الاتحاد

دنيا

مهارة الصناعات اليدوية تعكس خصائص وثقافة المجتمع

خالد أوطه أمام العلب المطعمة بالأصداف (تصوير حسن الرئيسي)

خالد أوطه أمام العلب المطعمة بالأصداف (تصوير حسن الرئيسي)

تعد الصناعات اليدوية والمنتجات التي تصنع بأدوات بدائية بواسطة اليد، وليدة حاجة الإنسان بدءاً من الملابس إلى الأدوات التي تستخدم للطعام أو الشراء، حتى للدواجن والحيوانات ولكل الاحتياجات المختلفة، وكل قطعة تعكس بواسطة الحرفي خصائص وثقافة المجتمع، وتاريخ الحرف حافل بأجيال من أصحاب الأصابع التي تنتج ما تفرزه عقول من يبدعون، ولكل دولة أشكال تعكس حضاراتها المختلفة.

يخصص مهرجان دبي للتسوق مساحة على أجندة الفعاليات، من أجل الحرفيين المهرة الذين يأتون للمشاركة في كل عام، وبعضهم يشارك منذ ثماني سنوات وبعض منذ أربع سنوات وبعض مستقر في دبي، ولكن يحرص على المشاركة في كل دورة، وهناك من يشارك للمرة الأولى، وعلى جانب من خور دبي وضمن فعاليات شارع السيف، يعمل الحرفيون يومياً منذ الرابعة والنصف حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً.
وهناك من برع في صنع القطع الزجاجية وآخر يعمل على الخزف والسراميك، وهناك من يعمل بالفخار، ومنهم من يعمل في صناعة الزجاج وآخر يعمل على إنتاج العصي والسبح الخشبية والمطعمة والمزخرفة بالنحت عليها، وجمعت الحرف معالم الدول التي أتى منها الحرفيون، ووفرت تلك الحرف اليدوية الدخل والحياة الكريمة، ومازالت حتى يومنا هذا مصدراً للدخل لملايين الأسر.
محمد سهيل أسود من سوريا محافظة أدلب، يأتي ليصنع يومياً آواني زجاجية أمام الجمهور، وقد صنع لنفسه فرناً خاصاً لهذه المهمة مباشرة على ناصية شارع السيف، ويشرح لنا وهو يصهر الرمل لصنع أوعية وأدوات زجاجية قائلاً: الزجاج مكون من خليط الرمل مع مواد كيميائية، حيث يصهر حتى يتحول إلى سائل، ويكون طرياً ومن السهل تشكيله، ويشكل الزجاج بواسطة أنبوبة حديدية مثل آلة نفخ، وهي ذات مبسم خشبي تغمس في السائل ويرفع على طرفها مقدار منه، ثم ينفخ في الأنبوبة فيتحول السائل إلى فقاعة مملوءة بالهواء، ثم تشكل حسب ما يريد الصانع، فقد تكون قنينة أو كوب أو حتى طبق.
أساليب مختلفة
وأضاف: بالنسبة للزخرفة، فقد كانت الزخرفة تنفذ بأساليب مختلفة، ومنها طريقة الضغط على الأواني وهي لا تزال لينة، وكذلك بطريقة الملقاط ، أو بطريقة الإضافة تلك التي تتم بلصق خيوط من الزجاج إلى جدران الأواني وهي لينة، وغير ذلك من الطرق الأخر، مشيراً أنه لهذه الحرفة علاقة قديمة مع الإنسان.
لم يكن محمد يتوقع هذا الإقبال على منتجاته في هذا المكان، لكن يقول إن تعدد الجنسيات ربما يكون أحد الأسباب، فهناك من يأتي من خارج الدولة في هذا الموسم لأجل السياحة، ولكنه يحمل معه القطع التذكارية، ومن بين المقيمين يأتي الأوروبي ثم المواطن ثم العربي، وبعد ذلك بقية الجنسيات في شراء القطع التي يصنعها، ومن أحد الأسباب أيضاً أن سعر القطع في متناول اليد. وكان هناك رجل يصنع السيراميك ولم يرغب في ذكر اسمه؛ لأنه شريك في مصنع، ولكن قال إنه يشارك منذ سنوات عدة في هذا المكان بالذات، وقد كان يصنع النحاس ويزخرفه بالطرق عليه بأداة، لكنه تحول للسيراميك ضمن مصنع متخصص في المنتجات من الخزف والسيراميك، حيث ينتج مختلف الأشكال من قطع الأكسسوار المنزلي ومتطلبات الديكور، وقد تم إدخال أدوات أحدث تساعد على الإنتاج، وهناك من يأتي ليطلب قطع معينة لتكون خاصة به، مثل أدوات القهوة أو الشاي ولكن لا تستخدم بقدر ما تكون مهمة للاقتناء.
وأوضح: قديما كانت المنتجات تصنع بكميات تكفي لكل أسرة؛ لأن العائلة لم تكن تقتني أكثر من حاجتها ولم تكن هناك رفاهية، ولكن كانت فقط أواني حفظ الماء والطهي وما شابهها، وكذلك كان هناك استخدام لطرق تشكيل بدائية يدوية بالحبال وبالقِطع، والتشكيل على عجلة الخزاف وهو الدولاب، وبالرغم من أن هذه الطرق تعد بدائية، إلا أنها تمنح حساً فنياً رائعاً.
وقال: الفنون الزخرفية تسمى الصيني أو الصين قديما، نظراً لعلاقتها بالصين التي لها تاريخ طويل في صنع السيراميك أو الصيني، حيث يمنح السكان المحليين في الصين، القطع أنماطاً لها علاقة بثقافتهم، والزخرفة أينما كانت تعكس ملاحظات الأجداد الطبيعية والبشرية، وقد أصبح إنتاج السيراميك مرغوب ولو كان هشا سريع الكسر؛ لأنه يتمتع بإمكانية التلوين عليه وزخرفته، ويمكن أن يمنح أناقة للمكان.
إقبال الزوار
ماهر عبدالحكيم عابدين من مصر، يصنع العصي والسبح وكلها يتم تطعيمها، وقد أخبرنا بأنه يعمل في هذه الحرفة منذ 32 عاماً وتشاركه في ذلك زوجته وأبناؤه، وقد بدأ في المشاركة في مهرجان دبي منذ عام 2007، وهو سعيد بإقبال الزوار وبحجم الشراء، ويعمل ماهر على أداة بدائية قديمة، وهو يعمل في المواد يدوياً، وقد ذكر أن كل الأعداد التي صنعها من العصي التي على هيئة عكاز قد بيعت.
ويكمل: غالب تلك القطع تم شراؤها بكميات كبيرة من طرف الأجانب الذين يأتون من أوروبا، وأبناء دول الخليج خاصة من السعودية وسلطنة عمان وبعض الدول العربية الذين يقبلون على شراء المسابح المصنوعة من الخشب المطعم بحجر اليسر، اعتماداً عظم الإبل عن العاج الذي تم حظر تداوله حفاظا على الفيلة. وقال إن هناك الكثير من الأسواق التي تبيع المسابح في مصر، ومئات من المصانع والورش الخاصة بهذه الصناعة، التي تعتمد صناعتها على مهارة عالية، حيث يمكن أن تصنع المسبحة من الأشكال الخرزية مع فواصل وقطع أخرى مميزة، تتألف من عدد معين من تلك الأشكال في خيط أو سلك أو سلسلة، حيث تختلف أشكال الحبات حسب الصانع، وحسب متطلبات الراغبين لأسباب دينية أو اجتماعية، مشيراً إلى أن حبات المسابح، فإنها تكون من الأحجار الكريمة والخزف والبلاستيك والزجاج والأحجار الكريمة والمعادن، أوالكهرمان وبذور النباتات وخشب الورد، وأيضا من الصندل والعظام والقرون.
أما خالد أوطه، فهو بارع في تطعيم وزخرفة الصناديق بالأصداف، وهو يصنع جلسات كاملة مزخرفة بالأصداف والعظم بدلاً من العاج، لكن بالنسبة للجلسات، فإنها تصنع بواسطة فريق كامل من الحرفيين، ويتم ذلك في مصنع ويحسب السعر لكل متر حيث يتم تقاضي 250درهماً لكل متر، وتعد كل قطعة بمثابة حلية ثمينة لأنها من أفضل الأخشاب ومنقوشة باليد وكل نقشة إنما هي مجموعة من القطع الصغيرة الحجم، التي ترفع وتوضع بملقط.
رضا بكار يعمل منذ كان عمره 16 عاماً وهو يلعب بالنار يومياً ويرفعها وينزلها، ويوجهها قريباً من فمه فقط ليقدم للعالم قطعاً تبقى ثمينة ورائعة وجملية، وهو يقول إنه لم يعد يشعر بضيق نتيجة قرب لهب النار منه، مثلما أعتاد الفران على النار وهو يصنع الخبز، ومن بين المنتجات الفناجين والأوعية التي يمكن أن توضع تحت درجة حرارة عالية دون أن تنكسر.
وتأتي له طلبات لصنع أشكال مختلفة بكميات كبيرة، حيث توزع في المناسبات السعيدة، ويمكن للقطعة الواحدة أن تستغرق منه حوالي نصف ساعة منذ البدء بها، وهو ينتج أشكالاً يمكن أن تكون من الإكسسوارات اللافته للنظر، وبعضها كأنه قطعه من الأحجار الكريمة، ومنجات رضا هي زجاجية، لكنها متناهية الصغر، ولها العديد من التصميمات والأشكال المصنوعة من الزجاج الشفاف الذي يمحنه اللون الأزرق بواسطة لهب النار، ويمنحها الشكل عن طريق اللف والبرم والمد والنفخ.


رواد الشارع
يتوقف رواد فعاليات شارع السيف عند كل حرفي، وينظرون بإعجاب وما أن ينصرفوا، إلا وتأتي جماعة أخرى للتوقف حتى يتم الانتهاء من القطعة، وربما كانت هذه الفرجة حافزاً يسعد الحرفي، أكثر مما تبهج المتفرج، لكن تستمر عملية الصنع والإنتاج والبيع والشراء يومياً في كل عام، ويستمر الحرفيون في التوافد، ومنهم من أتى لأول مره هذا العام مثل رضا، وهو يؤكد أنه سيعود في العام المقبل.

اقرأ أيضا