الاتحاد

دنيا

طالبات «دبي للتقنية» ينشرن الوعي بأهمية القراءة

للقراءة آثار عظيمة لا تكاد تحصى في حياة الأطفال، فهي توسع خبراتهم ومداركهم، وملكاتهم التعبيرية أيضاً، كما تنمي، وتنشط قواهم الفكرية، وتهذب أذواقهم وأخلاقهم، وتشبع فيهم حب الاستطلاع النافع لمعرفة أنفسهم ومعرفة غيرهم، ومعرفة عالم الطبيعة.. من هنا تظهر الحاجة الماسة إلى توجيه الأطفال نحو عالم القراءة بطريقة محببة مشوقة ومدروسة، تجعل من القراءة متعة وتسلية وفائدة في نفس الوقت!!

إيماناً بأهمية القراءة عند الأطفال، وضرورة غرس حبها في نفوسهم، نظمت كلية دبي التقنية للطالبات مشروعاً تعليمياً تطوعياً يعكس مدى قدرة هؤلاء الطالبات على التميز والعطاء، واستثمار الوقت والجهد في ما يعود على النفس والمجتمع بالنفع والفائدة...
وللحديث عن فكرة هذا المشروع، وما ينطوي عليه من أبعاد وأهداف، تقول منظمة للمشروع زادجيه زاهي، عضو هيئة تدريس اللغة الإنجليزية في الكلية: “انطلقت فكرة مشروع (القراءة في المدارس) من رؤية كلية دبي للطالبات التي تسعى إلى إعداد طالبات لهن دور فعال وريادي في المجتمع، طالبات قادرات على تحويل التحدي إلى فرصة للعطاء والتغيير الإيجابي. حيث قامت طالبات دبلوم تكنولوجيا وإدارة أعمال بدعم خدمة المجتمع المحلي عبر نشر الوعي بأهمية القراءة بين طلبة المدارس”.
خطة منظمة ...
وتضيف زادجيه: “لقد تم وضع خطة منظمة ومدروسة لهؤلاء الطالبات اللواتي بلغ عددهن 163 طالبة على مدار 6 أسابيع متواصلة من الإعداد والتدريب والتطبيق العملي في المدارس، حيث قمنا في بداية الأمر بدعوة الكاتبتين القصصيتين المتخصصتين بالكتابة للأطفال وهما جوليا جونسن والدكتورة صفاء عزمي للتحدث عن أهمية القراءة عند الأطفال، وعن القراءة النوعية التي تجعل من القراءة متعة وفائدة معاً، وعن كيفية اختيار الكتاب أو القصة المناسبة التي من شأنها أن تلفت انتباه الطفل، وتثير فضوله وتدفعه نحو استكشافها بالقراءة”. وتتابع زادجيه “ثم قامت طالبات البكالوريوس في التعليم من نفس الكلية بعمل دورات تدريبية تثقيفية لطالبات التكنولوجيا، تساعدهن على فهم نفسية الأطفال، وكيفية التعامل معهم بالإضافة إلى التعرف على طريقة القراءة المشوقة للأطفال وما يرافقها من أنشطة ووسائل وأدوات ليكون التعلم باللعب هو الطريق المؤدي إلى قلوب الأطفال وعقولهم، تلت ذلك زيارة الطالبات إلى مكتبة المجرودي في فيستيفال سيتي لاختيار135 قصة وكتابا باللغتين الإنجليزية والعربية وشرائها على نفقتهن الخاصة، ليتم بعد ذلك توزيع الطالبات ضمن مجموعات على 9 مدارس حكومية يقضين في كل منها 3-4 ساعات يومية”...
أهداف سامية
تشير زادجيه إلى أن هذا المشروع الذي ستقوم به الطالبات له أبعاد كبيرة، سواء على صعيد الطالبات أنفسهن، أم على صعيد الأطفال الذين يستهدفهم هذا المشروع، فهذه فرصة الطالبات لينتقلن من الدراسة النظرية إلى التطبيق العملي والشعور بقيمة وجمال العطاء المعرفي والمادي، بالإضافة إلى ممارسة هذه الخبرة مع أطفالهن، فهن في النهاية أمهات المستقبل، كما سيشعرن الأطفال بمتعة القراءة وأهميتها، وضرورة التعود على ممارستها بحب وشغف، فهم جيل المستقبل الذي يرتجى منه أن يكون مثقفاً، واعياً، إيجابياً، مبدعاً...
محاضرة تثقيفية ...
الدكتورة القاصة صفاء عزمي قدمت محاضرة تثقيفية للطالبات حول تنمية حب القراءة عند الصغار بين البيت والمدرسة والمجتمع، بينت فيها لأمهات المستقبل، أي الطالبات، ضرورة أن تبدأ الأم بالغناء لطفلها وهو بعمر 6 شهور بينما يستعد الطفل للنوم، مما يشعر الأم والطفل معا بجو من الحب والراحة والاسترخاء والانسجام، حيث يدخل الأب ويرى ذلك فيفرح، ويتمنى أن يشاركهما هذا الجو السحري الرائع.
تقول عزمي: “عندما تبدأ الأم تغني لطفلها في الشهر السادس يكون الغناء المحفز الأساسي لعقل وأحاسيس الطفل، فينتبه لتعبيرات الأم ويترقب الكلمات السحرية التي تخرج من بين شفتيها، فيبدأ بالتفاعل معها، ويحرك أطرافه متجاهلاً العالم من حوله، منصبا اهتمامه وتركيزه على ملامح وجه أمه، وصوتها العذب لتتكون لديه شيئا فشيئا حصيلة من المفردات والمعاني والتعبيرات، ثم تتكون لديه عادة الجلوس والاستماع، ويبدأ يطلب القصة ويمسكها ويدخل في مرحلة التفضيل والاختيار، وإبداء الرأي، فيدفع والديه دفعاً لمشاركته هذا العالم الجميل”...
نصائح مهمة
كما أرشدت عزمي الطالبات إلى ضرورة أن تعرف الطالبات بأنفسهن عند مقابلة الأطفال في المدارس، وأن يوضحن للأطفال سبب قدومهن، ثم يتحدثن عن تجربتهن مع القصص، وهل كن يقرأنها أم لا في طفولتهن؟ مع ضرورة مراعاة الصدق والصراحة في ذلك، ويذكرن الفائدة التي كن يجنينها من القراءة، ومدى خسارتهن بالبعد عنها. بالإضافة إلى أهمية اصطحاب ألعاب مثل الصلصال والمعجون والحروف الممغنطة والألوان والدمى وغيرها، مما يساعدهن في جذب انتباه الأطفال ويعينهن على تبسيط المعلومة أوشرحها، وبينت لهن طريقة الإلقاء المناسبة التي من شأنها أن تلفت انتباه الأطفال وتدفعهم نحو الانسجام والتفاعل مع القصة.
ولفتت عزمي انتباه الطالبات إلى ضرورة أن تذهب الأم مع طفلها حينما يذهب إلى المكتبة، وكيف يعلمن الأطفال طريقة اختيار القصة المناسبة حيث تقول “لابد من اصطحاب الأم لطفلها إلى المكتبة والسماح له بالتجول والحركة بحرية ليختار القصة التي تعجبه بنفسه عبر توجيهه إلى النظر إلى صورة الغلاف وقراءة العنوان وتصفح القصة ليرى هل تعجبه الصور أم لا؟ بالإضافة إلى قراءة صفحة واحدة منها ليرى هل يستطيع أن يكملها أم لا؟ ليختار في النهاية شراءها أو البحث عن غيرها، ومن الضروري أن تجلس الأم مع طفلها في المكتبة وتقرأ له قصة فهذا أمر متاح وميسر لدينا في المكتبات الحديثة وله أثر جميل على نفس الطفل وأمه”.
وتصف طالبات كلية دبي التقنية المشاركات بهذا المشروع تجربتهن مع الأطفال بأنها في غاية المتعة والروعة والفائدة...
صدق وعفوية
تقول الطالبة عهود يوسف: “لقد قمنا بالتدرب على كيفيه القراءة، وأحضرنا بعض الألعاب والأدوات والرسومات التي تعيننا على الشرح، وكنا بأتم الاستعداد لهذه التجربة، وعند وصولنا شعرنا بالكثير من الحماس والاندفاع اللذين انعكسا بصورة إيجابية واضحة على الأطفال الذين التقيناهم... لقد أحببناهم كثيراً، وأحبونا كذلك. لقد قمت في بداية الأمر بتحميسهم على توقع فكرة القصة وأحداثها من العنوان وصور الغلاف، فكانت استجابتهم سريعة وردودهم رائعة، ثم بدأت بالقراءة المتأنية مع الإشارة إلى الصور التي تساعد على فهم القصة، وبعد أن انتهيت من سرد القصة بدأت بطرح الاسئلة عن أحداثها وشخوصها، وماذا استفادوا منها، وما رأيهم بها، وغير ذلك من الأسئلة التي تحقق استراتيجيات العصف الذهني والتحليل والتفكير الناقد وغيره، ومن ثم قمت معهم ببعض الأنشطة المسلية، كتمثيل القصة وغيرها”. عهود لم تشعر بأي ارتباك وهي تجالس الأطفال، وتقص عليهم القصة، بل تقبلها الأطفال بسرعة لأنها تكلمت معهم وسردت لهم بما يتناسب مع مستواهم العقلي والفكري، مما كسر بينها وبينهم الحواجز، تقول عهود: “فعلت ما بوسعي لكي يستمتعوا بالقصة، وفعلاً نجحت لأنني استمتعت قبلهم، فانعكس ذلك عليهم بعفوية صادقة”...
تتفق الطالبة خديجة عباس مع زميلتها عهود، وتبدي حماساً وسعادة بهذا العمل التطوعي الجميل، حيث تقول واصفة تجربتها: “لم أشعر الأطفال بأنني موجودة لكي أعلمهم، بل لكي يستمتعوا معي بالقراءة، فتركت لهم حرية التحدث وكأنني صديقتهم أو أختهم الكبيرة التي يجلسون معها على طاولة واحدة. هذا الأسلوب قربني منهم وشجعهم على الحرية والانطلاق في التعبير عما في داخلهم. وقد حرصت على القراءة بوضوح وببطء، وعلى ترجمة أي كلمات يصعب فهمها عليهم باللغة العربية، بالإضافة إلى استعانتي بالدمى التي تلعب دور أبطال القصة أو شخوصها”... وتضيف خديجة: “لم أجد صعوبة في التعامل مع الأطفال، إذ لطالما اعتدت على التعامل معهم في المنزل، كما أنني كنت أتفاجأ كثيراً كلما كنت أرى الأطفال يرددون كلمات القصة باللغة الإنجليزية، ويحفظونها من الوهلة الأولى، لأنني اعتقدت أنهم يشتكون من الضعف في اللغة الإنجليزية، لكن التجربة بينت لي عكس ذلك”.
تثني خديجة على هذه التجربة وتصفها بالممتعة والجميلة، فقد تعلمت منها كيفية التعامل مع الأطفال، مما سيساعدها على التعامل مع أطفالها مستقبلاً، وتعليمهم بيسر وسهولة، وتعويدهم على حب القراءة وحسن اختيار القصة أو الكتاب المناسب. وتعتقد خديجة أن الأطفال كسروا بهذه التجربة الروتين الذي يعيشونه، وقضوا وقتاً ممتعاً ومفيداً.
خطوات استباقية
أما الطالبة سارة المهيري، فقد أعدت للأطفال أنشطة مميزة تعزز لديهم مفاهيم القصة التي قرأتها لهم، وتناقشت معهم في أحداثها، ومن هذه الأنشطة رسومات تعبر عن القصة، وعلى الأطفال تلوينها، بالإضافة إلى مشاركتهم بعمل قلادة وغيرها، وتصف سارة تجربتها وتقول: “شعرت في بداية الحصة الدراسية برهبة الموقف، و ببعض الارتباك، فهذه أول مرة أقوم بدور المعلمة، ولكن سرعان ما زالت الرهبة واضمحل الارتباك، وصارت الحصة تسير ببساطة وسلاسة ومتعة، كيف لا وأنا أتعامل مع براعم صغيرة خضراء غضة. كما كنت أتوقع أن أواجه صعوبات أخرى، فأجريت خطوات استباقية لتجاوزها، وهي عدم تقبل الأطفال معلمة جديدة، فتغلبت عليها باللعب معهم و الاستماع لهم، وتغير الأسلوب الذي اعتادوا عليه من المعلمة الأصلية، فحاولت اتباع أسلوب مبتكر وشيق مع الطلبة، ومشكلة الحركة الزائدة عندهم التي تغلبت عليها بمحاولة امتصاص طاقتهم الزائدة، بإعطائهم أنشطة متنوعة يحبونها مثل التلوين وغيره”..
وتتمنى المهيري أن تعيش هذه التجربة مرة أخرى، فقد سعدت واستفادت منها الكثير، ورسمت بها البسمة على شفاه الأطفال، وقدمت خدمة لوطنها الذي لم يبخل عليها يوماً، فاستحق منها أن تنشر فيه العلم الذي تعلمته ليستفيد منه الآخرون، ويرتقون به إلى أعلى المستويات.
تستشهد الطالبة نورة الشيبة بمقولة أحد العلماء العظام التي تبين أهمية القراءة وهي (من أسباب نجاحي وعبقريتي أنني تعلمت كيف أنتزع الكتاب من قلبه). تقول نورة: “ربما يستغرب البعض من المشروع الذي قمنا به، ويتساءل هل من المعقول أن أعلم وأعود الأطفال على القراءة بساعات بسيطة قضيناها معهم”؟ وتضيف: “نحن نقول هذه خطوة واثقة وجادة وجميلة، بدأنا بها لنكن قدوة للكثيرين من حولنا، وهذه مسؤولية الجميع، فتعويد الطفل على القراءة جهد متكامل تتضافر فيه جهود البيت والمدرسة والمجتمع، وأنا فخورة جدا بنفسي، وبالعمل الراقي الذي خدمت به أبناء وطني، الذين سيرتقون بهذا البلد بعلمهم وأخلاقهم، فما قدمته لهم حق وواجب لهم علي، لا يحق لي أن أتمنن به عليهم”...
تعود زادجيه، المنظمة لهذا المشروع، لتؤكد بأنه سيتم عمل تقييم ذاتي شفوي وكتابي للتجربة التي خاضتها الطالبات، ليتناقشن في ما بينهن، بما تنطوي عليه هذه التجربة من إيجابيات وصعوبات واجهنها، وستقوم الطالبات بإهداء القصص التي اشترينها للأطفال لمكتبة المدرسة، لتعم الفائدة على الجميع.

اقرأ أيضا