الاتحاد

الملحق الثقافي

المحمول أفقدنا الذاكرة والتواصل

دخل الهاتف المحمول حياتنا منذ سنوات وأحدث في السلوك الفردي والعام بعض التغيرات لكن هل يمكننا القول إن لدينا ثقافة جيدة اسمها ''ثقافة المحمول''؟
هذه القضية كانت موضوعاً لندوة بالقاهرة حملت عنوان ''دور الوسائط الجديدة في ثقافتنا·· ثقافة المحمول'' وتحدث فيها اثنان من علماء الاجتماع د· عبدالباسط عبدالمعطي ود·احمد زايد·
وذهب د·عبدالباسط عبدالمعطي الى انه لا يمكن فهم ثقافة المحمول بعيدا عن ثقافة المجتمع، لان الثقافة النوعية ومنها ثقافة المحمول تصبح مثل ورق عباد الشمس يتغير لونها بالوسيط الذي توجد به، ففي اليابان أو انجلترا يوظفون المحمول لغير ما نوظفه نحن حتى ان عالِم اجتماع بريطانيا زار مصر ورأى الناس يتحدثون بالمحمول في الشارع عبر السماعات فعاد ليقول إن المصريين صاروا يكلمون انفسهم لان ذلك السلوك لا يوجد عندهم وقد يكون هناك اجتماع مهم فيرن المحمول ليقوم أحدهم تاركا الاجتماع ويتمشى في القاعة وهذا سلوك لا يحدث في كثير من البلدان، وفي المدرجات الجامعية يحدث ذلك، بل في المساجد أحيانا·
ويضيف د·عبدالباسط ان العولمة حولتنا الى مجتمع اكثر اندماجا في النظام الرأسمالي العالمي، وصار دورنا هو الوسيط والمستهلك فقط واقتصادنا وثقافتنا اميل الى الحالة الريعية سواء في التواصل مع الناس أو الاستهلاك حيث يزيد معدل الاستهلاك على الانتاج ويقوم الدخل على موارد ثابتة وليس دخلا من مصادر متحركة كالصناعة والانتاج وتختلف ثقافتنا في ذلك عن ثقافة جنوب شرق اسيا مثلا، حيث الفعل والتنمية والانتاج هي الاساس وقيمة الانسان هي العليا·
ويذكر د·عبدالباسط عبدالمعطي ان طلاب الاعلام باحدى الجامعات المصرية قاموا بدراسة للكلمات التي تكتب على المحمول والرسائل فتبين أنه لا يستخدم في شيء علمي بالمرة وبالنسبة للطلاب يستغل في تبادل النكات أو الغش في الامتحانات، والتكنولوجيا حين تدخل الى مجتمع متخلف فان التخلف يصبغ التكنولوجيا بطابعه ولا تصبغه هي بطابع التقدم، ذلك ان الثقافة مجموعة قيم لا تتغير بسرعة بتغير التكنولوجيا فمثلا نجد الجرار الزراعي حين ظهر سنوات الستينيات في الريف المصري كان يستغل في نقل طوب البناء أو نقل تلاميذ المدارس لكن لم يتم استخدامه في الغرض الاساسي وهو ميكنة الزراعة وهكذا الامر في المحمول صار كل فرد يحرص على اقتناء المحمول ويتحدث به في اي شيء فقط كي يكون مالكا للمحمول ويأتينا في الجامعة طالب لا يتمكن من شراء الكتاب ويطلب المساعدة المالية ونجد لديه محمولا، لأن ذلك رمز تميز اجتماعي وانساني·
ويرى د·احمد زايد ان المحمول افرز ثقافة خاصة به، وهو لا ينفصل عن العولمة، فقد فكك المفهوم التقليدي للزمان والمكان، وفكك العلاقة بينهما وفكك مفهوم الجماعة والكثير من المفاهيم التي تقوم عليها العلوم الاجتماعية ولابد لعلم الاجتماع ان يعيد تركيب مفاهيمه من جديد، وكذلك علم النفس والجماعة من قبل كانت تقوم على الاتصالات الشخصية بين الافراد والمجموعات واليوم صارت الاتصالات عبر النت والمحمول وحل مفهوم الشبكة محل مفهوم العلاقة ويمكن للبشر في ظل المحمول الا يلتقوا ابدا وبينهم فقط تواصل بالمكالمات أو الرنات والرسائل·
ويضيف: مع المحمول والنت تغير ايضا ما هو شخصي ومفهوم الفرد ذاته، ومفهوم الذاكرة كان شخصيا بحتا وكنا نحفظ جدول الضرب ونعرف الشوارع والمدن والان يمكن ان تعتمد على المحمول وذاكرته بدلا من الذاكرة الانسانية ولا يمكن للبعض ان يتحرك خطوة دون المحمول لانه صار ذاكرتهم بعد ان تخارجت الذاكرة من الانسان الى الجهاز وانتجت التكنولوجيا الحديثة فردا متخارجا عن ذاته ويتحول في سلوكه الى شيء اخر·
وأكد د· احمد زايد ان المحمول احدث تحولات سلوكية، في الجانب المظهري وبعض الناس يهوى ان يسير خلفه شخص آخر يحمل له المحمول وكأنه السكرتير أو الحارس الخاص، تعبيرا عن الأهمية وعلو المكانة، وبعضهم يهوى أن يكون معه ثلاثة أجهزة محمول، يضعها امامه، ليراها جميعا، للايحاء بأنه في موقع مهم أو ينتظر منصبا وزاريا مثلا، وبعضهم يتباهى ان لديه محمولا لأرقام العمل وآخر للبيت والأسرة، وثالثا للأصدقاء·
وتحدثت د·سميحة نصر، الاستاذة بالمركز القومي المصري للبحوث الاجتماعية، عما سمته هوس المحمول في المجتمع العربي وكثيرا ما يساء استخدامه، كأن يكون مصدرا لنقل الشائعات أو الانتقام بالصورة وبالكلمة من شخص ما وحدثت عمليات تشهير واسعة للكثيرين لكن ايضا له ايجابيات فقد انتج لغة جديدة ورمزية للشباب تعكس تمرده على الجيل الاكبر الذي لم يستمع اليه ولم يستجب له·

