الاتحاد

الملحق الثقافي

العالم حسب ك ·· صورة برنار كوشنار المهدّمة

صدر هذا الكتاب الذي صنع الحدث يوم 4 فبراير ،2009 وأثار جدلا سياسيّا وإعلاميّا مدويّا· ومؤلفه بيار بييان، هو صحفيّ وكاتب فرنسي شهير، مختصّ في التحقيقات وصحافة الاستقصاء، وسبق له أن نشر كتبا أخرى كثيرة قيّمة أثارت كلها زوابع، كالكتاب الذي خصّصه لإظهار الوجه الخفيّ لجريدة ''لوموند'' ذائعة الصيت، أو الكتاب الذي كشف فيه عن تلقي الرّئيس الفرنسي سابقا، فاليري جيسكار ديستان هدايا ثمينة من الألماس من بوكاسا إمبراطور إفريقيا الوسطى آنذاك ·
أماّ كتابه الجديد فقد تضمّن مجموعة كبيرة من المآخذ والنقد اللاذع لمواقف الوزير وتصرّفاته الشخصيّة والماليّة، واتهامات صريحة له بالولاء للحلف الاميركي البريطاني، وسعيه لإنهاء استقلالية السياسة الخارجيّة الفرنسيّة، إلى جانب إبراز جشعه المالي وعقد الصفقات· ومن الأمثلة البسيطة التي أوردها الكتاب أن برنار كوشنار، لما كان نائبا في البرلمان الأوروبي، ومقره مدينة ستراسبورغ شمال شرق فرنسا، فإنه تعمد التمويه وذكر مقر إقامته في جزيرة كورسيكا بأقصى الجنوب، وليس باريس (وهو مقر إقامته الحقيقي)، وذلك ليحصل على مبلغ مالي اكبر·

