صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

أبوظبي تقف على 250 عاماً من تاريخها

لم تكن ندوة “أبوظبي 250 عاماً من التطور” التي نظمها نادي تراث الإمارات ومركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، واختتمت أعمالها في قاعة الصقر بفندق فيرمونت باب البحر مؤخراً، وعقدت على مدى يومين، بتوجيهات ورعاية سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة رئيس نادي تراث الإمارات رئيس المركز الثقافي الاعلامي، مجرد ندوة أو حدث ثقافي عابر، بل كانت أكثر من ذلك بكثير، إذ شكلت بمحتواها العام ومحاورها ومشاركيها ومناخها وإيقاعها وزخمها، احتفالية ثقافية علمية حملت صفة “الدولية” بكل المقاييس.

تستمد هذه الندوة أهميتها من أسباب عدة، أولها أهمية موضوعها الذي يسلط الأضواء بقوة على دراسة نشأة مدينة أبوظبي قديماً وحديثاً في جوانب ذات صلة بالطراز المعماري والهندسي، وهوية المكان وتأثيره في ملامح الشخصية المحلية، إلى جانب التركيز على أهمية التطوير والتحديث الذي تحقق للمدينة على يدي آل نهيان، مضافاً إلى ذلك الاهتمام بجانب “التوثيق” لإمارة أبوظبي على المستوى التاريخي والحضاري والإنساني والثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وما تحمله من أبعاد تتعلق بجانب التخطيط الاستراتيجي لجوهر المدينة على خريطة مدن العالم. أما السبب الثاني الذي يجعلنا نهتم بهذه الاحتفالية فهو تزامن إقامتها مع جملة من المناسبات، أهمها مرور 250 عاماً على تأسيس الإمارة، واحتفالات الدولة باليوم الوطني الأربعين، حيث أبرز المشاركون أهمية العاصمة باعتبارها ركنا أساسيا من تاريخ المنطقة، معتمدين “قصر الحصن” الذي يتوسط قلب العاصمة، أنموذجا تطبيقيا للدراسة والبحث في الاطار الهندسي والمعماري والإداري، باعتباره المكان الأمثل الذي يعكس تاريخ أبوظبي، حيث يعود إنشاؤه إلى حوالي 250 عاماً، كما أنه يحكي بعمارته التقليدية ومرافقه وإيقاعه وثباته قصة إنسان الإمارات عبر مراحل عديدة، حيث استعاد عدد من الباحثين أهمية هذا المعلم والرمز التاريخي الوطني الذي كان فيما مضى عبارة عن “برج طيني” أنشئ على طراز العمارة التقليدية العسكرية لحماية بئر المياه العذبة التي تم اكتشافها عام 1761، ليضم في مرحلة ما في جنباته عائلة الحاكم والحاشية، كما كان يعكس مراحل مهمة من تاريخ الدولة على المستوى الاداري والثقافي والسياسي والعمراني، حيث كان يضم مكتبا لحاكم إمارة أبوظبي، ودوائر الحكومة والقضاء، كما كان يضم مجلسا لأعيان البلاد.

شاهد على التاريخ
ومن الدراسات المهمة التي ألقت الضوء على هذا الشاهد التاريخي دراسة بعنوان “قصر الحصن رمز تاريخي وتراث أبوظبي” قدمتها الدكتورة “جاياني مايترا” مستشار البحوث بمكتب مدير عام المركز الوطني للوثائق والبحوث التابع لوزارة شؤون الرئاسة، ونقتطف من دراستها العلمية النوعية الموثقة: “قصر الحصن الذي مثّل طوال قرون مضت قصرا وحصنا لحكام أبوظبي من آل نهيان، يقف اليوم كنصب تاريخي وشهادة صامتة على تاريخ إمارة أبوظبي وتراثها الإنساني والحضاري، فهو يعتبر من أقدم البنى التاريخية ومن بين المعالم القليلة التي تحدت الزمن لتكشف عن الهندسة المحلية للإمارة وتربط الماضي بالحاضر. مع غياب أدلة قاطعة يمكن افتراض أنه تم في فترة ما من تاريخ مدينة أبوظبي إقامة “برج طيني” دائري الشكل بعد اكتشاف منبع لمياه عذبة بمحض المصادفة وحدوث أول عملية استيطان على جزيرة أبوظبي عام 1761، من قبل الشيخ ذياب بن عيسى، وبذلك يمكن اعتبار هذا البرج الطيني الدائري بمثابة البنية الأصلية لما اشتهر في تاريخ إمارة أبوظبي بقصر الحصن”.
