الاتحاد

تقارير

المهاجرون البولنديون··· إيقونات في بريطانيا

هل أصبحت بريطانيا طاردة للعمالة البولندية؟

هل أصبحت بريطانيا طاردة للعمالة البولندية؟

إذا ما كنت تريد استهداف جمهور معين من خلال إعلان، فمن المؤكد أنك لن تتمكن من التفوق على اللوحة الإعلانية الموضوعة في إحدى قاعات الوصول في مطار هيثرو، والتي تعلن ترحيبها بالبولنديين الواصلين حديثاً إلى بريطانيا، وتعرض عليهم حساباً مصرفياً مخصصاً لهم على وجه التحديد· ولو قيمنا اللوحة الإعلانية الموضوعة من قبل بنك ''نات ويست'' البريطاني من حيث اختيارها للمكان المناسب، لوجدنا أن اختيار هذا المكان لم يكن موفقاً إلى حد كبير، وأنه كان من الأفضل لهذا البنك أن يضعها في قاعة المغادرة في المطار وليس في قاعة الوصول·
خلال الخمس سنوات الماضية، تألقت بريطانيا كمنارة أمام مواطني أوروبا الشرقية باعتبارها الأرض التي تعج بالفرص أمام من لديه مهارات يتطلبها السوق، أو حتى لديه استعداد للعمل الشاق· بعد أن أصبح مسموحاً لمواطني دول أوروبا الشرقية التي انضمت للاتحاد الأوروبي، بالحياة والعمل في أي دولة من دول الاتحاد، تدفق ما لا يقل عن مليون مهاجر من تلك الدول على بريطانيا في أكبر موجة هجرة وأكثرها تركيزاً·
كان معظم القادمين الجدد من البولنديين· ورغم أن ''السباك البولندي'' و''البنّاء البولندي'' تحولا فوراً إلى إيقونات في الخيال الشعبي، فإن هذه الموجة العاتية من المهاجرين تفرعت في مختلف جوانب المجتمع البريطاني، فعمل أفرادها في المحلات، والمستشفيات، وشركات تقنية المعلومات، وبنوك الاستثمار، والمطاعم، والحانات، وشركات الطلاء··· وما شابه ذلك·
أما الآن وبعد أن سقطت بريطانيا في براثن الركود وهبطت قيمة الجنية الاسترليني هبوطاً كبيراً، فإن الكثير من الأوروبيين الشرقيين الذين قدموا إليها بحثاً عن فرصة حياة أفضل بدؤوا في الاتجاه نحو منافذ الخروج، خصوصاً بعد قيام العديد من أصحاب الأعمال البولنديين، وبعض المدن، بل وحتى الجيش البولندي، بحملات لإغراء مواطنيهم العاملين في الخارج بالعودة· وفي نفس الوقت هبط عدد القادمين الجدد من بولندا إلى بريطانيا هبوطاً كبيراً، لاسيما بعد التوقعات التي تشير إلى أن أداء الاقتصاد البولندي سيتفوق على أداء الاقتصاد البريطاني هذا العام· وقد ترتب على كل ذلك تناقص أعداد البولنديين العاملين في بريطانيا حيث تشير الإحصائيات الرسمية حالياً إلى أن أعداد المغادرين منهم تفوق أعداد القادمين·
ففي العام الماضي مثلا لم يزد عدد الأوروبيين الشرقيين الذين سجلوا للعمل في بريطانيا عن 165 ألف وافد جديد، بانخفاض نسبته 24 في المئة عن عام ·2007 وربما يكون الرقم الأكثر دلالة هو ذلك المسجل في الربع الأخير من عام 2008 عندما دخل الاقتصاد البريطاني مرحلة كساد كاملة الأوصاف، حيث كان عدد الوافدين الجدد أقل بنسبة 47 في المئة عما كان عليه في الفترة ذاتها من عام ·2007
يقول ''تيم فنش''، رئيس قسم شؤون الهجرة في ''معهد بحوث السياسة العامة'' ببريطانيا، إنه لا تزال ''هناك فرص اقتصادية لمن لديه الاستعداد للبحث عنها، لكن هناك نوعا من الإجماع، على أن عدد الناس الذين يسجلون للحصول على وظائف قد بات أقل من ذي قبل، وأن ذلك يعني أن عدد الوافدين من بلاد أوروبا الشرقية إلى بريطانيا سوف يصبح أقل أيضاً''· وهؤلاء الذين سيقدمون إلى بريطانيا، سيواجهون وضعاً مختلفاً عن الوضع الذي وجده أمامه مهاجر بولندي هو ''بيتور ماسلاك'' عندما جاء إلى بريطانيا عام،2004 والذي يقول: ''وصلت يوم 19 مارس، وفي يوم 20 منه حصلت على وظيفة وبدأت العمل فيها على الفور''· يقول ماسلاك (30 عاماً) أنه كان يكسب حوالي 440 دولارا شهرياً عندما كان يعمل كسائق تاكسي في بولندا، أما الآن فهو يكسب نفس المبلغ تقريباً من خلال عمله كمسؤول مخزن في شرق لندن، لكن في الأسبوع الواحد وليس في الشهر، وهو مبلغ يقول إنه يكفيه للإنفاق على نفسه، وتوفير جزء منه لإرساله لعائلته في قريته الواقعة على بعد 350 ميلا من ''وارسو''· ومن سوء حظه أن النقود التي كان يرسلها لأهله لم تعد لها نفس القيمة التي كانت لها حين وصل إلى لندن أول مرة· ففي ذلك الوقت كان الجنية الاسترليني يساوي سبعة ''زلوتي'' (عملة بولندا) بينما يقل حالياً عن خمسة ''زلوتي''، وهو سبب من الأسباب التي تجعل بريطانيا أقل جذباً مما كانت عليه في الماضي· ومع ذلك، يقول''ماسلاك'' إنه يرغب بالبقاء فيها طالما ظلت لديه وظيفة·
ويعلق ''جان موكرزيسكي''، رئيس ''اتحاد البولنديين العاملين في بريطانيا''، على هذه النقطة بقوله: ''معظم البولنديين العاملين في بريطانيا أرسوا جذوراً لهم هنا، مما يجعلهم غير مستعدين، حتى في ظل الأوضاع الراهنة، للعودة إلى الوطن، أو حتى البحث عن عمل في أماكن أخرى''·
و''كريس راسزينسكي'' وهو بولندي الجنسية، وصاحب شركة إنشاءات في لندن، وأحد رجال الأعمال البولنديين الذين يعانون في الحصول على حاجتهم من العمالة من بني جلدتهم، لدرجة أنه يضطر إحياناً للسفر لاستقطاب عمال من هناك· لكنه يشكو من أن معظم من يجدهم ويبدون استعداداً للسفر، ليسوا مدربين على نوعية العمل الذي يحتاجــــه، والـــذي يتوقـــع أن تتزايد الحاجة إليه مـــع اقتراب موعد بطولة أوروبـــا لكرة القدم عام 2012 في لندن، والتي ستحتاج إلى بناء العديد مـــن المنشــــآت·
ويقول ''راسزينسكي'' إن هناك احتمالا لعودة العمال البولنديين إلى بريطانيا بالمعدلات المرتفعة السابقة في حالتين· الأولى هي تدهور الاقتصاد البولندي، والثانية هي أن يجد العائدون من العمال أن فرصة إعادة اندماجهم في المجتمع البولندي أصعب كثيراً مما كانوا يقدرون، الأمر الذي يدفعهم للعودة إلى بريطانيا التي تتوافر فيها، إلى جانب الوظائف، فرص أفضل لتعليم أبنائهم··· وهو يقول إنه ينتظر حــدوث ذلـــك بفارغ الصبر·

هنري تشو - لندن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا