الاتحاد

الملحق الثقافي

ريتشارد الثالث ·· عربي الوجه واليد واللسان

الملكة مارغريت (أمل عمران) تتوجع على ملكها المغتصب

الملكة مارغريت (أمل عمران) تتوجع على ملكها المغتصب

شهوة السلطة، هذه هي الكلمة المفتاحية التي تضيء الكهوف السرّانية للعمل المسرحي ''ريتشارد الثالث: مأساة عربية''، وهي القادرة على وضع المتفرج على طريق فهم العمل ورموزه وحمولاته السياسية والاجتماعية·
شهوة السلطة في أقصى تجلياتها قسوة، وهي تتوحش فتتحول إلى ''ميكانيزم'' تدميري يسحق كل ما يقف في طريقه مستبيحاً كل شيء: القرابة والدم والأخلاق والأعراض، ومحللاً كل فعل دنيء بدءاً من الخيانة والتآمر والخديعة وانتهاء بالقتل بدم بارد·

تلك هي باختصار بليغ الثيمة الفنية الكبرى التي يقوم عليها العمل، راسماً حولها مجموعة من الثيمات الصغيرة التي تساندها في بناء جسر شكسبيري يعبر منه المتفرج إلى نص عربي بامتياز، ومعالجة حديثة لنص قديم يبدو أنه ما زال قادراً على قول الراهن كما قال الماضي بنفس الدرجة من القوة التعبيرية والروح الضاجة النابعة من كون الموضوع نفسه موضوعاً إنسانياً يتشارك فيه البشر في كل زمان ومكان·
خطاب النص
فالسلطة هي السلطة في كل المجتمعات، ولدى كل الشعوب، لا سيما حين تتحول إلى ممارسة ديكتاتورية وطغيان بشع يتجاوز كل محرم، ويهتك كل مقدس، ويشوه النفوس التي تصاب به، فتمرض وتسفك إنسانيتها على مذبحه· الطغيان وهو يتجسد في زعيم أو ملك ديكتاتوري يسخر كل شيء لتحقيق مصالحه: الدين والأخلاق والانتماء والقضايا الوطنية والقومية والمشاعر الإنسانية، هذه وغيرها تدخل في طاحونة الطاغية لتدير عجلته الرهيبة، وتتيح له أن يسيطر على البلاد والعباد لكنها ـ وهذه واحدة من الحكم التي تسربها لنا المسرحية في قالب شائق بعيد عن الوعظية المباشرة ـ لا تتورع عن ابتلاعه هو نفسه في النهاية فيسقط مثلما سقط غيره، وتستمر هي في ممارسة دورها الأبدي مع طاغية جديد لا يعدو أن يكون ترساً في دوامتها الرهيبة، وكأن التاريخ يعيد نفسه· هنا، يتساوى الطغاة مهما اختلفت وجوههم وسحناتهم وخطابهم الفكري، وسواء كانوا أفراداً أو دولاً، يدل على ذلك مقاربة البسام للنموذج الأميركي المستبد، حيث الدولة هي الطاغية والمتنمرة، وهي لا تتورع عن شن الحروب واجتياح الدول لتحقيق مصالحها· إنه الوجه الآخر من العملة أو الاستبداد متشكلاً في خطاب فكري ونموذج سياسي لا يعترف بالآخر، بل يساند ويدعم الاستبداد الفردي إذا كان يتماشى مع مصالحه·
أصل الحكاية
تدور أحداث المسرحية الشكسبيرية في بريطانيا في القرن الخامس عشر، وتصور النزاعات الدموية على عرش المملكة والتي وصلت الى حرب اهلية، وكيف وصل ريتشارد الثالث إلى الحكم بعد سلسلة من الاغتيالات والمكائد التي دبرها مع أعوانه منها قتل ابن أخيه الصغير الذي كان وارث العرش وتحت وصايته·
ويستثمر النص العربي هذه الشخصية الدرامية التي تمثل الشر والهوس بالسلطة لتقديم صورة عن الحاكم في العالم العربي، ليس في العصر الراهن فقط بل تشمل كذلك فترات التاريخ الإسلامي الأخرى· وإذا كانت الصورة الأقرب إلى ذهن المشاهد هي صورة ''صدام حسين'' إلا أنه من الظلم احتكار الشخصية التي طرحها البسام في هذا الحيز الضيق، إذ ثمة دلالات كثيرة في النص تشير إلى شخصية عامة يمكن أن تنطبق على كثيرين عبر التاريخ الإسلامي الماضي والمعاصر، من ذلك توظيفه لمشهد رؤية الملك ريتشارد الثالث لأشباح ضحاياه في كوابيسه (في النص الأصلي) باستبداله بمشهد اللورد ستانلي وهو يقرأ أسماء ضحايا ريتشارد (المعرب) من قائمة طويلة تبدأ من حمزة بن عبدالمطلب والحسين بن علي والحلاج وتصل إلى فرج فودة وآخرين· وفي النص الأصلي أن حكم ريتشارد الثالث لم يستمر سوى عامين بعدما غدر حتى بأقرب حلفائه ومن أوصلوه إلى العرش، وهو ما نجده أيضاً في النص العربي وهو سلوك يتوفر بكثرة في الحياة السياسية العربية· ثم يقتل ريتشارد الشكسبيري في معركة مع ريتشموند المطالب بالعرش من عائلة لانكستر بعد تآمر أعدائه من عائلته عليه، أما ريتشموند البسامي فيلعب دور سفير لأميركا في دولة عربية، فيما يصور البسام المعركة تصويراً أقرب إلى غزو العراق، كما يختتم العمل في مشهد بليغ وشديد الحكمة على المستوى الرمزي والدلالي حيث الطاغية يمتطي الحصان ويقتل وهو يدافع عن ملكه مع تحوير صغير يفيد أن الحصان هو الشعب، وهي إشارة إلى المصير الأسود الذي ينتظر كل طاغية·
وفي السياق نفسه كان رأس الملك السابق قد سقط في مشهد مريع من الأعلى إلى الأسفل على أرضية المسرح، لكن مشهد سقوط البلد في يد الاحتلال الأجنبي كان أكثر من مريع لأنه لا ينعى سقوط وطن فقط، بل يلمح إلى أن احتمالات تكرار ما حدث قائمة، وأن ما جرى مرة يمكن أن يجري مرات ومرات ما دام الحكم استبدادي والحاكم في واد والشعب في واد آخر، وما دامت الديموقراطية في غيبوبة·
وفي مناخ كهذا، تسفك دماء كثيرة على الطريق الطويل إلى السلطة ـ التي يمكن أن يقصِّرها القتل غالباً ـ وتتهاوى حيوات أكثر· وبين قدمي الطموح المرضي لنيل الحكم والجلوس على العرش تتدحرج رؤوس كثيرة وتنمو مشاعر الفقد التي تفتك بالروح وتفري الكبد، وتترك في القلوب رغبة عارمة في الانتقام··· وبين الغاصب والمغصوب، والانتقام والعمى، والصراعات العائلية والشخصية ربما تضيع البلاد، وتختلط أنات الضحايا بعواء الجلادين المسعورين الذين جسَّدهم على نحو رائع فايز قزق الذي لعب دور جلوستر والملك ريتشارد في نص فجائعي وجريء يكشف حجب المستور ويزيل النقاب عن المسكوت عنه في الحياة العربية·
جماليات بصرية
في المأثور العربي حوادث كثيرة تشير إلى أن ''الملك عقيم''، بمعنى أن الساعي إلى الملك ومن تتحكم فيه شهوة السلطة يمكن أن يقتل حتى ابنه· وهي مقولة تجد معادلها الموضوعي في هذا النص الذي تتواتر أحداثه على مستويين موضوعيين وجماليين: خشبة المسرح وما تشهده من أحداث وحركة الشخوص وأدائهم، وخلفية تحتلها شاشة عرض كبيرة شفافة تشبه جداراً زجاجياً تنعكس عليه الأحداث نفسها التي تجري على الخشبة تارة، أو تستعيد أحداثاً من الماضي تارة أخرى· بحيث عمقت شعور المشاهد بالبعد التاريخي للأحداث التي تجري، وأتاحت للمخرج أن يستفيد من التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة تارة أو الوثائق الفيلمية تارة أخرى، في تعزيز مراميه وإغناء المشهدية البصرية في اللحظات الدرامية الفاصلة وذات التوتر العالي· على هذه الشاشة رأينا مشاهد الثورة الفلسطينية في بداياتها، وعواصم عربية تعرضت للدمار مثل بيروت وبغداد، وتابعنا اللقطات الساخرة التي صورت الإعلام العربي، في أفضل حالاته، تابعاً للسياسة العليا وتوجيهاتها بل ووسيلة من وسائل ''غسل الأدمغة'' وتزوير الوقائع وتزييف الوعي·
وكأن المخرج يعرض هنا زمنين وعالمين يتشابهان ويتقاطعان في المناخات والتفاصيل، فيما يتساوى المستويان مع إيقاع الموسيقى الخليجية ذات الاصول الافريقية التي تتصاعد وتخفت في توازن إيقاعي مع صعود الأحداث أو هبوطها، ناسجة خطاً درامياً متجانساً ومتسقاً· ولعل واحدة من أسباب نجاح هذا العمل تكمن في التوظيف الموفق للأغنية الشعبية لا سيما نهمات الغوص على اللؤلؤ، والأزياء ذات الطابع العربي الذي يغلب عليه الذوق والتصميم الخليجي، والموسيقى العربية المقترنة مع أغان عالمية، وغيرها من المؤثرات الصوتية والبصرية التي عملت كروافع حقيقية للارتقاء بالنص وإيصاله إلى الجمهور·
أما التمثيل فعكس قدرات احترافية عالية وإخلاص وتفان في تجسيد الشخصيات، وقد أبدع الفنان فايز قزق وهو الشخصية المحورية في هذا العمل في تجسيد شخصية الشرير المهووس بالسلطة وحوك المؤامرات، ثم تقمص شخصية الديكتاتور الطاغية الذي يضحي بأقرب الناس إليه بعد أن وصل إلى العرش على أكتافهم· كان قزق ممتلئاً تماماً بالشخصية، مدركاً لكل أبعادها، قادراً على تقمصها بحرفية مذهلة، مخلصاً حتى في تعاليه أو برودته وهو يأمر بقتل هذا أو يدبر اغتيال ذاك· وفي كل حركاته وسكناته بدا مسكوناً تماماً بكل كلمة يقولها، أو حركة يجترحها، أو تعبير يرسمه على وجهه، وفي المشهد الأخير بدا مثل ملك حقيقي جريح يدافع عن عرينه الآيل للسقوط في لحظة مصيرية كشفت عريه وهشاشته·
كذلك أحسنت كارول عبود تقمص شخصية الملكة إليزابيث، وجاسم النبهان الذي قام بدور الأمير كلارنس وستانلي، ومناضل داود في دور الملك إدوارد وكاتسبي، ونادين جمعة في دور الليدي آن، وأمل عمران في دور الملكة مارجريت، وريموند الحسني في دور مستشار قصر بكنغهام· كلهم كانوا مخلصين في العمل، مستغرقين في أداء أدوارهم ومتناغمين كأنهم جسد واحد·
أخيراً··· باستثناء أسماء الشخصيات واسم المسرحية المذيل بعبارة ''اقتباس أصلي باللغة العربية من مسرحية شكسبير الدرامية'' يمكن القول بوثوقية عالية إننا أمام نص عربي بامتياز، موضوعاً ومعالجة ولغة وشخوصاً وأحداثاً، بل أكثر من ذلك، يلاحظ المشاهد أن المخرج المسرحي سليمان البسام كتب نصه الخاص تماماً، كأنه نص كان يعتمل في روحه ويؤرقه ووجد في شكسبير فرصته ليخرج إلى النور ومن ثم إلى الخشبة، ولعل أكثر ما يبرز ذلك شغله على اللغة في جانبيها الفصيح والمحكي، واستخدام المساحات التعبيرية العالية للموروث الديني والنص القرآني والأدعية التي يتم ذكرها عند تغسيل الميت أو تكفينه أو الشعر العربي بكل ما يشكله من ألق وجماليات زادتها طريقة فايز قزق في الإلقاء جمالاً، وحرارة الكلمات وسخونتها في صوغ الألم والخيبة والهزيمة التي تشعر بها الأرملة التي سرق منها ملكها، والتي ربما أتجرأ قليلاً وأدعي أن من الممكن إسقاطها على أرامل غزة والعراق· ويبدو أن المأساوية الوحيدة القادرة على تصوير مأساوية الوضع العربي وتراجيديته، لأسباب كثيرة لا تخفى على ذي فطنة، هي مأساوية شكسبير وعوالمه ومناخاته الفائرة بالأبعاد التراجيدية والتطورات الدراماتيكية التي جاءت هذه المرة في لباس عربي، وبلسان عربي مبين·

عرضت مسرحية ريتشارد الثالث: مأساة عربية على مسرح الظفرة بالمجمع الثقافي يومي الأحد والاثنين الماضيين·


قال البسام

حينما منحني مسرح شكسبير الملكي الفرصة لأعمل على هذا العمل المسرحي، وجدت نفسي أمام سؤالين كبيرين: كيف سأتمكن من الإمساك بصميم هذا النص، هذا الصميم الأجنبي والغريب والقصي لأصوغه في قالب عربي مع الإبقاء على ألقه ومعناه وحيويته؟ ثم بفرض كون هذا التحدي ممكن التحقيق كيف سأتمكن من إعادة تجسيد هذا ''الجسد'' الجديد بأوصال جديدة من عالم مختلف بحيث يكون عن حق جسداً يحمل موروثاً عربياً صادقاً، ويقدم نظرة عربية للتاريخ، ويعرض ما يجول في أذهان وخواطر البشر في عالمنا العربي؟
وكانت النتيجة نصاً يحاول الإجابة على هذين السؤالين· كانت الرحلة نحو إبداع هذا النص رحلة بين ثقافتين· رحلة بدأناها دون أن تكون بين أيدينا خرائط نهتدي بها· أحياناً كنا نضل السبيل ونعود لنركن إلى الإحساس الغريزي والتجريب وفي أحايين أخرى كنا نعثر على أمارات مشرقة خطتها أقدام الإنسانية على مر الأزمان·

اقرأ أيضا