تقارير

الاتحاد

زيمبابوي··· بلد عاطل عن الأمل

موجابي جزء من المشكلة أم من الحل؟

موجابي جزء من المشكلة أم من الحل؟

أرسلت منظمة ''أطباء من أجل حقوق الإنسان'' فريقاً إلى زيمبابوي الشهر الماضي بهدف التحقيق في أسباب تفشي وباء الكوليرا الذي حصد العديد من الأرواح هناك منذ أغسطس الماضي· وكعضوين في ذلك الفريق، وجدنا شيئاً مثيراً للإزعاج أكثر من الكوليرا: شعباً يواجه كمّاً هائلاً من التهديدات الصحية في بلد حيث الخدمات الأساسية للدولة -الماء النظيف، الصرف الصحي، توفير الرعاية الصحية، إلخ- باتت منهارة·
ويعود تاريخ الانهيار إلى نوفمبر الماضي حين قامت الحكومة بإغلاق المستشفيات العامة في العاصمة هراري وهاجمت شرطة الرئيس روبرت موجابي الأطباء والممرضات ومتدربين من المستشفى الجامعي· ولكن نظراً لأن الكوليرا قتلت أزيد من 1600 شخص وأصابت نحو 30 ألفاً آخرين، فإنه يمكن القول إن تاريخ الانهيار يعود إلى أغسطس حين انقطع ماء الحنفيات عن المستشفيات، فتخيلوا هنا مستشفى لا يوجد فيه ماء حنفيات منذ ثلاثة أشهر -ولا دورات مياه صالحة للاستعمال، ولا صابون، ولا أدوية، ولا كميات كافية من الغذاء بالنسبة للمرضى والموظفين الطبيين·
وحتى نكون منصفين، فلم تقم كل المستشفيات بإغلاق أبوابها· فالرعاية الصحية المحترمة ما زالــت متاحـــة ومتوفرة -بالنسبة للقلائل الذين يستطيعون الدفع بالدولار الأميركي- ذلك أنه على رغم تصوير موجابي للغرب بأنه الشر نفسه، إلا أن سياساته جعلت هذا البلد، الذي كان يتمتع بالرخاء في وقت من الأوقات، معتمداً على الدولار الأميركي في كل شيء· ففي مصحات هراري الخاصة، تكلف الاستشارة الطبية 200 دولار، ودخول المستشفى 500 دولار، والعملية القيصرية 3200 دولار على الأقل· أما الذين لا يمتلكون الدولارات فيلجأون إلى مستشفيات البعثات الدينية التي ما زالت مفتوحة على رغم اكتظاظها، أو يقصدون جنوب أفريقيا، مثلما فعــــــل حتى الآن نحـــــو 4 ملايين زيمبابوي، مما جعل من مسألة انهيار هذا البلد أزمة إقليمية·
ولهذه المأساة خصائص فظيعة كثيرة، أبرزها حقيقة أن هذه الكارثة هي من صنع الإنسان، فقد دمر حكم موجابي نظام الرعاية الصحية برمته، مثلما دمر كل قطاع آخر من قطاعات الحياة العامة تقريباً، بسبب الخليط الكارثي المتمثل في الفساد وسوء الإدارة والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان· فإذا كانت زيمبابوي في يوم من الأيام تعد مُصدراً زراعياً كبيراً ومزدهراً، ورائداً إقليمياً بخصوص الرعاية الصحية وتعليم الطب والتمريض، فإن كلية الطب في هراري اضطرت للأسف للإغلاق في نوفمبر الماضي بعد أن قامت بإلغاء امتحاناتها لأنها، مثلما قيل لنا، لم تكن تتوفر على الورق والحبر لطباعتها·
والحقيقة أن جذور وباء الكوليرا توجد في السياسة أيضاً، ذلك أن نظام موجابي ''زانو· بي· إف'' عمد إلى تأميم هيئة الماء في 2006 بعد أن سيطرت ''الحركة من أجل تغيير ديمقراطي'' المعارضة، التي يقودها مورجان تسيفنجراي، على نحو 80 في المئة من المقاعد على الصعيد الوطني عقب انتصارات في الانتخابات البلدية، فاستغلت حكومة موجابي السلطات المائية لحرمان ''الحركة من أجل تغيير ديمقراطي'' من المداخيل والظفر بالعقود المربحة الخاصة بإصلاح النظام المعطل· فكانت النتيجة أن حال استشراء الفساد والرشوة دون القيام بالإصلاحات اللازمة ومعالجة مياه الحنفيات، وضخت مياه الصرف الصحي غير المعالجة في الخزان الرئيسي لهراري· ولكن مدينة بولاوايو، وهي ثاني أكبر مدينة في زيمبابوي، كانت الاستثناء لأن حسابات نظام موجابي كانت تتوقع أن تجعل السيطرةُ على هيئة الماء في تلك المدينة السكان يصوتون لـ''الحركة من أجل تغيير ديمقراطي''· ونتيجة لذلك، لم تسجل في بولاوايو أي حالة وفاة جراء الكوليرا الأسبوع الماضي، في حين بلغ معدل الوفيات في هراري في الأسبوع نفسه 19 في المئة من المرضى، وهو معدل أعلى بنحو تسع عشرة مرة من 1 في المئة التي تحددها منظمة الصحة العالمية كمعدل معقول للوفيات بسبب الكوليرا حين تكون المعالجة متوفرة·
ومنذ هزيمة موجابي في الانتخابات العامة لشهر مارس الماضي ورفضه العنيف للتنحي عن السلطة، أخذ الانهيار الاقتصادي والاجتماعي منحى تصاعدياً، حيث عاد عدد من الأمراض للظهور من جديد في زيمبابوي· ومن جهة أخرى، كانت رواتب الموظفين الصحيين هزيلة وعديمة القيمة حين ضرب الكوليرا البلاد، بينما انقطع التيار الكهربائي عن مشرحة هراري، فكان مآل الموتى التعفن· وقد أخبرنا الممرضون الذين لم يتقاضوا رواتبهم منذ أشهر أن المستشفيات لا تتوفر حالياً على الأدوية المضادة للألم وارتفاع الضغط الدموي والصرع ومختلف أنواع العدوى· وفي ظل هذه الظروف، يمكن القول إن حقيقة أن الكثيرين ما زالوا يكابدون لتوفير الرعاية في ظل هذه الظروف هي وسام على صدر الشعب الزيمبابوي الذي يستحق أفضل من ذلك·
ولكن، ماذا بوسع العالم أن يفعل من أجل تقديم المساعدة لشعب زيمبابوي؟ الواقع أن المساعدات الإنسانية تتدفق على البلاد، والمنظمات الدولية مثل ''أطباء بلا حدود'' و''اليونيسيف'' تنقذ أرواحاً كثيرة· غير أن آلام زيمبابوي ليست ذات طابع إنساني، وإنما هي نتيجة لجريمة سياسية -رفض موجابي ووكلائه الاعتراف بالهزيمة الانتخابية· واليوم، بات اتفاق اقتسام السلطة لشهر سبتمبر ميتاً تقريباً، ولا تلوح في الأفق حالياً آمال كبيرة للشعب الزيمبابوي طالما ظل هؤلاء المسؤولون ممسكين بزمام السلطة·
وفي الشهر الماضي، قال موجابي: ''لن أستسلم أبداً، أبداً، أبداً··· زيمبابوي لي''، وشرع، حسبما ذكرت بعض التقارير، في تشكيل حكومة جديدة -بدون ''الحركة من أجل تغيير ديمقراطي''- وهو ما يمثل إفلاتاً من العقاب عن قتل أمل بلد برمته· وعليه، فإنه يتعين على جيران زيمبابوي، ولاسيما جنوب أفريقيا، أن يبذلوا جهوداً أكبر من أجل الدفع في اتجاه التغيير· كما أن ثمة فرصة كبيرة في الأمم المتحدة بالنسبة للصين، التي طالما وقفت إلى جانب موجابي، من أجل إظهار دبلوماسية ناضجة في أفريقيا· أما أوغندا، التي نالت العضوية غير الدائمة لمجلس الأمن الدولي مؤخراً، فينبغي الضغط عليها حتى تعيد النظر في التزامها باتباع سياسة ''عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان'' التي سمحت لموجابي بالبقاء في السلطة·

كريس بيرر
مدير مركز الصحة العامة وحقوق الإنسان بجامعة هوبكنز

فرانك دوناج
المدير التنفيذي لمنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا