الاتحاد

الملحق الثقافي

نسج على منوال ابن المقفع وقدم نموذجاً سبق شكسبير في ترويض النمرة

حظيت قصص الحكمة باهتمام الأدباء قديماً، ولعل أبرز تلك القصص ما تضمه ''كليلة ودمنة''، التي يقال إن ابن المقفع ترجمها عن لغات شرقية أخرى، فيما يؤكد البعض أنه هو صاحبها ومؤلفها الحقيقي، ولكنه نسبها إلى مؤلف من لغة أخرى حتى لا يتحمل وزر ما تضمه من قصص وحكايات موحية تدين بعض الممارسات السياسية في زمنه لو حاول أحدهم أن يحمله هذا الوزر·
هذا الاهتمام بقصص الحكمة من الشرق إلى الغرب، سواء بترجمة ما تضمه كتب قصص الحكمة الشرقية من اللغات العربية والهندية والصينية والفارسية، أو بكتابة قصص على منوالها، امتد لأزمنة أخرى ومناطق جغرافية مختلفة، وانتقل بفعل التأثير والتأثر من الشرق إلى الغرب، وبشكل خاص أوروبا الغربية التي كانت تتوق إلى الخروج من عصور الظلام التي عاشتها في القرون الوسطى إلى عصر التنوير الذي بنت خلاله أسس حضارتها الحديثة والمعاصرة·
كانت إسبانيا الكاثوليكية الأقرب إلى التأثر الشرقي من غيرها من دول أوروبا الغربية، وذلك بفضل ما ورثته عن الحقبة الأندلسية التي كانت فيها شبه الجزيرة الأيبيرية منارة للحضارة والعلوم عندما كانت أوروبا غارقة في الظلام، ويعتبر المؤرخون أن الأمير ''دون خوان مانويل'' أحد أمراء الأسرة المالكة الكاثوليكية الحاكمة في القرن الثالث عشر كان أول من اهتم بفن كتابة القصص والحكايات في إسبانيا الكاثوليكية بعد سقوط الممالك العربية في غرناطة بقليل·
كان معروفا عن الأمير دون خوان مانويل أنه عاشق لكل ما خلفته الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، وبشكل خاص الأدب الذي كان يقدره ويرى فيه حكمة تعكس فكر هؤلاء الذين أقاموا تلك الحضارة الباهرة في أوروبا، ولم يكن يرى في هزيمتهم واندحارهم أمام الجيوش الغازية الكاثوليكية حطا من قدر هؤلاء، لذلك أراد أن يستفيد المسيحيون من تلك الحكمة التي خلفوها، فأمر بجمع كل الحكايات والقصص وطبعها في كتاب باسم ''حكايات الكوندي لوكانور''·
وربما كان ذكياً ذكاء ابن المقفع، أو خائفاً من عاقبة نسب تلك القصص إليه، فقرر ألا تكون تلك القصص على شكلها الذي تم جمعها به فتقابل بالرفض من الشعب المسيحي الكاثوليكي المتعصب، الذي كان لا يزال ينظر إلى العرب والمسلمين على أنهم أعداء لم تجف في أيديهم الدماء التي أراقوها في حروبهم مع الكاثوليكيين، لذلك قرر الأمير أن يضعها في إطار يجعلها أقرب إلى قصص ''كليلة ودمنة'' من الناحية الفنية، ويقربها من العامة باعتبارها قصصا تخص نبلاء إسبانيا المسيحية، وإن كان الكثير من أبطال تلك الحكايات من العرب·
اخترع الأمير دون خوان مانويل شخصية ''الكوندي لوكانور'' وتابعه ''باترونيو'' ليقرب تلك القصص بحكمتها من العامة، فكان يقص النبيل ''الكوندي لوكانور'' على تابعه موقفاً من المواقف التي تواجه بعض أصحابه أو رعاياه رداً على سؤال حول موقف من مواقف الحياة التي يتعرض لها أحد رعاياه، وتنطوي القصة على مشكلة ما والنبيل يطلب من تابعه المشورة حول كيفية نصح الصديق أو التابعين الذين لجأوا إلى الكوندي للتوصل إلى حل معقول ومقبول لمشكلتهم، من دون أن يكلف الصديق أو الرعية جهداً كبيراً في فهم النصيحة·
يبدو في تلك الحكايات والقصص أن ''باترونيو'' تابع الكوندي كان حكيماً، وعلى قدر كبير من الخبرة بالحياة، يقدم لسيده المشورة من خلال قصة من القصص أو حكايات من الحكايات القديمة، التي تحتوي على عظة أو حكمة معينة، ولأنه لا يستطيع أن يبدو ناصحاً لنبيل بفعل اختلاف الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، كان يطلب من سيده أن ينصت وأن يستخلص من الحكاية حلاً مشابها لما تحتويه مشكلة من طلبوا عون الكوندي·
وبما أن التابع ''باترونيو'' كان شخصية تتمتع بثقافة واسعة، فقد كانت تلك الشخصية في كتاب الأمير دون خوان مانويل تحاول أن تستخلص العظات والحكم من القصص الشفهي في إسبانيا، والتي في معظمها متوارث عن الأدب العربي والإسلامي في الأندلس·
ومن تتبع تلك الحكايات، نجد أن التصريح بأن تلك الحكاية وقعت لهذا التاجر العربي أو ذاك من الأمور الطبيعية جداً في هذا الكتاب، الذي يبدو في النهاية كجمع ثري للحكايات العربية التي كانت منتشرة في الأندلس قبيل سقوطها، أو حتى حكايات وقصص وقعت لشخصيات مسيحية أوروبية عندما وقعت في أسر بعض القادة المسلمين، وواجهوا الأسر بكرامة، لكنه يبين ـ على غير العادة في كتابات تلك الفترة التاريخية التي يعود إليها تاريخ نشر الطبعة الأولى من هذا الكتاب ـ أن قادة المسلمين وبشكل خاص الناصر صلاح الدين عاملوا الأسرى المسيحيين بالقدر الذي يستحقونه، لأن الشخصيات المسيحية في هذه الحكايات في الغالب تنتمي إلى طبقة النبلاء·
والغريب أن بعض تلك الحكايات تشبه كثيراً بعض الإنتاج الأدبي المعروف حالياً في أوروبا، والذي أبدعه أدباء قدامى في التاريخ أقرب إلى الفترة التي نشر فيها الأمير دون خوان مانويل كتابه ''الكوندي لوكانور''، مثل بعض الأعمال لثربانتيس الإسباني صاحب رواية ''دون كيخوتة''، التي تعتبر أول رواية أوروبية وضعت قواعد القص الروائي، أو حتى من أعمال المسرحي الإنجليزي الشهير ''وليم شكسبير''· ومن أكثر القصص تشابها في هذا الأمر قصة بعنوان ''ما جرى للفتى الذي تزوج من امرأة عنيدة وسيئة الطباع'' التي يضمها كتاب ''الكوندي لوكانور''، وتشبه كثيراً مسرحية ''ترويض النمرة'' للكاتب الإنجليزي الشهير ''شكسبير''، ونظراً إلى وجود دلائل تؤكد أن هذا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة هذا العام، لا يعرف أحد ولا حتى الناشر المعاصر رقمها، وهو كتاب تم طبعه في العديد من البلاد الأوروبية، وتمت إعادة طبعة عشرات المرات، بل مئات المرات في إسبانيا، ويعتبر من كتب التراث الأدبي الشهيرة التي تلقى رواجاً، وهناك دلائل تؤكد أن هذا الكتاب تم ترجمته إلى عدد من اللغات الأوروبية مما يجعل من المستحيل القول إن وليم شكسبير لم يطلع عليه، أو حتى لم يسمع عنه، وهنا لا بد من القول إن هذا الكتاب ربما كان له تأثيره على المسرح الإنجليزي الذي استوحى منه ـ على أقل تقدير ـ مسرحيته ''ترويض النمرة''·
ولو وقع هذا الكتاب بين يدي باحث يغوص في أعماقه وأعماق الأدب الأوروبي بحثاً عن تأثيرات واضحة للأدب العربي لوجد أن هناك العديد من الأعمال الأدبية والفنية التي اتخذت من هذا الكتاب مرجعاً أو ملهماً لها، وذلك بفضل عشق أمير من الأسرة المالكة الكاثوليكية للثقافة العربية، على الرغم من العداء الذي كان مستحكماً بين الثقافتين المسيحية والإسلامية الناتج عن صراعهما في الأندلس، وأيضا يؤكد أن الحضارة الإسلامية على الرغم من هزيمتها في الأندلس، إلا أنها استطاعت أن تترك أثراً لا يمحى في عقول الكثيرين، الذين استطاعوا أن يتعاملوا معها كقيمة إنسانية بغض النظر عن الموقف المعادي سياسياً لمن أبدعوها، لأن التأثر هنا يكون من حضارة سابقة أكثر تقدماً، ويمكنها أن تكون عاملاً مساعداً لبناء الحضارة الجديدة التي هي هنا الحضارة التي كانت تبحث عنها أوروبا المسيحية للخروج من ظلام القرون الوسطى·

ما جرى للفتى الذي تزوج من امرأة عنيدة وسيئة الطباع

في يوم من الأيام تكلم الكوندي (الكونت) لوكانور مع مستشاره باترونيو فقال له:
''باترونيو، قال لي أحد رعاياي إنهم عرضوا عليه الزواج من امرأة ثرية جداً، على الرغم من أنها من مرتبة أعلى منه، فهو يرى في هذا الزواج خيراً له، إلا أن هناك مانعاً وحيداً: إنهم قالوا له إن تلك المرأة كانت أكثر نساء الدنيا عناداً ونزقاً، وأنا أطلب منك الآن النصح حتى أقول له إن كان يتزوج من تلك المرأة، التي يعرف طباعها، أم أقول له ألا يفعل''·
قال باترونيو: ''سيدي الكوندي لو كان الأمر كما وقع من ابن رجل طيب من المسلمين، فانصحه أن يتزوج منها، أما إذا لم يكن الأمر كذلك، فلا تنصحه بأن يفعل''·
رجاه الكوندي أن يقص عليه ما كان من أمر ذلك الفتى المسلم·
قال له باترونيو إنه كان يعيش في إحدى المدن رجل مسلم شريف وله ولد، كان الفتى من أفضل فتيان الدنيا، لكنه لم يكن ثرياً بالقدر الذي يساعده على أن يحقق أحلاماً كبيرة كما كان يود، وهذا كان يزعجه كثيراً، لأنه كان يمتلك العزيمة، لكن تعوزه الوسائل·
في تلك المدينة نفسها كان يعيش مسلم آخر من مرتبة أعلى وأكثر ثراء من والد ذلك الفتى، وكانت له ابنة وحيدة، لكنها كانت على العكس تماماً من صفات ذلك الفتى، بقدر ما كان للفتى من صفات حميدة كانت للفتاة صفات رديئة، لهذا السبب فإنه لم يجرؤ أي رجل على الزواج من تلك الشيطانة· وقف ذلك الفتى الطيب جداً أمام أبيه وقال له إنه يعرف أنه ليس بالثراء الكافي ليعطيه ما يحتاجه ليعيش في سعة، وحتى لا يعيش في شظف ولا يضطر إلى الهجرة من بلاده، فإنه يرى من الأفضل له أن يبحث له أبوه عن زوجة طيبة تمكنه من تحسين أحواله· قال له الأب أنه سوف يسعد كثيراً أن يقبل بزوجة طيبة، حينئذ قال له الفتى إنه لو وافق، يمكنه أن يحاول مع ذلك الرجل الفاضل ليزوجه من ابنته تلك· عندما سمع الأب ذلك، تعجب كثيراً، وقال له إنه مادام يفكر في هذه، فليعرف أنه لم يرغب أحد في الزواج منها، مهما كان فقره و بؤسه، فقال له الابن إنه على استعداد للزواج منها لو تطوع الأب وقام بواجب الخطوبة، من فرط إلحاح الابن، على الرغم من دهشة الأب، إلا أنه قبل الأمر·
وتوجه الأب بعد ذلك إلى الرجل الطيب، الذي كان على علاقة ود به، وقص عليه ما وقع من ابنه، ورجاه أن يقبل جرأة ابنه على طلب يد ابنته، وأن يتيح له الفرصة· عندما سمع الرجل الطيب كلام صديقه، قال له:
ـ بحق الله، يا صديقي، لو أنني قبلت هذا لكنت بئس الصديق لك، لأن لك ابناً من أفضل الفتيان، ولو أنا قبلت أن يمس بسوء أكون غير أمين معك، لأنني واثق أنه لو تزوج من ابنتي فإنه سيموت، أو أنه سوف يفضل الموت عن الاستمرار في الحياة معها· أرجو ألا تأخذ كلامي هذا على أنه رفض لطبلك، لأنك لو أردت فإنني أوافق على أن يأخذ ابنتي من البيت·
قال له ذلك الصديق أنه يكون ممتنا كثيرا لو أنه وافق على ما يقول، ورجاه أن يوافق على تلك الزيجة مادام ابنه يرغب فيها·
تم الزفاف، وحملوا العروس إلى بيت زوجها· المسلمون عندهم عادة إعداد العشاء للعروسين، ووضعه على المائدة، وتركه في البيت حتى اليوم التالي، وهذا هو ما فعلوه مع هذين العروسين، لكن أبوي العريس والعروس وأمهاتهما وأقاربهما كانوا في كرب كبير، فكروا أنهم سوف يعثرون على العريس ميتا أو في سوء عظيم·
عندما بقي العروسان في البيت منفردين، جلسا إلى المائدة، وقبل أن تنطق العروس حرفا، نظر العريس حول المائدة فشاهد كلبا، فأمره بغضب: ''أيها الكلب هات لنا ماء لنغسل أيدينا''، لكن الكلب لم يتحرك، فازداد غضبه، وقال له بعصبية أشد أن يحضر لهما ماءً ليغسلا أيديهما، لم يتحرك الكلب لتنفيذ الأمر، عندما وجده لا يفعل ما يأمره به، ترك المائدة مهتاجا، وسل سيفه، وتوجه إلى الكلب، حين رآه الكلب متجها نحوه انطلق هاربا، وتبعه العريس، وتقافز كلاهما على الملابس والمائدة والنار، ظل العريس يطارد الكلب حتى لحق به وقطع رأسه وسيقانه، ومزقه إربا، ولطخ كل البيت بدمه، ثم عاد إلى المائدة، نظر حوله، فرأى قطا فأمره أن يحضر ماء ليغسلا أيديهما، ولأن القط لم يفعل ما أمره به قال له:
ـ كيف، أيها الخائن، ألم تر ما فعلته بالكلب لأنه لم ينفذ ما طلبت منه؟ أنا أؤكد لك إن لم تأتني فورا بما طلبت لفعلت بك ما فعلت بالكلب·
ولأن القط لم يفعل، وقف وأمسكه من سيقانه وقذف به باتجاه الحائط، ومزقه أكثر من مائة قطعة، مبدياً غضباً أكثر مما فعل مع الكلب·
ثم عاد إلى المائدة حانقا مغتاظا، على وجهه إمارات الغضب، نظر في جميع الاتجاهات، ثم إلى العروس، التي ما أن رأته يفعل ذلك حتى اعتقدت أنه مجنون، فلم تنطق بكلمة واحدة، عندما نظر العريس من حوله رأى فرساً كان في البيت، فقال له بحنق شديد أن يأتيه بماء ليغسلا أيديهما، لكن الفرس لم يفعل، عندما رأى أنه لا يتحرك قال له: ـ كيف، أيها الفرس، هل تعتقد لأنني لا أملك غيرك قد أتسامح معك لو لم تفعل ما أمرتك؟ سأقتلك شر قتلة كما فعلت مع من سبقوك، ولن أرحم كائناً من كان لو لم يفعل ما آمره به·
ظل الفرس ساكنا، عندما رأى أنه لا يتحرك ليقوم بما أمره به، اقترب منه وقطع رأسه، وبكل ما يملك من حنق مزقه إربا·
عندما شاهدت المرأة قتله للفرس ولم يكن هناك كائن آخر، وأنه قال إنه سوف يفعل ذلك مع كائن من كان لو لم ينفذ ما يأمره به، فكرت أن الأمر لم يعد يحتمل الهزل، ومن فرط رعبها لم تكن تعرف إن كانت ميتة أم أنها مازالت على قيد الحياة·
أما هو فإنه عاد إلى المائدة حانقاً وملطخاً بالدماء، مقسماً غليظ الايمان، أنه لو كان لديه ألف فرس وألف رجل وألف امرأة في بيته لسوف يقتلهم جميعا لو توانوا عن تنفيذ أوامره، جلس ثم نظر من حوله في جميع الجهات، فيما كان السيف على ركبتيه يقطر دماً·
ثم نظر بعد ذلك من حوله مرة أخرى فلم يجد كائناً يتحرك، فوجه بصره بقوة نحو عروسه وقال لها بحنق شديد، والسيف مشهر في يده: ''قومي وأحضري ماء لأغسل يدي''·
لم تكن تنتظر المرأة شيئا آخر غير تمزيقها إربا، وقفت بسرعة كبيرة وأحضرت ماء ليغسل يديه، فقال لها: ''كم أحمد الله أنك نفذت ما أمرتك به، لأنك لو لم تفعلي بعد ما أصابني من جنون بسبب هؤلاء، لفعلت معك ما فعلته بهم''· ثم أمرها أن تقدم له الطعام، ففعلت، كلما قال شيئا، كان يقوله لها بكل غضب وبلهجة شديدة، حتى أنها اعتقدت أن رأسها سوف يتدحرج على الأرض في أي لحظة، وهكذا أمضت الليلة، ولم تنطق بكلمة واحدة، ونفذت كل ما أمرها به·
بعد أن خلدا إلى النوم قليلاً، قال لها: ''إنه بسبب ما وقع في تلك الليلة فإنه لن يستطيع أن ينام جيدا، فعليها أن تحترس ألا يوقظه أحد في الصباح، وأن تعد له إفطاراً جيداً''·
حين طلع النهار، وقف الآباء والأمهات والأقارب بالباب، لم تكن هناك أدنى حركة، اعتقدوا أن العريس ميت أو جريح، وحين شاهدوا العروس من فتحة الباب ولم يشاهدوا العريس، تأكد لهم اعتقادهم، وحين رأتهم العروس أمام الباب، همت للقائهم بخفة وخوف شديدين، وقالت لهم على الفور: ''أيها المجانين، ماذا تفعلون، كيف وصلتم إلى هنا؟ لا تصدروا ضجيجا، أصمتوا، وإلا، فإنكم وأنا سنكون في عداد الأموات''·
حين سمعوا هذا، ملأت الفرحة قلوبهم جميعا، وحين علموا كيف أمضيا الليلة، قدروا الفتى كثيرا، لأنه قام بما أملاه عليه واجبه، وسيطر على بيته جيدا، ومنذ ذلك اليوم تحولت المرأة إلى امرأة مطيعة، وعاشا حياة سعيدة·
بعد أيام قليلة حاول والد الفتاة أن يفعل ما فعله زوج ابنته، فقتل مثله فرسا، لكن زوجته قالت له:
''أخطأت يا سيد فلان، لقد جئت متأخرا، لأنه لن يفيدك في شيء أن تقتل مائة فرس، كان عليك أن تفعل هذا مبكرا، فنحن الآن يعرف كل منا الآخر''·
أنت سيدي الكوندي، لو أن تابعك هذا يريد أن يتزوج تلك المرأة، فإذا كان مثل على شجاعة مثل ذلك الفتى المسلم، فانصحه بأن يتزوج، لأنه سوف يعرف كيف ينظم حياته، لكن إن لم يكن مثل ذلك الفتى، فقل له ألا يحاول، وإن كنت أطلب منك أن تتعامل مع من تتعامل معهم بالطريقة التي تبين لهم كيف تريدهم أن يتعاملوا معك·
أخذ الكوندي هذه الحكاية على أنها نصيحة مفيدة، ونفذها، فكانت النتيجة طيبة·
ولأن السيد خوان رأى في هذه القصة مثالاً طيباً، فقد أمر بتدوينها في هذا الكتاب، وكتب هذه الأبيات الشعرية التي تقول فيها:
إن لم تبين منذ البداية من تكون
لا تستطيع فعل ذلك أبدا حتى لو أردت·

ما حدث لكوندي بروفنسا الذي جرى إطلاقه من السجن بسبب نصيحته لـ صلاح الدين

تحدث الكوندي لوكانور في يوم من الأيام مع باترونيو، مستشاره فقال له:
باترونيو، قال أحد رعاياي لآخر في يوم من الأيام إنه يريد الزواج من إحدى قريباته، ولأنه يريد أن أقدم له نصيحة نصوح فقد طلب مني أن أنصحه بما هو خير له، قائلاً لي إنه هو الذي يطلبون منه قريبة لتكون زوجة، ولأنني أريد لهذا الرجل أن يتخذ سواء السبيل، وأنت تفهم في هذه الأشياء، فإنني أطلب منك أن تقول لي ما تعتقده حتى أقدم له النصيحة التي ترضيه·
قال باترونيو:
سيدي الكوندي لوكانور، حتى تستطيع تقديم نصيحة كل من يريد الزواج من قريبته بشكل طيب، أحب أن تعرف ما لحدث كوندي بروفنسا مع صلاح الدين، الذي كان سلطانا على مملكة بابل·
فطلب منه الكوندي أن يقص عليه ذلك·
قال باترونيو:
ـ سيدي الكوندي لوكانور، يحكى أنه كان في بروفنسا كوندي طيب جدا وكان يتوق إلى فعل أي شيء في سبيل الله ليجزيه الله خيرا ويحصل على الرضاء الأبدي وتدخل روحه الجنة، وأن يقوم بأعمال تزيد من ثروته وسلطته وتعطيه كرامة· وحتى يمكنه أن يقوم بذلك فقد جمع جيشاً كبيراً ومجهزاً وقاده باتجاه الأراضي المقدسة، وكان يعتقد أنه مهما حدث له فإنه سوف يعتبر نفسه محظوظاً، لأن ما يحدث له سوف يكون أثناء جهاده في سبيل الله، لأن لله معجزاته الخفية فإنه يمتحن أحياناً بعض عباده الصالحين، فإذا نجحوا في الامتحان فإنه يزيدهم من الثراء والسلطة، ولذلك فقد رأى الله أنه من المفيد أن يمتحن كوندي بروفنسا فأوقعه في أسر السلطان·
وعلى الرغم من أنه كان أسيراً إلا أن السلطان صلاح الدين عندما عرف كرم الكوندي فقد عامله بما يليق به من العزة والكرامة، وكان إذا أراد أن يقدم على فعل مهم كان يطلب من الكوندي النصح، وكان الكوندي يبذل الجهد ويسدي النصح حتى نال ثقة السلطان، مما جعل له تأثيره عليه على الرغم من الأسر الذي كان فيه، وكان يتمتع لدى صلاح الدين بما يكاد يساوي نفوذه في بروفنسا·
عندما خرج الكوندي من بلاده كان قد ترك خلفه ابنة صغيرة جداً، ولأنه ظل أسيراً لفترة طويلة فقد كان الطفلة قد بلغت سن الزواج، فقامت زوجته الكونديسة وأقاربه بالكتابة له لإبلاغه بأسماء أبناء الملوك والنبلاء الذين يطلبون الزواج منها·
في يوم من الأيام ذهب إليه صلاح الدين ليتجاذب أطراف الحديث مع الكوندي، بعد أن كان قد توصل إلى حل لبعض الأمور التي وضعها السلطان بين يديه، فحدثه الكوندي قائلاً:
ـ سيدي، عظمتكم تفعلون معي أجمل وأكرم الأشياء، وتثقون في عظيم الثقة، مما يجعلني عاجزاً عن رد ما تفعلونه معي بخدماتي التي أقدمها لكم، وعظمتكم تطلبون مني النصح لما يعن لكم من مشاكل، وأنا أقدم لكم أفضل ما أعرفه، والآن أرجو منكم النصيحة في أمر يؤرقني·
شكر السلطان للكوندي كلماته، وقال له إنه على استعداد لنصيحته عن طيب خاطر، وإنه على استعداد لمد يد المساعدة له إذا كان ذلك في إمكانه·
حينئذ حدثه الكوندي عن خطاب ابنته، ورجاه أن ينصحه و يخبره عن أفضل المتقدمين لها ليزوجها له·
فأجابه صلاح الدين:
ـ يا كوندي، أنا أعرف أن ذكاءك يجعلك تفهم الكلمات القليلة التي سأقولها لك· وفي هذا الموضوع سوف أقدم لك النصيحة طبقاً لرأيي الخاص، فأنا لا أعرف خطاب ابنتك، ولا أنسابهم ولا قوتهم، ولا مواهبهم ولا حتى علاقتهم بك، ولا أعرف أياً منهم أفضل من الآخرين، لهذا لا أستطيع أن أكون موقناً من مدى صلاحية نصيحتي، وكل ما أقوله لك أن تزوج ابنتك من ''رجل''·
شكره الكوندي كثيراً، وفهم جيداً مغزى كلمات السلطان، فأجاب زوجته وأهله بنصيحة السلطان، قائلاً لهم أن يسألوا عن عدد الفرسان في إقطاعيته، وكيف حالهم، وما هي عاداتهم، وما هي شمائلهم، وطلب منهم ألا ينظروا إلى ثرواتهم وسلطاتهم، وعليهم أن ينظروا فقط إلى الذين يثقون في قدراتهم الشخصية، وطلب منهم أن يبحثوا هذه الأمور حول أبناء الملوك والسادة الذين يأملون في الزواج من ابنته·

اقرأ أيضا