الاتحاد

الملحق الثقافي

واحد صفر طبق سينمائي غني بكل العناصر

رغم التناقض بين طبقات المجتمع· هناك لحظات يتوحد فيها الجميع· وتنتصر مشاعر الفرح والانتماء وهي حالة التقطتها السيناريست مريم نعوم لتنسج منها تفاصيل أولى تجاربها في السينما الروائية في فيلم ''واحد ـ صفر'' إخراج كاملة أبو ذكري وبطولة إلهام شاهين وخالد أبوالنجا ونيللي كريم وزينة وانتصار وأحمد الفيشاوي وحسين الامام ولطفي لبيب وعمرو سعد واحمد علاء والطفل كامل أشرف·

تدور فكرة الفيلم حول نماذج متناقضة من المجتمع لكل عالمه الخاص وهمومه ومشاكله وطموحه وتسير الأحداث في خطوط متوازية ورغم ذلك يربطها جميعا ظرف زماني وحدث واحد هو يوم المباراة النهائية للمنتخب الوطني لكرة القدم في بطولة افريقيا عام 2006 بين مصر والكاميرون والتي انتهت بفوز مصر ''واحد - صفر''·
واختارت المخرجة كاملة أبوذكري ان تضع المباراة في قلب الأحداث مباشرة وكأننا نرى من خلال الكاميرا ما ترصده من قصص تغوص في حياة أصحابها لنتعرف على معاناتهم من خلال نقلات سريعة وذكية ورغم زحام التفاصيل بدأ الفيلم متماسكاً في نسيجه الدرامي·
كانت الصورة هي الأساس وتراجعت لغة ''الحكي'' أو السرد ومن خلال صور متتالية وقطع سريع عشنا القصص التي انتقتها المؤلفة وطرحت من خلالها رؤيتها الخاصة لأحوال المجتمع· فنجد ''نيفين'' -الهام شاهين- امرأة مسيحية مطلقة وتحلم بالزواج من حبيبها المذيع الشهير ''شريف -خالد أبو النجا- بعد ان اكتشفت انها حامل وهو الحلم الذي طالما انتظرته وتفاجأ برفض الكنيسة ان تمنحها تصريح زواج وينصحها المحامي بإقامة دعوى قضائية ضد الكنيسة التي منحت طليقها الحق في الزواج ومنعتها أو أن تتخلى عن ديانتها أو ملتها· وتكون المفاجأة ان حبيبها لا يفكر في الارتباط بها وليست لديه رغبة في ان يصبح اباً·· ويعلل ذلك بانه لا يقبل الزوج ممن تنفق عليه· ويذهب ''شريف'' المذيع للاستديو ليصور برنامجاً مع مطربة الكليبات الساخنة ''نينا'' (زينة) التي تبدو في حالة حرجة عندما يطلب منها اداء مقطع من أغنية عربية هي ''لولا الملامة'' بلا موسيقى وينكشف صوتها الرديء وتبدو السخرية على ملامح المذيع وتنهار المطربة عندما يهاجمها أحد المشاهير عبر اتصال هاتفي وتنتقل لتسجيل أغنية بمناسبة المباراة ونجدها تستمع لنصائح المخرج والمنتج حسين الامام الذي يوجهها كيف تحرك جسدها بينما هي تردد كلمات الاغنية بلا اي احساس وبعدها تنتقل الى منزل اسرتها لترى والدتها وشقيقتها ''ريهام'' -نيللي كريم- الفتاة المتدينة التي ترتدي الخمار وتكسب عيشها عن طريق إعطاء الحقن لبعض المرضى في البيوت وتنشب مشادة حامية بين الأختين ونرى كيف تعاني كل منهما لتحقيق حلمها ''نينا'' - زينة - تحلم بأن تنتشل أسرتها من الفقر وتنقلهم الى مسكن راق وتمنحهم بعض المال بينما ''ريهام'' ترفض وترى ان شقيقتها انحدرت الى اسفل وتسيء لهم ولا تساعدهم وتطلب منها الابتعاد عنهم بعد ان اصبحت سيئة السمعة· وفي أحد صالونات التجميل نرى ''نينا'' مع الكوافير الشاب ''عادل'' -أحمد الفيشاوي- الذي نعرف من حوار سريع انهما كانا حبيبين ونراه يسرق بعض المستحضرات ويخفيها في دولابه الخاص ويقوم بتوزيع كروت دعايه للمحل الذي ينوي افتتاحه ويرقبه زميل له ويبلغ صاحب الصالون الذي يطرده ويجد نفسه في ورطة لانه لم يكمل محله وينقصه مبلغ ضخم ويسرع الى منزل والدته وهو في حالة إحباط ليستولي على ما معها من مال فلا يجد وبعد مشادة ينهار الاثنان·· الام ''انتصار'' تعمل ''بلانة'' وتساعد في تجهيز العرائس والراقصات وتحاول الاحتيال عليهن ببيع الكريمات والمستحضرات المغشوشة على انها مستوردة وتتعرض لانتقام احدى الراقصات بعد أن أصيب وجهها بالتهابات حادة نتيجة الكريمات المغشوشة أما السايس ''لطفي لبيب'' فهو يستغل عمله في ترويج المخدرات وكذلك حفيده الطفل ''كامل اشرف'' الذي يتعرض لحادث سيارة يوم المباراة حيث يصطدم به المذيع شريف ''خالد أبوالنجا'' الذي اعتاد ان يتعاطى الخمر والمخدرات اثناء القيادة بسرعة جنونية ويحمله ''شريف'' الى المستشفى ولا يجد من يعالجه فالكل مشغول بمتابعة المباراة· ويذهب ''شريف'' الى القسم لعمل محضر بينما تذهب ''ريهام'' نيللي كريم هي وحبيبها بائع ساندويتشات الفول في أول لقاء بعد ان أدعى عليهما أحد امناء الشرطة انهما في وضع مخل وتلجأ ''ريهام'' للاتصال بالسيدة ''نيفين'' الهام شاهين وهي في حالة انهيار وتطلب نجدتها وتلتقي ''نيفين'' مع ''شريف'' مصادفة بالقسم كما يذهب احمد الفيشاوي الى القسم إثر مشادة جرت بينه وبين حسين الامام· ويضطر الجميع الى متابعة المباراة في القسم حيث يرفض الضابط إجراء محاضر الا بعد انتهاء المباراة ويكون حسن حظ الجميع ان تنتهي المباراة بفوز مصر ليعيش الكل لحظات الفرح والسعادة ويعبر كل منهم عن فرحته بفوز مصر وينسى آلامه الخاصة ويقرر الضابط الإفراج عن الجميع·
لجأت المخرجة كاملة أبو ذكري الى تكثيف الأحداث والقطع المفاجئ والانتقال السريع من عالم الى آخر واستخدمت العديد من الأدوات ببراعة وحرفية منها توظيف الأغاني لتخدم السياق الدرامي بصورة مؤثرة كذلك تقديم المفارقة والتناقض في صورة واحدة تنقسم فيها ''الشاشة'' الى نصفين وتميز الإيقاع بالحيوية والسرعة ولكنها احيانا كانت سرعة زائدة جعلت المتابع للاحداث يكاد يلهث ويشعر بالتوتر والقلق لكثرة الصور المتدفقة على الشريط السينمائي والمليئة بالتفاصيل·
وكشفت السيناريست مريم نعوم عن موهبتها في اختيار نماذج شديدة الصدق والعمق واستطاعت ان تضعها في شكل غير تقليدي يخدم الرسالة الأساسية للفيلم لتؤكد ان هؤلاء هم نسيج المجتمع بكل ما فيهم من احباطات وهموم حيث يشتاقون للحظات السعادة والفرح والتي تأتيهم بشكل استثنائي في مباراة نهائي كأس افريقيا لينسى كل منهم همومه ويعيش الفرح بطريقته الخاصة·
قدمت الهام شاهين واحداً من أجمل أدوارها وعبرت باحساس عال عن مشاعر المرأة التي تحلم بأن تلحق بآخر فرصة لتحقيق حلم الأمومة والزواج وجسدت نيللي كريم شخصية الفتاة الشعبية الملتزمة التي تعيش صراعا بين رغبتها في قصة حب بريئة ونظرة المجتمع لها بسبب سوء سلوك اخيها· كذلك زينة واحمد الفيشاوي قدما اداء مميزاً ومنحهما السيناريو فرصة للتنوع بين المشاهد الرومانسية والاكشن وأبدعت انتصار في شخصية الأم المكافحة والتي تتحمل قسوة الحياة بروح مرحة وحرمت على نفسها الزواج لكي ترعى ابنها الوحيد الذي لا يشعر بمعاناتها·· أما لطفي لبيب فقد أدى مع الطفل كامل أشرف بشكل رائع·
ينتمي الفيلم الى نوعية السينما الواقعية·· لكنها واقعية ممزوجة بالجمال والشجن والكوميديا حيث يتحول المجتمع بكل ما فيه من عيوب وعورات الى ''رايه'' للنصر والفرح يلتف حولها الجميع ويوحدهم الانتماء وحب الوطن في لحظة استثنائية قلما يجود بها زمانهم·· ويحسب لجهاز السينما دوره في انتاج فيلم جريء يحمل العديد من عناصر الجودة والتجريب ولا يهتم كثيراً بما يتطلب شباك التذاكر من توابل تجاريه·
لعبت مديرة التصوير نانسي عبدالفتاح دوراً أساسياً من خلال براعتها في توزيع الإضاءة والظلال لتبرز العمق الداخلي للشخصيات بما يلائم الحالة النفسية وجاءت لمسات مهندس الديكور أمين عبدالعاطي لتضيف دلالات درامية موحية ومعبرة عن النماذج التي طرحها الفيلم·
خالفت الموسيقى الصاخبة لخالد شكري الأحداث ونجحت المونتيرة منى ربيع في تحقيق الإيقاع السريع بتنقلات وقطع ولم يفقد الشريط السينمائي تماسكه·

اقرأ أيضا