الثانوية أن يطلب مني بدء الدرس، فأقوم وبيدي دفتر المذكرات الصغير، أقف أمام السبورة السوداء كعهدي كل يوم، أفتح الدفتر الصغير وأقرأ مشاعر الأمس وخواطره·
اول الدروس
وبحكم العادة أمعن في التشخيص عازفا على قيثار الحس والعاطفة، فيرق الأمر وتترامى المشاعر في فيافي الصمت المقدس ويسافر أستاذي في عواصف مشاعره إلى حدود العمر ولا يعود منها إلا على أعناق البكاء والألم، وحبات من الدموع تتفجر على أعتاب أحداقه، فأحفظ الدرس،وأصمّه، إذ لا درس أعظم من الصدق ولا صدق إلا الذي يشيعه القلب· أي أستاذي المبجل هاأنذا أتذكرك بعد ثلاثين عاما وأكثر ولا أدري إن كنت لا تزال تسعى على هذه الأرض الفانية تملؤها أشجارا واغراسا ـ أرجو الله ذلك ـ أحتاجك بعد هذا العمر الطويل السقيم، أحتاج إلى درس صدق من حنايا نفسك وعظيم روحك، درس أواجه به عصف الحياة وشح الجمال، أحتاج لذلك الدرس الرئيس الذي علمتني إياه في التعرف إلى الجمال ورصده، والإحساس به حتى ولو كان ذلك في قاع بئر أو ركام أو حطام أو حجر، ذلك الدرس الذي قرأتَه على رأسي -كما كانت أمي تقرأ على رأسي الفاتحة خلال نومي (كن جميلا ترى الوجود جميلا )، أحتاجك اليوم وبعد هذا الشأو العميق في لحم الزمن لتعيد تأهيلي فلم أعد أشعر بأنّي جميل، فقصيدتي ثكلى وقضيتي حبلى، ومشاعري بالسخط هي العليا، أرجو الاّ توكل الأمر لكثير من معلمي اليوم فهذه رسالتهم إليك أيضا·
بداية دمشقية
ولد سمير الشيخ الذي يعمل حاليا في جامعة الشارقة كمسؤول عن الإعلام في الجامعة، في حي المزه في دمشق حين كان والده يعمل عسكريا محترفا في القوات السورية، وهو ينتمي لمصياف وهي تتبع لمحافظة حماة، ولكن الوالد انتقل لمدينة حلب وهناك كانت طفولة سمير الاولى والتي لا يذكر منها شيئا بعد هذا العمر إلا في مرحلة التعليم الابتدائي المبكر، وتحديدا في الصف الثاني الابتدائي، حين كانت السيدات هن المعلمات في ذلك الوقت·
يقول الأستاذ سمير: كانت معلماتي يحببنني على نحو استثنائي، لأنني كنت دائما حريصا كل الحرص على الإجابة على أي سؤال يطرح على زملائي التلاميذ، وكنت أشعر بالغضب عندما تختار المعلمة تلميذا آخر ليجيب عن سؤال طرحته، وكانت معلمة أخرى قد زرعت بي هذا الأحساس عندما حرضتني على أن أكون دائما الساعي للفوز بالمراكز الأولى دراسيا أو رياضيا، والحقيقة أن ذلك امتزج بروحي وفكري وثقافتي واتخذته نهجا أربي عليه أولادي الستة الذين لا هم لهم إلا الحصول على المراكز الأولى، وأن يكونوا ضمن قوافل المكرمين في أعراس الشارقة للتفوق·
زمن الحلم
انتقلنا إلى مدينة حمص، وفي هذه المدينة الجميلة بدأت ملامح ما تبرز في شخصيتي، حتمتها الظروف والتحولات القومية، في وقت كانت سوريا تشهد فيه حركة انقلابات عسكرية في أواخر الخمسينات وبداية الستينات، وقد شاركت بكثير من المظاهرات التي تخرج إلى الشارع مؤيدة أو معارضة، وقد كان الزمن هو الأستاذ المحرض والذي أثر علينا، فقد كان ابن السادسة في تلك الأيام يوازي ابن الجامعة اليوم، إذ كانت مرحلة المد القومي التي أطلقها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر قد خلقت اهتماما بشؤون الوطن حتى لدى الأطفال· كانت مناخات المد القومي هي المدرسة الكبرى التي علمت ذاك الجيل الاهتمام بالقضايا، وعلى أثر هذه المناخات السياسية أحيل والدي إلى التقاعد وعدنا إلى بلدنا مصياف وعشت مرحلة المراهقة، وفي المدرسة الثانوية كنت حريصا على أن أكون قائدا لزملائي في ما يسمى بالتربية العسكرية(الفتوة)، وظهرت في هذه الفترة رغبتي في القراءة ولم أكن أترك كتابا يمر من دون أن أنهيه، حيث أنقطع عن العالم لإنهاء رواية من 700 أو 800 صفحة، وحين بدأت أكتب كانت كتاباتي تحت عنوان مذكرات ولكنها في الحقيقة كانت خواطر ورصداً لمشاعر واحاسيس على المستوى الشخصي، وتسجيلاً لأفعال وردود أفعال بلغة وجدانية ذات دلالات وعمق·
رحماك ياقدر!
كان أول عمل في المجال الصحفي في أبوظبي بالإمارات عام 1975م ثم التحقت عام 1980 بإحدى الصحف المحلية الكبرى وبقيت بها محررا لمدة 20 عاما، وحتى 9-1-1995م لم أكن قد كتبت بيت شعر واحدا، حتى استمعت لمؤتمر صحافي عقده الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، دعا خلاله بلغة الفارس العربي الأبي إلى مد جسور المحبة والتواصل والتآزر مع الشعب العراقي، الذي كان يعاني من عزلة أمته له بسبب نظامه السياسي السابق، وقال خلال هذا المؤتمر إن قدرنا أن نتآخى كعرب، فنحن أبناء أمة واحدة· هذا المؤتمر فجر في روحي الشاعر الذي كان مختبئاً في داخلي، فكتبت قصيدة مكونة من 25 بيتا بعنوان(صقر العرب) معبرا عن شموخ هذا الرجل، وإلى أي مدى يمثل في دعوته هذه شريحتنا نحن أبناء جيل المد القومي العظيم، وهذا يعني لي أن سمو الشيخ محمد بن راشد هو الذي كتب شهادة ميلادي كشاعر، إن كان لي حق ادعاء هذا الشرف·

اقرأ أيضا