الكمبيوتر أضاف إبداعاً جيداً وقتل الفروق الفردية

جمعت ندوة ''تأثير الكمبيوتر على الفنون البصرية'' بالقاهرة بين أكثر من مبدع في عدة مجالات من الفن التشكيلي إلى التصوير إلى الجرافيك وتصميم الإعلانات حيث تبارى الجميع في إظهار تأثير الكمبيوتر على مجالات الإبداع البصرية التطبيقية والخطوات الإيجابية التي أحدثها الكمبيوتر في تلك المجالات ولكنهم اختلفواحول المحتوى الذي يقدمونه كمبدعين عرب باستخدام الكمبيوتر·
وقال د· حازم طه حسين، الأستاذ بكلية الفنون التطبيقية بالقاهرة ومدير الندوة، إن الاعتماد على الحاسب الآلي في فنوننا البصرية والتطبيقية ازداد خلال العشرين عاماً الاخيرة حيث أصبح الكمبيوتر متاحا أمام المبدعين العرب لإنتاج أعمال إبداعية تستفيد من هذه الآلية، وتتواكب مع التقدم التكنولوجي الهائل ولكن يظل السؤال كيف استفاد الفنانون الذي يقدمون أعمالا بصرية من هذا التطور التكنولوجي؟ وما قيمة المحتوى الذي تم إنتاجه باستخدام هذا التطور؟
وقال د· وائل صابر، رئيس قسم التصوير بمعهد السينما، إن الإنسان يسعى دائماً لتوظيف الموارد المتاحة أمامه، ويسعى لخلق أدوات وآلات تساعده في صراعه مع الطبيعة والكمبيوتر أضاف أشياء كثيرة الى الفنون البصرية من سينما وتليفزيون وفيديو كليب حيث لعب دورا مهما في تنفيذ الرسوم ذات الأبعاد الثلاثية وتحريكها وتلوين تلك الرسوم بعد ان كانت تستغرق وقتا وجهدا كبيرين كما مكن الفنان من الاستفادة من مجال الجرافيك حيث يتعاظم دور الكمبيوتر في مجالات المؤثرات البصرية وتنفيذ الصور المتحركة وتكرارها، ويبدو هذا واضحا في أفلام مثل ''هاري بوتر'' و''مملكة الخواتم'' فكلها تعتمد على الصورة الرقمية التي يسهل التحكم فيها من خلال تحويل المشهد السينمائي الى رقمي·
وأوضح د· وائل صابر ان هذه البيئة الالكترونية حققت للمشاهد والمتلقي أشياء لم يكن يتخيلها إلا بالكلام فالأمر اختلف الآن وصارت الاولوية للصورة الرقمية وما تقدمه من ابداعات وهذا بدوره يقودنا الى طرح فكرة الزخم التكنولوجي الذي نعيشه وهل يؤثر في طريقة تفكيرنا خاصة اننا كعرب مستهلكون فقط لهذه التكنولوجيا وليس لنا دور إبداعي فيها فنحن نأخذها من الغرب ونطبقها فقط كما هي، والمفترض ان يطور الفنان المعاصر نفسه ويحدد لنفسه منهجا ابداعيا·
وقال د· عصام الملاح، أستاذ الجرافيك بكلية الفنون التطبيقية، إن دخول التكنولوجيا الى مجتمعنا بدأ مع أوائل التسعينيات بشكل محدود ولكن بمرور الوقت حدثت تسهيلات رهيبة وانجازات على مستوى الاستخدام· والشيء المرعب اننا لا نعلم هل الانسان يستخدم التكنولوجيا في مجال عمله أم بحكم انها أصبحت متاحة تحت يده، وهو ما جعلنا نفقد الانسان المتخصص فالجميع يستخدم الادوات التكنولوجية وهو ما أبعدنا عن وجود مبدعين يقدمون مضموناً أو محتوى يضيف لحركة الإبداع سواء في مجالات الإعلان أو المطبوعات أو التصوير·
وأضاف ان غياب هؤلاء المبدعين الجادين في منطقتنا العربية واضح بعكس العالم الغربي الذي يمتلك منتجا بصريا جيدا جدا لوجود رؤية صحيحة في استخدام التكنولوجية فالمشكلة تكمن في قيمة المنتج وليس في كونه موجودا فقط والعبرة دائما بالمحتوى الذي نقدمه لأن العقل هو الذي يحرك وليس التكنولوجيا وهذه مشكلة كبيرة وواضحة ينبغي ان نتعامل معها بجدية ولا نفرح بأننا نستخدم التكنولوجيا فقط لأن الاكتفاء بذلك سيؤدي الى مساهمة الكمبيوتر في قتل الفروق الفردية بين المبدعين·
وقال الفنان ابراهيم عبلة ان التطور التكنولوجي الهائل أدى إلى إتاحة هذا العالم للجميع بشكل سهل، وهو أمر إيجابي أدى إلى ظهور أجيال جديدة من المبدعين بعد ان كانت هناك صعوبات كثيرة تواجههم فالكاميرا الرقمية على سبيل المثال ساعدت في عمل أكثر من فيلم تسجيلي حصد بها صناعها وهو منهم عدة جوائز وأتاحت له فرصا للتطوير كل يوم وهو يراهن على ان هذا التطور التكنولوجي سيمهد لظهور جيل جديد من المبدعين قادر على تقديم إبداع مختلف وافضل من ابداعات من سبقوه·
وقال الفنان أحمد الشاعر ان ظهور الكمبيوتر بإمكاناته الضخمة أظهر مفهوما بصريا يضيف حدودا لا نهائية للمبدع، وقد درس في النمسا مجالا جديدا يعتمد على التعامل مع الألعاب الالكترونية كفن وليس تسلية ويسمى ''الفيديو جيم ارت'' وهو مجال معترف به في أوروبا وأميركا وهذا الفن يعتمد على تطور الحياة والفلسفة التي وراءها وفيه يقدم الفنان إبداعا خاصا يمزج فيه بين الألعاب الالكترونية والواقع ويقدم ابداعات تمزج بين فن السينما وفن الالعاب الالكترونية·
وأضاف ان دخول الكمبيوتر الى الفن يطرح فكرة الحياة البديلة التي يتعايش الانسان فيها مثل فيلم ''ماتريكس'' وهناك شباب عرب يعملون في هذا المجال ويتعاملون مع التطور التكنولوجي على انه وسيلة تمكنهم من طرح افكارهم وتجعل المشاهد جزء من الابداع نفسه·
وقال الفنان التشكيلي خالد حافظ ان التطور التكنولوجي الذي نعيشه خلق حالة لا نهائية من الابداع باستخدام الوسائط الرقمية المتعددة بل ان هناك مصطلحا يسمى ''المواطن الفنان'' حيث بإمكان أي مواطن ان يصور أعمالا إبداعية ويطرحها على الانترنت ليساهم في تدفق المعلومات في العالم كله وهذا المناخ انعكس علي إبداعاتنا في العالم العربي ،خاصة من جيل الشباب الذي يستخدم الوسائط الرقمية لتقديم أعمال إبداعية·

اقرأ أيضا