الاتحاد

الملحق الثقافي

أسطورة نرجس··· والنرجسيّة

من ذلك، إلاّ قليلاً· إنّ الثقافة الإنسانيّة واسعة، ومتنوّعة، وأعمارُنا قصيرة، وطاقاتنا الذهنيّة مجهودة، وذواكِرُنا محدودة التخزين·
وكما عُرِف العرب بالشجاعة والكرم والشهامة، وبالشعر والخطابة والفصاحة، فقد عُرفتْ أمم أخرى بخِلالٍ امتازتْ بها، فأهل الهند عُرفوا بالصبر والحكمة، وأهل يونان عرفوا بنسْج الأساطير قبل أن ينتقلوا إلى الفلسفة···
والذي يعنينا، أسطورة جميلة من أساطير أهل يونان شاعت اليوم في الثقافة الإنسانيّة كلّها، وهي أسطورة ''نرجِس''، وهي تُكتب باليونانيّة: Narkissos ، فقد أمسى كثير من الناس، حين يتحدّثون عن شخصٍ أنانيّ، أو يُغالي في محبّتَه لنفسه، تبلغ حدّ الهوَس والمرَض، يطلقون عليه صفة ''النرجسيّ''·
غير أنْ لا أحدَ من أوساط المثقفين، يتساءل عن نرجس هذا، وهل هو شخص حقيقيّ، أو أسطوريّ؟ وما شأنه؟ وما ذا كان يفعل في حياته من سَوْءَاتٍ حتّى شبّه الناسُ به كلّ مولَعٍ بحبّ نفسه إلى حدّ المرَض؟ وما علاقةُ الوردة المشمومة التي نطلق عليها ''النَّرْجس'' بشخصيّته الأسطوريّة؟ وكيف استحالت الأسطورة إلى مبادئَ وأفكارٍ يُقِيمُ عليها فرويد نظريّة ''النرجسيّة''، ثم تبِعه آخرون أمثالُ فرنسواز دولطو، وجاك لاكان؟···
وواضح أنّ نرجسَ هذا هو من ابتداع الخيال اليونانيّ المجنّح الذي يربطه، بشبكة عجائبيّة من الشخصيّات الْميثولوجيّة الأخرى···
وتزعم الأسطورة الإغريقيّة أن رجلاً كان اسمه نرجسَ، وكان جميلاً متناهيَ الجمال، ولم يستكشف جمالَ وجهه إلاّ بمصادفة وقعتْ له··· هنالك شُغِف بعشْق نفسه، حتّى أفناه ذلك العشق العجيب فتَلِفَ منه، وفي المكان نفسِه الذي تلِف فيه نبتتْ تلك الوردةُ الجميلة التي اتّخذتْ اسمَهُ·
وقد كانت الحوريّة التي عاقبتْها هِيرا، في شبكة العَلاقات الأسطوريّة، (وهيرا هي الزوجة الثالثة، لزوس) بألا تتحدّثَ أوّلاً أبداً، لثرثرات بدرتْ منها لم تُعجبْها فيها، بل تُردّد فقط مقطعين أخيرين ممّا تسمع من الكلام (أسطورة تفسير الصّدى من منظور الميثولوجيا اليونانيّة): أحبّتْ نرجسَ الذي لم يلتفتْ إليها، ولا عشِقها، بل ظلّ يعشَق وجهه إلى أن مات شُفُوفاً من أجله·
ولقد أصبحت النرجسيّة مرتبطةً ارتباطاً محسوساً بالمبالغة في استعمال المرآة بعد أن كان نرجس لا يستعمل إلاّ صفحة الماء لعشْق سَحْنته من وجهة، كما أصبحتْ مرتبطةً ارتباطاً نفسيّاً بالمبالغة في حبّ الذات إلى حدّ الهوس من وجهة أخرى·
إنّ أسطورة نرجس في غاية الطرافة والجمال والغَناء معاً، ولذلك تحوّلتْ إلى نظريّة من نظريّات علم النفس تتّصل بتفسير الأحلام، ووظيفة حبّ ''الأنا'' (الذي نشأ عنه مرَضُ الأنانيّة)، وطبيعة العَلاقة بينهما· وهي في الميثولوجيا اليونانيّة أجملُ بكثير مما تمحّلتْه نظريّات علم النفس التي حاولتْ تفسير بعض التصرّفات البشريّة التي تنحو نحو الشُّذوذ خصوصاً·

اقرأ أيضا