في مقابلة لرياضة ''الرجبي'' خلال عام ،2007 بين المنتخبين الانجليزي والفرنسي، وقف برنار كوشنار وزير خارجيّة فرنسا - وكان حاضرا في الملعب - احتراماً وإجلالاً، عند عزف النشيد الوطني الانجليزي: ''ليحمي الله الملكة''، وردّد بعض كلماته· وعند عزف النشيد الوطني الفرنسي: ''لامرسيّاز''، بقي جالسا، مرابطا في مكانه ولم يقف·
هذه الحادثة المحمّلة بالرموز التقطها بيار بييان ليستدلّ بها في كتاب من تأليفه أصدره هذه الأيّام عنوانه: ''العالم حسب ك''، و''ك'' هو الحرف الأوّل لاسم الوزير، كمثال مع أمثلة أخرى كثيرة، دقيقة وموثقة، على ولاء برنار كوشنار - وهو يهودي - لسياسة الحلف البريطاني - الاميركي، وانحيازه الكامل لتوجّهاته· واتهم بيار بييان الوزير، من خلال تحليل مواقفه وآرائه، بكرهه للديجوليّة، وعدائه لقيم ومبادئ الثورة الفرنسيّة، مؤكدا أنّ كوشنار يريد من فرنسا أن تتخلّى عن استقلاليّة قرارها لتكون تابعة للحلف الاميركي البريطاني، وجازما بأنّ الوزير يسعى لكي لا تصبح لفرنسا سياسة خارجيّة قويّة وفاعلة·
استغلال للنفوذ
ومن بين التهم الأساسيّة الموجّهة في الكتاب لكوشنار تعمّده الخلط بين منصب الوزير الرسمي، وبين نشاطات استشاريّة له - بوصفه خبيرا في الشؤون الصحيّة - لرؤساء أفارقة (الغابوني عمر بانغو، والكونغولي دانيس ساسو انغيستو)، مقابل مبالغ ماليّة كبيرة جدا، وهذا العمل الاستشاري بدأه الوزير قبل انضمامه إلى الحكومة الحاليّة، ثم واصله عندما تمت تسميته وزيرا، وهو ما يمثل- وفق ما ذهب إليه المؤلف- استغلالا للمنصب لفائدة نشاط خاص، وتداخلا بين العمل السياسي وعقد الصفقات· وجاء في الكتاب أنّ كوشنار مارس نشاطه الاستشاري من خلال شركتين له يديرهما أقرباؤه أبرمتا عقودا بمبلغ 4,6 مليون يورو، مقابل تقديم استشارات في المجال الصحي· ووفق المعلومات التي انفرد المؤلف بالحصول عليها، فإنّ الرئيس الغابوني تلكأ في تحويل كامل المبلغ المتفق عليه وبقيت في ذمته نسبة منه· وبعد أن أصبح كوشنار وزيرا للخارجية، وعند التقائه الرئيس الغابوني عمر بانغو، يوم 25 مايو 2007 بباريس في أول زيارة له لفرنسا بعد تولي نيكولا ساركوزي السلطة، استغل الفرصة ليطالبه بتسديد بقية المبلغ، وهو ما تم فعلا، واعتبر بيار بييان ذلك استغلالا للنفوذ، وممارسة ضغوط من خلال المنصب لأغراض ومصالح مالية شخصية· وكشف الكتاب أنّ المسؤولين الاثنين عن الشركتين تم تعيينهما في مناصب مرموقة في وزارة الخارجيّة بتوصيّة من كوشنار، إذ تمّت تسمية الأوّل سفيرا لفرنسا بموناكو، والثاني مديرا لقسم الاتصال بديوان الوزير· وأورد المؤلف في كتابه نصّ فاكس أرسله هذا الأخير إلى الدوائر الحكومية في دولة الغابون لتذكيرهم بالوعد الذي قطعه الرئيس الغابوني على نفسه عند لقائه الأخير بالوزير، وتأكيده له بأنّ سداد الفواتير المتأخرة سيتمّ في أقرب وقت·
زوجة الوزير
وكشف الكتاب عن مسألة أخرى مثيرة للجدل أيضا، وتتمثل في تعيين كريستين أوكرانت، زوجة الوزير، وهي صحفية تلفزيونية معروفة، مديرة عامة لمجموعة القنوات التلفزيونية والإذاعية العمومية الموجّهة للخارج (فرانس 24 وإذاعة فرنسا الدولية، وتي في 5)، وقد أثار اختيارها لهذا المنصب المهم ردود فعل متباينة، ورأى فيه البعض بصمة الوزير الذي قد يكون استغل نفوذه لفرض زوجته· وجاء في الكتاب أنّ المديرة الجديدة أقالت الصحفي (اليس غوسيه) من قناة فرانس 24 لمجرد أنه كان محرجا لوزير الخارجية في الأسئلة التي وجهها له في لقاء تلفزيوني، وتبين أن كوشنار استاء من نوعية الأسئلة التي ألقيت عليه، وتبعا لذلك لم تجدد زوجة الوزير للصحفي عقده وفصلته، واستنتج بيار بيييان أن قرار إنهاء العقد تم بتدخل من برنار كوشنار لمعاقبة الصحفي وتأديبه·
وأظهر الكتاب أنّ لكوشنار وجهين، واثبت انه رجل مزدوج، وهو ما يمثل أقسى ضربة يتلقاها الوزير قد تنسف حياته السياسية، فبرنار كوشنار (70 عاما) هو في الأصل طبيب، وقد أسّس منذ عام 1970 منظمة: ''أطبّاء بلا حدود'' لنجدة المنكوبين، ومدّ يد المساعدة للمحتاجين في البلدان الفقيرة، وقد اكتسب شعبيّة كبيرة بفضل الأعمال الإنسانيّة التي ساهم فيها في الصومال مثلا، وقد رسّخ الإعلام صورة شهيرة له، وهو يحمل على كتفيه أكياس الأرز لتوزيعها على المنكوبين والجوعى والفقراء· وها هو الكتاب يحطّم الصورة المشرقة للطبيب المتفاني في خدمة الآخرين، وليعطي عنه - اعتمادا على وقائع وأحداث ووثائق - صورة أخرى مختلفة هي صورة الرجل المتهافت على ربح المال بوسائل ليست دائما مشروعة، وباتباع أساليب متناقضة تماما مع المبادئ الأخلاقية التي ما فتئ يدعو إليها ويناضل من اجلها· من ذلك تقديمه خدمات لرؤساء في افريقيا متهمين بجرائم ضد الانسانية، ومعروفين بمعاداتهم لحقوق الإنسان·
ويقول المؤلف بيار بييان إنّه أصيب بصدمة للتناقض الذي اكتشفه بين الصورة التي صنعها برنار كوشنار لنفسه لدى الفرنسيين، وبين أفعاله ومواقفه·
وتزداد أهمية الكتاب في اختيار مؤلفه توقيت إصداره، فبرنار كوشنار لا يحظى حاليا بتأييد كبير لسياسته حتى داخل وزارته، ويعيب عليه الخبراء نقائص كثيرة من بينها عدم إلمامه الجيّد بكلّ تفاصيل الملفات، واهتمامه الكليّ بدول معيّنة وإهماله التام لدول أخرى، وذكر بعض المستشارين أنّ حصيلة عمل كوشنار ليست ايجابيّة بالنسبة لملف دارفور والصين على سبيل المثال·
ولانّ الوزير يهودي فرنسي، فقد سارع بتبني استراتيجيّة للدّفاع عن نفسه مبنيّة في جانب منها على اتهام الكاتب بأنّه معاد للساميّة، لان المؤلف ذكر فعلا أن يهودية الوزير هي المحرك الأساسي لأفعاله، كما ردّ على الاتهامات الموجّهة إليه مؤكدا أنّ ما ورد في الكتاب مثير للغثيان، وانه محشوّ بالمعلومات المفبركة والسخيفة معلنا أمام البرلمان: ''ان كل ما قمت به كان في نطاق الشفافية واحترام القانون''·

اقرأ أيضا