الاتحاد

الملحق الثقافي

أوجاع العالم

''وجدنا أنفسنا في عالم حرب الهويات حيث الكلّ يشهر انتماءه العرقي في وجه الآخرين كالسلاح الفتاك·· الكلّ يحشد بني قومه ويعتبر الأقوام الأخرى من أتباع المكّار إبليس· هل ثمة شيء آخر يمكن أن نقوله؟ إن الخصوم في عالمنا اليوم لا يملكون أي قاسم مشترك''· هكذا كتب أمين معلوف في كتابه ''جنون العالم'' الصادر هذه الأيام بباريس· ليس الكتاب رواية بل هو كتاب تأريخ لأوجاع العالم· وهو كتاب تأمّلات في ما آل إليه أمر الدنيا بعد انهيار الشيوعية وغلبة الرأسمالية التي فقدت اتزان عقلها بالتمام والكلية· يجزم المؤلف بأن الصراع كان يجري، قبل سقوط الشيوعية، بين الأيديولوجيات· وكان الحوار وقتها ممكنا· أما اليوم فصار صراعا طاحنا بين الهويات· وفي صراع الهويات هذا لا مجال للحوار أصلا· لذلك جاء الكتاب في شكل محاسبة عنيفة للعالم المعاصر ورصد لتناقضاته التي تطحن الشعوب وتسحق آمالها في أي خلاص ممكن أو محتملٍ· فالجنون يطبق على العالم ويستبدّ بناسه أفرادا وجماعات·
ثمّة في الكتاب تأسٍ على ما آل إليه الوضع في البلدان العربية والإسلامية· لذلك يتناول ما حدث في الخمسين سنة الأخيرة· يتناول الحقبة الناصرية وما رافقها من طموحات وأحلام سرعان ما تفتّتْ مِزَقاً ولم تخلّف غير الهبوط والمرارت· ويتأمّل الطريقة التي بموجبها فقَدَ شعار القومية العربية بريقه وانطفأ مخلّفا الباب واسعا أمام الأصولية· وانهار معه الحلم بميلاد قائد بطل يواجه الغرب ويسطّر أمجاد العرب من جديد· بل إن هذا الحلم الخُلّب هو الذي أدّى في نظر أمين معلوف، إلى هزائم ظلت تتوالد لا تكلّ· لقد وقف العرب على الشفا الخطير، شفا الكارثة المروّعة· لكنهم لم يصلوا إلى منطقة الخطر فرادى، فالغرب وصل هو الآخر إلى تلك التخوم· يكتب أمين معلوف: ''يمكنني أن ألوم العرب على تراخي ضميرهم· والغرب ملامٌ أيضا لأنه حوّل ضميره إلى وسيلة غلبة وقهر''· ونقرأ أيضا: ''الحضارة الغربية كانت دوما خالقة قيم كونية، لكنها فشلت فشلا ذريعا في ترويج هذه القيم· والبشرية تدفع الآن ثمن هذا الإخفاق''· هكذا تأتي الإدانة صارخة· لا سيما أن الكاتب يذهب إلى أن الغرب هو المسؤول عن العلاقة المتوتّرة بين شمال البحر الأبيض المتوسّط وجنوبه· بل إنه يصل إلى حدّ الجزم بأن ما يسميه خيانة الغرب هي التي قادت العالم إلى أتون الجنون· والجنون هو الطريق المؤدية إلى ويلات ورزايا أكثر عنفا وأشدّ مضاء·
إن كتاب ''جنون العالم'' كتاب إشهادٍ على أن بني البشر أجمعين يعيشون في حالة حصار فظيع· وهو أيضا كتاب إدانةٍ للتاريخ المعاصر الذي لا يختلف كثيرا عن عصور ما قبل التاريخ في فظاظته وغلظته ووحشيته· لذلك يجزم الكاتب بأن لا خلاص ولا رجاء، وحده ''الضمير العالمي'' يمكن أن يخلّص الدنيا من أوجاعها والعالم من جنونه·

اقرأ أيضا