الاتحاد

تقارير

اقتصاد الصين··· ورافعة السوق الداخلية

ضخامة السوق الداخلية الصينية ركيزة قوة اقتصادية

ضخامة السوق الداخلية الصينية ركيزة قوة اقتصادية

يراود ''لي وين''، مدير وكالة سيتروين لبيع السيارات في العاصمة الصينية بكين شعور بالفخر لأنه في الوقت الذي تُسجل فيه مبيعات السيارات في البلاد انخفاضاً كبيراً بسبب الأزمة المالية العالمية استطاع هو الحفاظ على أرقام معقولة، وبدا وكأنه يبحر بعيداً عن مرافئ الركود الذي يخيم حالياً على الأسواق·
والحقيقة أن ''لي وين'' بات نموذجاً لرجل الأعمال الناجح الذي تسعى الحكومة الصينية إلى تعميمه وتشجع الآخرين على الاقتداء به في الوقت الذي تعلق فيه السلطات أملها في مواجهة الركود الاقتصادي على زيادة الاستهلاك الداخلي، وهو ما عبر عنه ''زو جزاوشان''، محافظ البنك المركزي الصيني قائلاً: ''إن تحفيز الاستهلاك المحلي هو العامل الأهم في عملية التأقلم مع الأزمة المالية العالمية، لذا نحن في حاجة إلى تبني سياسات شاملة لدعم أنماط جديدة لإنفاق المستهلكين''·
ويظهر أحد الأساليب التي يعتمدها صاحب وكالة السيارات المذكور، والمتمثلة في توفير إمكانية الحصول على قروض لمشتري السيارات، الصعوبة التي تنطوي عليها محاولة إقناع أمة اعتاد أفرادها على الادخار، بإنفاق أموالها حتى يسترجع الاقتصاد عافيته ويخرج من مأزقه الحالي·
وعادة ما يفضل عملاء ''لي وين'' الذين يريدون شراء السيارات أن يدفعوا السعر نقداً وبالكامل خوفاً من القروض وما قد يرافقها من تعقيدات، لكنه يأمل هذه السنة أن يقنع 20% من عملائه بالحصول على قروض من بعض البنوك التي يتعامل معها، موضحاً ذلك بقوله: ''علينا أن نشجع المستهلكين على اقتناء السيارات، بحيث يتعين على الباعة أن يوفروا الخدمات الكفيلة بتعزيز ثقة المستهلك''· وبتراجع النمو في الصادرات الصينية، وانخفاض الإنتاج الصناعي إلى أدنى مستوى له في الأشهر القليلة الماضية، تأمل الحكومية أن يحافظ الاستهلاك الداخلي على نسبة معقولة من النمو الاقتصادي لا تنزل عن 8% مقارنة مع النسبة المرتفعة في عام 2007 التي وصلت إلى 11,9%· وتشكل نسبة 8% حسب الاقتصاديين المعدل المطلوب من الاقتصاد الصيني تحقيقه لخلق ما يكفي من فرص العمل القادرة على استيعاب قوة العمل المتزايدة أعدادها، بحيث تخشى الصين من التداعيات السياسية للاضطرابات الاجتماعية التي قد يتسبب فيها ارتفاع نسبة البطالة في البلاد·
ولمعالجة الوضع الاقتصادي المتدهور أعلنت الحكومة في شهر نوفمبر الماضي عن خطة قياسية لتنشيط الاقتصاد خصص بموجبها 586 مليار دولار للإنفاق على مشاريع بناء البنية التحتية مثل الطرق والجسور والأحياء السكنية ومحطات توليد الطاقة، التي من شأنها أن تعزز الطــلب في بعــض الصناعات الأساسية كالفولاذ والإسمنت·
ومن شأن تلك المشاريع أيضاً أن توفر أجوراً للعمال يمكن إنفاقها لاحقاً، فضلاً عن الخطوات الأخرى التي اتخذتها الحكومة الصينية لتشجيع الاستهلاك مثل الزيادة في الأجور وخفض الضرائب على القطاع العقاري، بالإضافة إلى التخفيضات المدعومة من قبل الحكومة التي يستفيد منها السكان القرويون لدى شرائهم سلعاً ومنتجات دائمة كالثلاجات والهواتف النقالة وأجهزة التلفزيون·
ولكن على رغم هذه الجهود التي تبذلها السلطات الصينية لتشجيع الاستهلاك يحذر ''آرثر كروبر'' وهو مدير إحدى شركات الاستشارات الاقتصادية في بكين من ''محدودية القدرات الحكومية على إقناع المستهكلين بالإنفاق''· ويضيف ''كروبر'' أن قدرة الناس على الإنفاق تعتمد أساساً على مداخيلهم التي زادت بحوالي 10% في السنة، لكن في الوقت الذي يفقد فيه الكثير من الناس وظائفهم وتختفي الضغوط المطالبة برفع الأجور فإن الأمر يسوء أكثر ويصبح من الصعب تحفيز الاستهلاك· وأكثر من ذلك أنه من غير المعروف حجم الإنفاق الذي سينخرط فيه المستهكلون في أوقات الأزمة حتى لو توفر لهم المال، حيث ارتفعت نسبة الودائع المصرفية في الصين بحوالي 21% في شهر أكتوبر الماضي، مما يشير إلى أن الناس يلجأون إلى الادخار أكثر من استهلاك فوائضهم المالية·
ويرجع ''كزو زينجفي''، مدير المبيعات في أحد المحلات الكبرى، هذه الظاهرة إلى ''انعدام ثقة المستهلكين في الأداء الاقتصادي حتى لو توفرت القدرة الشرائية''· فحسب التقديرات الرسمية يصل معدل الادخار بالنسبة للأسرة الصينية إلى 30% من إجمالي الدخل، وذلك راجع في جزء منه إلى ضعف شبكة التأمين الاجتماعي، بحيث يتعين على الناس الاعتماد على مواردهم الخاصة للإنفاق على الرعاية الصحية وعلى تربية أبنائهم·
ويقول في هذا السياق ''لي في'' الباحث في جامعة ''تشينخوا'' الصينية إنه منذ تراجع سوق الأسهم في الصين وانفجار فقاعة القطاع العقاري ''والناس يدخرون أكثر لعدم شعورهم بالأمان في المستقبل، فقد تراجعت ثقتهم على المدى القصير وأصبحوا أكثر حذراً في الإنفاق''، ويضف الباحث أنه في ظل سيطرة الدولة على الإعلام وخبرتها في مجال الدعاية الاقتصادية تستطيع الحكومة الصينية ''تدبير التوقعات والحفاظ على حد أدنى من الثقة في الاقتصاد''·
ويحذر ''كروبر'' -المذكور أعلاه- في هذا الإطار من أنه حتى تشجيع الاستهلاك الداخلي لن يمتص كامل الضربة التي تلقتها الصين جراء الأزمة المالية العالمية، ذلك أنه حتى لو استمر الاستهلاك في الارتفاع بنسبة 10% كما سُجل في الآونة الأخيرة فلن يتمكن من تعويض الخسارة التي لحقت نمو الصادرات والاستثمارات، ولن يُحدث أيضاً تغييراً جوهرياً في النموذج الاقتصادي الصيني بنقله من الاعتماد على الصادرات والاستثمارات إلى الاعتماد على الاستهلاك كما هو الحال بالنسبة لأوروبا الغربية والولايات المتحدة·

بيتر فورد - الصين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا