الاتحاد

تقارير

العراق··· استقرار مشوب بالحذر!

العراق··· استقرار مشوب بالحذر!

العراق··· استقرار مشوب بالحذر!

شهد العراق العام الماضي تحسناً كبيراً حيث سجلت مستويات العنف تراجعاً ملموساً وأصبح العراقيون يتحكمون أكثر في بلادهم سياسياً وعسكرياً، ولكن الحرب ما زالت متواصلة والمكاسب هشة، في حين ما زالت التفجيرات الانتحارية تمثل تهديداً يومياً تقريباً· والأكيد أن العام الحالي سيشكل اختباراً لقدرة هذه المكاسب على الاستمرار في وقت تبدأ فيه القوات الأميركية انسحابها، ويتنافس فيه الساسة العراقيون على السلطة في بغداد وغيرها، فيما تتقلد إدارة جديدة في واشنطن المسؤولية عن الحرب وهي تدخل عامها السابع·
والحال أن زيادة عدد القوات الأميركية والعراقية، وتعبئة العديد من السُّنة ضد ''القاعدة'' في العراق للعمل مع القوات الأميركية، ووقف إطلاق النار من قبل الميليشيا الشيعية المعروفة باسم ''جيش المهدي''، كلها أمور تضافرت لتنهي الكثير من الاقتتال الطائفي الذي ابتليت به بلاد الرافدين خلال السنوات الماضية· وقد كان تحسن الأمن لافتاً في العاصمة بغداد خاصة حيث أعادت المتاجر فتح أبوابها وشُرع في إزالة الكتل والحواجز الإسمنتية، غير أن الزيادة في عدد قوات الأمن دفعت المتمردين إلى النزوح شمالاً إلى مدن مثل الموصل وبعقوبة حيث الهجمات ما زالت شيئاً مألوفاً، وإن باتت تتركز على قوات الأمن العراقية· وحسب تقديرات منظمات مستقلة، فإن ما بين 6700 و8000 عراقي قُتلوا في هجمات عام ،2008 مما يمثل انخفاضاً بأكثر من 50 في المئة مقارنة مع ،2007 بينما تقدر وكالة ''أسوشيتد بريس'' أن 314 جندياً أميركياً قُتلوا في العراق عــــام 2008 مقارنــــة مع 904 في ·2007
وبمقتضى ''اتفاقية وضع القوات'' الموقعة بين العراق والولايات المتحدة، شرعت بعض القوات الأميركية منذ فترة في الانسحاب إلى قواعد عسكرية رئيسية ينتظر أن تصبح مراكز عسكرية إقليمية· ومن المنتظر أن تغادر القوات الأميركية معظم المدن العراقية بحلول يوليو المقبل، على أن تنسحب بشكل كامل من العراق بنهاية ·2011 وعلى رغم أن أوباما كان قد تعهد خلال حملته الانتخابية بسحب القوات في غضون 16 شهراً بعد توليه الرئاسة، إلا أن عدداً من القادة العسكريين وكبار المسؤولين وخبراء الشرق الأوسط يحذرون من أن التسرع في الانسحاب قد تكون له عواقب وخيمة· وفي هذا الإطار يقول أنثوني كوردسمان، هو زميل بـ''مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية''، في تقرير حديث محذراً: ''إن الواقعية هي السبيل إلى النجاح، وبالتالي، فعلى الزعماء العراقيين والأميركيين أن يتوخوا الحذر الشديد ولا يبالغوا بشأن القدرات العراقية والسرعة التي تستطيع الولايات المتحدة أن تسحب بها قواتها وفرقها الاستشارية من العراق بأمن وسلام··· إن قوات الأمن العراقية ما زالت قيد الإنشـــــاء والإعـــــداد''·
والواقع أن الدبلوماسيين الأميركيين يدركون الحاجة إلى الانتباه إلى المتغيرات قبل إنهاء الاحتلال· وفي هذا السياق يقول السفير الأميركي ريان كروكر، الذي من المنتظر أن يغادر العراق الشهر القادم بعد ترؤسه البعثة الأميركية هناك لعامين: ''علينا أن نكون متيقظين ومنتبهين في وقت تتغير فيه الظروف في العراق ويغير العراقيون تصوراتهم''، مضيفاً: ''حتى الآن قمنا بعمل جيد فيما كان يمكن أن يكون أمراً سيئاً جداً بالنسبة للولايات المتحدة والعراق، وهو تكريس الشعور بأن الولايات المتحدة مصممة على البقاء هنا''· غير أن سرعة انسحاب القوات الأميركية ''أمر يتوقف على كمية العتاد التي سنتركها وراءنا''، كما يقول أحد المسؤولين العسكريين الأميركيين، الذي يقول موضحاً: ''إذا سُمح لنا بترك معظمها، فإننا نستطيع المغادرة بسرعة''· هذا ومن المتوقع أن يقول العراقيون كلمتهم في استفتاء وطني في وقت لاحق من هذا العام بشأن المطالبة بانسحاب القوات الأميركية من عدمها، استفتاء يمكن أن يفضي، في حال إجرائه، إلى إرغام القوات الأميركية على الانسحاب من العراق اعتباراً من منتصف 2010 -وهو إطار زمني شبيه بما كان أوباما قد تعهد به·
وفي هذه الأثناء، يعتقد القادة العسكريون الأميركيون أن ''أبناء العراق'' مجموعة ضرورية من أجل حفظ السلام وأن مآل هذه المجموعة، التي يبلغ قوامها نحو 90000 رجل والمسلحة تسليحاً جيداً، يمكن أن يؤثر على حالة التمرد في البلاد· ذلك أن المجموعة تضم في صفوفها العديد من المتمردين السابقين، وهي مجموعة سُنية في الغالب مولتها الولايات المتحدة في البداية وخرجت من عباءة ''مجالس الصحوة'' في إقليم الأنبار حيث انقلب القادة العشائريون على ''القاعدة'' وانضموا إلى الأميركيين· غير أنهم باتوا اليوم يتلقون رواتبهم من الحكومة ذات الأغلبية الشيعية، التي تعهدت بإدماج العديد منهم ضمن قوات الأمن الرسمية ولكنها ما زالت لا تثق في المليشيات المحلية·
وحتى الآن، ما زال من غير الواضح ما إن كان رئيس الوزراء نوري المالكي يعتزم الاستمرار في دفع الرواتب الحكومية لهم أو تفكيك المجموعة بالكامل· ويُذكر هنا أن المالكي أنشأ مجالس دعم قبلي تمولها الحكومة وتروم أهدافاً مماثلة في المناطق الشيعية، غير أن ''أبناء العراق'' يحذرون من أنه إذا جرى تفكيكهم فإن مصير العديد منهم سيكون إما القتل على أيدي مقاتلي ''القاعدة'' في العراق أو العودة إلى التمرد·
واليوم، بات العراقيون يتحكمون في مصيرهم أكثر من أي وقت سابق منذ أن أطيح بصدام حسين في ·2003 ومع انحسار المخاوف الأمنية، أصبح التركيز منصباً على ما إن كانت انتخابات مجالس المحافظات -المقررة في الحادي والثلاثين من يناير- ستفضي إلى تمثيل أكبر وحكومة أكثر فعالية في النهاية·
ومن المتوقع أن تعيد انتخابات المحافظات، التي ستشمل 14 من أصل أقاليم العراق الثمانية عشر، رسم الخريطة السياسية في العراق إذ يتوقع أن تشارك الأقلية السنية في العراق، التي قاطعت الانتخابات السابقة، بأعداد كبيرة في الاستحقاق المقبل· ومن شأن حكومة أكثر تمثيلاً أن تعني تضاؤل احتمال عودة التمرد السني، ولكنها تعني أيضاً انتكاسة للأحزاب الكردية والشيعية·

جين أراف- بغداد
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا