الاتحاد

الملحق الثقافي

كتاب مثير عن ظاهرة التناص في الأدب العربي

يتناول الدكتور أحمد طعمة حلبي في كتابه الصادر حديثاً ''التناص بين النظرية والتطبيق: شعر البياتي نموذجاً''، قضية مثيرة هي التناص وما يحيط بها من مفاهيم أدبية ونقدية، مبيناً أوجه القرابة بين بعض المصطلحات النقدية العربية القديمة مثل: التضمين والاقتباس والسرقة والمعارضة والمناقضة وبين مصطلح التناص، مؤكداً أن التناص أكثر منها تطوراً وتعقيداً، وهو يحمل طبيعة هذا العصر، ويدل على معان وأنواع أكثر تعدداً وتنوعاً، لافتاً إلى أن رواد الشعر العربي المعاصر استخدموا كثيراً من أشكال التناص قبل أن يصل هذا المصطلح إلى النقد العربي المعاصر، فالسيّاب ونازك الملائكة والبياتي ونزار وأدونيس وغيرهم لجأوا في أحايين عدة إلى نسج بعض قصائدهم على تخوم مصادر ثقافية متنوعة·
بعد أن تناول المؤلف مصطلح التناص في النقد الأدبي، محاولاً الكشف عن الأصول الأولى لفكرة التناص، انتقل إلى ملاحظة هذه الظاهرة كما تبدت من خلال الممارسات النقدية الغربية، ثم عرض لمصطلح التناص في النقد العربي، محاولاً استكشاف الجذر الأول لهذه الظاهرة في النقد العربي القديم، والتي تمثلت بمصطلحات مثل: الاقتباس والتضمين والمعارضة والمناقضة، ثم انتقل للحديث عن التناص في النقد العربي المعاصر من خلال عرض جهود النقاد العرب المعاصرين في هذا المجال، ليلج إلى البحث في المصادر الثقافية المتنوعة التي شكلت مادة التناص في شعر البياتي، وهي: الأسطورة، الدين، التاريخ، التراث الشعبي، الأدب والتصوف، كاشفاً عن الأشكال اللغوية التي اعتمدها البياتي في استحضاره لتلك المصادر الثقافية الستة ومحاورته لها، محاولاً رد تلك الأشكال اللغوية إلى خمسة أنواع: التناص الاقتباسي، والتناص الإشاري، والتناص الامتصاصي، والتناص الأسلوبي وتناص الشخصيات، خالصاً إلى أن أبرز الخصائص الفنية للتناص في شعر البياتي هي: الترميز، والاعتماد على اللاشعور الجمعي، وإثارة الوعي، وإغناء الموقف، وتعميق الفكرة·
الدين والأسطورة
يتناول المؤلف بالتفصيل مصادر التناص في شعر البياتي بدءاً من الدين ''القرآن والحديث'' والأساطير الشرقية القديمة لا سيما ''عشتار'' التي تظهر في صور متعددة ومتباينة، وأسطورة ''جلجامش'' و''العنقاء''، وكذلك الأساطير الإغريقية· ويورد الدكتور حلبي نماذج شتى من شعر البياتي اتكأ فيها أو استلهم معاني القرآن الكريم، كما ورد في قصيدته ''الموت في الحب'' حيث يقول:
أيتها العذراء
هزّي بجذع النخلة الفرعاء
تسّاقطُ الأشياء
تنفجر الشموس والأقمار
يكتسح الطوفان هذا العار
نولد في مدريد
تحت سماء عالم جديد
ويقول: لقد استحضر البياتي في المقطع السابق الآية الكريمة: ''وهزي إليك بجذع النخلة، تساقط عليك رطباً جنياً''، مستغلاً مغزاها الذي يوحي بحدوث المعجزات وخوارق العادات، وهو ما يصبو إليه البياتي أيضاً·
تأثيرات أجنبية
وبعد أن يشير المؤلف إلى حالات التناص بين البياتي وشعراء عرب قدماء ومحدثين من بينهم: المعري، أبو فراس الحمداني، البحتري، الصمة بن عبد الله القشيري، جرير، ديك الجن، ووضاح اليمن، ينتقل إلى تأثيرات الشعر الأجنبي عند البياتي، لاسيما شعر إليوت ولوركا وبول إيلوار ولويس أراغون وناظم حكمت وماياكوفسكي· ويتوقف المؤلف عند التأثير الواضح لإليوت في البياتي، حيث نجد استدعاءات كثيرة لشعر إليوت في مجموعات البياتي الشعرية، فهناك قصيدة ''الرجال الجوف'' التي اقتبس البياتي بعض تراكيبها، كما تنتشر أصداء قصيدة ''الأرض اليباب'' لإليوت في كثير من أشعار البياتي، ففي قصيدته ''الموت في المنفى'' يقول البياتي:
دقت الساعات في قلب الضباب
نبحت عبر الميدان الكلاب
وأنا أدفن رأسي في كتاب
أبداً أسمعك الليلة عبر ألف باب
أبداً تنعب في (الأرض الخراب)
أبداً تأكل من لحمي
وتستلقي على صدري اضطراب
أيها المستنقع الآسن، يا صوت الغراب
يتحقق التناص في المقطع السابق من خلال استحضار عنوان قصيدة إليوت المشهورة ''الأرض اليباب'' أو الخراب، ويكتنز هذا العنوان لدى البياتي بالدلالات، فالوطن بعيد عنه، ويتحول المنفى إلى أرض يباب خراب، تنعب فيه غربان الشؤم، لتزيد من وحشة البياتي، وعذاباته النفسية· وقد كثرت استخدامات البياتي لعناوين بعض قصائد إليوت، أو بعض مقاطعها، وخاصة قصيدتيه (الأرض اليباب) و(الرجل الجوف)· ويبدو أن صورة إليوت عن الرجال الجوف، قد أصبحت من مكوّنات المحصول التخيلي الملازم لتعبيرات البياتي، للدلالة على الإنسان المعادي له، سواء كان شرقياً أم غربياً·
كما توقف المؤلف عند ولوج البياتي في عالم التصوف الإسلامي واقتباسه بعض عبارات محي الدين بن عربي والحلاج وجلال الدين الرومي والسهروردي، وفصل بإسهاب أشكال التناص في شعر البياتي، وقال إن ''كماً غير قليل من هذا الشعر مقتبس من نتاجات سابقة، وليس ذلك بمعيب، ما دام الهدف ليس سرقة نتاجات الآخرين، بل محاورتها والاستفادة منها''·

اقرأ أيضا