لقد استمدت الدراسة قيمتها من أسلوب السرد الذي يقوم على لغة شعرية وتوثيق دقيق ومهنية عالية في الجانب التعبيري، ومقاربة فنية في تناول هوية المكان، حيث جاء في حيثيات الدراسة: “... وبعد انتقال عاصمة قبائل حلف بني ياس من قرية “المارية” في واحة ليوا الى جزيرة أبوظبي، تطور قصر الحصن تدريجيا خلال القرن التاسع عشر من قلعة متواضعة الى حصن ومسكن محصّن، وفي بداية القرن العشرين وصف هذا البناء من طرف أحد الرحالة الأجانب على أنه “قلعة مهيبة”. ومن المثير للاهتمام أن التغييرات البنيوية التي طالت هذا الرمز التاريخي/ حصن حكام آل نهيان تزامنت مع التحول العجيب الذي شهدته أبوظبي من قرية صيد صغيرة الى مستوطنة مزدهرة وأكثر مراكز تجارة اللؤلؤ ازدهارا على ساحل الخليج العربي، ومع بروز إمارة أبوظبي كمشيخة بارزة في منطقة الخليج العربي، لعب قصر الحصن وظيفة القلعة ومقر الاقامة الملكية والمقر الإداري لحكام آل نهيان في العاصمة، والأهم من ذلك وفّرت هذه القلعة الحصينة الدعم والمأوى للحاكم ورعاياه على حد سواء، ولا سيما في أوقات الأزمات، حيث وقفت كرمز لانتصار حكام أبوظبي أمام التحديات الجسام”.
بناء على هذه الخلفية التاريخية لقصر الحصن رمت هذه الدراسة التي تستند الى سجلات أرشيفية وبريطانية تعود الى القرنين 19 و 20 الى تسليط الأنوار الكاشفة على بروز حكام آل نهيان كقوة سياسية واقتصادية مهمة على ساحل الخليج العربي، ومن المعروف أن مايترا من الباحثات المتخصصات في دراسة المنطقة من خلال جملة من الكتب والابحاث، خاصة بحثها بعنوان “قصر الحصن تاريخ حكام أبوظبي - 1793- 1966”.
ومن أوراق العمل البحثية المهمة التي ألقيت في هذا الجانب ورقة بعنوان “مقارنة بين حصن أبوظبي وبرج المقطع من ناحية المواد المستخدمة” للدكتور عبد الستار العزاوي، خبير الترميم والصيانة بدائرة الثقافة والإعلام في إمارة الشارقة. وقد كشف العزاوي في ورقته عن معلومات فنية وهندسية مهمة عن قصر الحصن، اشتملت على ذكر انواع الأحجار والمادة الرابطة المستخدمة في بنائه وهندسته، وتأثير مواد البيئة المحلية في العناصر المعمارية التراثية، كذلك المواد الرابطة للأحجار، كالجص الذي يستخدم في ربط أحجار الوحدات وفي الطلاء، وكذلك عمل نماذج للزخارف. كما تطرقت ورقته الى اسلوب تنفيذ البناء في برج المقطع باستخدام الحجر المحلي طبيعيا، حيث يوضع في الجدار بشكله الطبيعي من دون صفوف أفقية له، حيث يختلف وضع الحجر المحلي في بناء جدران وحدات حصن أبوظبي. في الواقع لقد امتازت ورقة العزاوي بتركيزها على المعلومات الهندسية والمعمارية التي كشفت عن أهمية قصر الحصن من جانبه التقني، كما قدمت للباحثين الجدد معلومات فنية وهندسية قيمة تتعلق بجماليات وزخارف البناء.

أبوظبي قديماً
وفي مستوى آخر احتلت الندوة أهمية خاصة من حيث محاورها، حيث ناقش نحو 33 باحثا وخبيرا آثاريا ومعماريا ومفكرا ومثقفا من الإمارات والوطن العربي والعالم يمثلون 29 مؤسسة وهيئة ومنظمة ذات صلة بالتاريخ الحضاري والانساني محورين مهمين: الأول حمل عنوان “أبوظبي قديما” وتناول المشاركون من خلاله دراسة النشأة والتطور التاريخي لمدينة أبوظبي منذ القرن الثامن عشر، وأبوظبي في كتابات الرحالة وفي الوثائق الأجنبية، واكتشاف المياه العذبة وانتقال المركز من قلب الصحراء الى الساحل، والبعد الاستراتيجي للانتقال الى أبوظبي وأثر ذلك على حلف بني ياس، والتراث المعماري في أبوظبي والمواد المستخدمة “قصر الحصن نموذجا”، والاقتصاديات التقليدية والحرف والمهن قديما في أبوظبي، والتطور العمراني في مدينة العين في الفترة ما بين 1966 الى 1970، أما المحور الثاني في الندوة فاشتمل على دراسات حول: تحديات نشوء الدولة الحديثة وشخصية القائد المؤسس في السياسة والحكم والنهوض بالموارد البشرية وتطوير قدراتها العلمية والتقنية، ودراسة النهضة الثقافية والفكرية والانفتاح على الثقافات الأخرى وتطوير البنية التعليمية لاحتياجات التنمية الشاملة والتطور المعماري في مدينة أبوظبي حديثا ودور المجلس التنفيذي وهيئة التخطيط العمراني في النهضة العمرانية، ما يؤكد شمولية محوري الندوة نحو دراسة حياة المدينة واستراتيجية القائمين عليها في مجال التطوير والتحديث والحفاظ على اصالة القديم.

حضور نسائي بارز
لقد حقق موضوع الندوة جذبا نوعيا لكوكبة من صفوة الباحثين والخبراء والاكاديميين والمثقفين والشخصيات الفكرية البارزة، ومن ذلك الحضور النسائي الاستثنائي من الباحثات، حيث شاركت نحو (7) باحثات وأكاديميات في رئاسة جلسات الندوة والقاء البحوث وأوراق العمل القيمة، إلى جانب المشاركة في المداخلات التي عكست مدى الوعي النسائي بموضوعات الندوة، مثل الدكتورة فاطمة الصايغ الأستاذ المشارك بقسم التاريخ والآثار في جامعة الإمارات العربية المتحدة، والدكتورة رفيعة غباش رئيسة الشبكة العربية للمرأة في العلوم والتكنولوجيا، والدكتورة بريجييت دومورتييه رئيس قسم الدراسات الجغرافية والتخطيط في جامعة باريس سوربون – أبوظبي، والدكتورة دورثي سيزلر استاذ الشرقيات في جامعة واشنطن، والدكتورة فاطمة سهيل محمد المهيري، الباحثة في المكتب الخاص لسمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان – مركز الحصن للدراسات والبحوث، والدكتورة فراوكة هيرد بي باحثة بمركز الوثائق والبحوث بأبوظبي، والدكتورة فاطمة السويدي استاذ مشارك بجامعة قطر، الدكتورة مريم سلطان لوتاه، استاذة بقسم العلوم السياسية بجامعة الإمارات، والباحثتين شمسة الظاهري وفاطمة المنصوري من مركز زايد للدراسات والبحوث. كما كان لافتا حضور نخبة من طلبة وطالبات الجامعات والمعاهد العليا لفعاليات الندوة، إلى جانب تمثيل مجموعة كبيرة من المؤسسات والهيئات في أعمال الندوة، ومنها على سبيل المثال: مركز التراث العالمي بمنظمة اليونسكو، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، متحف المرأة في دبي، جامعة كفر الشيخ بمصر، كلية الشرقيات بجامعة واشنطن، مركز البحوث بقطر، جامعة القاهرة، جامعة جورج تاون بواشنطن، دائرة الترميم والصيانة بدائرة الثقافة والإعلام بإمارة الشارقة، جامعة الإسكندرية، جامعة الإمارات العربية المتحدة، بلدية أبوظبي، جامعة باريس سوربون – أبوظبي، مركز الإمارات للبحوث الانمائية، جامعة عين شمس، والمنتدى الإسلامي حكومة الشارقة.

نقطة تحول
وأخيرا تأتي أهمية هذه الاحتفالية من ذلك التجمع الكبير لنخبة المشاركين، حيث أدير حوار التجارب بين مدارس مختلفة في مجالات البحث العلمي بشتى مقوماته وعناصره، مما ساهم بشكل واضح في مشاركة عدد من الباحثين الشباب، من بينهم الباحث الإماراتي “حمدان راشد علي الدرعي” من ديوان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة في مجال البحوث والدراسات، وقدم ورقة عمل بحثية تناولت الجانب التاريخي للمدينة بعنوان “البعد الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي لاختيار جزيرة أبوظبي” وجاء في ورقته: “ينظر الى اختيار الشيخ ذياب بن عيسى لجزيرة أبوظبي مقرا لحكمه في عام 1793، على أنّه نقطة تحول كبيرة في مسيرة حلف بني ياس، حيث طالت أبعادها لتشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية، فمن الناحية السياسية ساهم موقع جزيرة أبوظبي كعاصمة في إيجاد قنوات للتواصل والاتصال بالعالم الخارجي وبالقوى المهيمنة حينها، حيث دخلت أبوظبي في أول اتفاقية سياسية عام 1820، أي بعد نحو 28 عاما من نقل الشيخ ذياب عاصمته من الظفرة الى جزيرة أبوظبي، وتلا تلك الاتفاقية إبرام سلسلة من الاتفاقيات والمعاهدات السياسية التي نجحت في صقل أبوظبي كطرف سياسي ذي أهمية في المعادلة السياسية”.
ويستطر الدرعي في ورقته للبحث في جذور البعد التاريخي والسياسي للإمارة، إلى أن يصل إلى قوله: “وبعد مرور 250 عاما على اكتشاف المياه العذبة بها، تبدو أبوظبي غير تلك التي كانت إبان اكتشافها، فلم يعد الماء العذب ولا موقعها القريب من اليابسة سببا في سكناها واتخاذها عاصمة لحلف بني ياس ومن ثم عاصمة للاتحاد، بل يرجع الى اصرار القائد المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على أن تبقى أبوظبي بحصنها الأبيض الشامخ رمزا تاريخيا وطنيا شاهدا على عراقة تاريخها وإنسانها وبسالة ماضيها.
ومن الباحثين الشباب أيضا، والذين أكدوا حضورهم على صعيد المبنى البحثي ولغة الكتابة، الباحث في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث “أحمد محمد عبيد” وقدم بحثا أصيلا بعنوان “المواضع القديمة في إمارة أبوظبي” ناقش من خلاله الأصول التاريخية واللغوية لمواضع عديدة، منها إمارة أبوظبي كما وردت في المصادر العربية القديمة، وقد كان لهذه المنطقة حظ من الذكر في الكتب العربية القديمة، خاصة كتب الرحلات والبلدان باعتبار أن مواضع منها ذات شهرة كبيرة مثل (تؤام) الذي ربما كان إقليما كبيرا ضم قرى عدة وليس مدينة واحدة، كذلك مواضع أخرى مثل طريف وذو النار والجواء وغيرها كثير. كما ألقى البحث ضوءا تاريخيا على هذه المواضع وما ذكرته الكتب القديمة من قبائل سكنت فيها، مع تفسير لغوي لبعض هذه الاماكن وهو أمر جديد في المجال البحثي المعاصر ويحتاج الى دقة ومهارة وتوثيق، وبذلك كان جميلا أن تتنوع مصادر الباحث ما بين كتب الرحلات ومواضع البلدان وكتب اللغة والمعاجم وكتب الأدب والتاريخ وغيرها من المصادر، مما جعل من هذا البحث مرجعا علميا وتوثيقيا ولغويا مهما للباحثين والدارسين والطلاب.
ومثلما كانت الندوة غنية بمشاركيها، كانت أكثر غنى وثراء وصقلا بدراساتها وابحاثها وأوراقها البحثية التي جمعت في نظرتها وفكرها نحو أبوظبي بين الجوانب العلمية والفكرية والعمرانية والهندسية والتاريخية والاقتصادية والبيئية على نحو ورقة العمل التي قدمها المهندس عماد محمد سعد، مستشار بيئي ورئيس اللجنة الإعلامية لجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر، تحت عنوان “البيئة في فكر خليفة بن زايد آل نهيان – العمل يسبق الكلام”. وجاء فيها: “إنه خليفة بن زايد آل نهيان صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله، الذي اعتبر أن البيئة وتحقيق التنمية المستدامة في دولة الإمارات ليست ترفا فكريا أو اهتماما سطحيا وإنما هي واجب وطني، له جذوره العميقة الضاربة في وجدان هذا الشعب، وله أطره المؤسسية وتشريعاته المتكاملة وآلياته المتطورة التي أثبتت كفاءتها وفاعليتها وقدرتها على العطاء والتجدد. لقد ارتكز صاحب السمو رئيس الدولة في فكره البيئي على مجموعة من الأسس والثوابت التالية: السير على نهج المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ودعم البناء المؤسسي والتشريعي، وتعضيد الجهود الرسمية والشعبية في حماية البيئة والحياة الفطرية، كذلك تحقيق التوازن بين ما تنشده الدولة من نهضة اقتصادية، وبين الحفاظ على موروثها الثقافي والاجتماعي والبيئي، في تجربة فريدة تؤكد نجاح نموذج التنمية المستدامة في الإمارات، وأيضا الانفتاح على العالم عبر المؤتمرات وإطلاق المبادرات الطموحة التي تساهم في دعم آليات اتخاذ القرارات ووضع الاستراتيجيات والخطط والمشاريع الفعالة للتنمية المستدامة للدول.

أبحاث اليوم الأول
اشتمل اليوم الأول من الندوة التي انعقدت يومي 19 و 20 من ديسمبر الجاري على 3 جلسات تضمنت 16 بحثا، تصدرها بحث نوعي بعنوان “تحديات نشوء الدولة الحديثة وشخصية القائد المؤسس في السياسة والحكم” ألقاه الدكتور يوسف الحسن، مدير المعهد الدبلوماسي سابقا، وفاز كتابه “مستقبل دولة الرفاه في الخليج” بجائزة سلطان العويس الثقافية كأفضل كتاب منشور عن منطقة الخليج في عام 1998. لقد كان بحث الحسن في الواقع رقما صعبا بمضمونه ولغته وجرأته واسلوبه واستشرافاته وعصريته وخطابه، فقد تطرق الى مفارقات في التاريخ المعاصر للدولة كاحتلال الجزر الثلاث قبل قيام الاتحاد بيومين، وكيف نجح فقيد الوطن الكبير الشيخ زايد رحمه الله في بناء وطن وشعب، وكيف كان النفط قصة تحكى في بناء الدولة والانسان، متطرقا الى مفاتيح شخصية زايد الخير في الحكم والسياسة وحل الخلافات والنزاعات العربية عبر خطاب عقلاني، بحيث كان القائد المؤسس صمام أمان المنطقة بأكملها، ومن جملة ما قاله الحسن في هذا الجانب: “لقد كانت الإمارات وما زالت هي الدولة الوحيدة التي لم تطلب يوما ثمنا لدورها في مجال حل الخلافات العربية”، واستعاد الحسن جانبا من تاريخ الإمارات من خلال شخصية الراحل الكبير زايد الذي نجح بقوة خلال فترة حكمة بمصالحة عدد كبير من القبائل التي هجرت أبوظبي إلى قطر وأعادها الى حاضرة الدولة الجديدة حماية للكيان الاتحادي. وجاء في بحثه أيضا: “هي قصة نجاح بامتياز، اجتاز فيها شعب الإمارات ثنائية التحدي والاستجابة، وتغلب على عقبات وعوامل افتراق عسيرة، وانتقل خلالها من حال التجزئة والقبيلة واللادولة الى حال الاتحاد والمؤسسات والقانون والنظم والدولة الحديثة الراعية، ومن شرنقة الحرمان والفقر الى عالم الرفاه والمعرفة والعمر المديد والتنمية الشاملة رابطا ذلك كله بشخصية القائد المؤسس الشيخ زايد كمعادل موضوعي لجملة الاحداث التاريخية التي تعرضت لها الدولة خلال فترات مختلفة، فقد تمتع رحمه الله بشجاعة الحكيم، وهي سمة مرتبطة بفضيلة الصراحة وشجاعة القول، هذا القائد نجح بامتياز في قيادة هذا الشعب، وعلى النهج ذاته يسير قائد الوطن الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله فحقق للإمارات ومدينة أبوظبي على وجه الخصوص الفرادة والتميز لتكون بذلك جوهرة المدن في عمرانها وثورتها الخضراء وإنسانها الثابت على أصوله وجذوره وموروثه.
ومن الدراسات الموثقة والمجتهدة في الجانب البحثي والمنهج التاريخي التحليلي النقدي، ما جاء تحت عنوان “نظرة جديدة الى تاريخ إمارة أبوظبي بني ياس في البر والبحر” للدكتورة فاطمة سهيل المنصوري، حيث ركزت في دراستها على التعريف بقبيلة بني ياس، على اعتبار أن هذه القبيلة كانت على الدوام في بؤرة الأحداث المتلاحقة، ونقتطف: “إن ما يميز بني ياس عن غيرهم أنهم اعتمدوا في استراتيجيتهم الدفاعية على البر والبحر معا، وهذا ما أعطاهم ميزة استراتيجية دافعة مكنتهم في الغالب من إلحاق الهزائم بأعدائهم ومواصلة معركة البناء الذاتي، لقد أخضع بني ياس وضعهم البحري والبري لمعالم تحركهم وفقا للظروف والمعطيات السائدة، فكانوا يلجأون الى البحر اذا اقتضى الأمر، وينتقلون الى البر إذا ما فرضت الظروف عليهم ذلك”، لتخلص إلى “بني ياس قد مارسوا ظاهرة الانتقال السياسي طبقا لما اعتقدوا أنه يشكل ثقلا سياسيا وعسكريا واقتصاديا لاقامة العاصمة، وبهذا كانت لهم عواصم عدة عبر التاريخ وبما اقتضته الضرورات”.

أبوظبي بعيون غربية
كان لافتا أن نلمح واجهة أبوظبي من خلال عيون غربية، وجسد ذلك ورقة عمل بحثية تحمل خصوصيتها بعنوان “أبوظبي مركز جديد للعالم العربي وتجسيد مسبق لمدن المستقبل “ للدكتورة بريجييت دومورتييه، ومن جملة ما قالته: “لطالما اعتبرت أبوظبي مدينة نفطية نشأت من عدم، لكن الحقيقة أن آثار الاستيطان البشري فيها تعود الى آلاف السنين، لدرجة أن اسم جزيرة أم النار بات يطلق على حقبة أثرية قديمة، غير أن تاريخ ما يعرف حاليا بإمارة أبوظبي بدأ قبل 250 سنة، ويعتبر موقع نشأتها موقعا أصليا مقارنة مع مدن الخليج الأخرى التي نشأت عموما حول موانئ أقيمت على أخوار. لقد تميزت المدينة بسمة تفرد أخرى تمثلت في حفاظها على موقعها الأصلي وتجنّب التوسع بشكل أفقي على مساحات مترامية الاطراف، بحيث إنها أعادت بناء نفسها على الموقع عينه طيلة ثلاثة عقود متمسكة باصالة موقعها الجغرافي”.
في جانب آخر من وجوه مدينة أبوظبي الاقتصادية والتراثية، كشف الدكتور يحيى محمد أحمد، استاذ مشارك التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الإمارات العربية المتحدة عن أسماء مجموعة من العملات النقدية التجارية غير الرسمية منذ ظهورها وحتى بناء الدولة الحديثة من خلال بحث بعنوان “التطورات النقدية في أبوظبي في 250 عاما”، ولقيمة وثراء المعلومات التي قدمها هذ المنجز، قد يكون مصدرا ومرجعا مهما في مجال العملات والمسكوكات لمطالعة الجيل الجديد، ومن ذلك قوله: “لقد أدّى انهيار الخلافة العباسية واختفاء الخزانة المركزية الى اختفاء العملات العربية المركزية التي كانت تصدر من دار الخلافة وخزانتها في كل أنحاء العالم العربي، ولجأ سكان الخليج ككل لتدبير احتياجاتهم النقدية بعملات تجارية اختيارية، واستخدمت أبوظبي عملات محلية السّك في هرمز والديبل عرفت باسم اللارين أو طويلة الاحساء كعملة لأسواق التجزئة، بينما لجأ تجار التجزئة لاستخدام ريال ماري تريزة كعملة فضية عالية القيمة لأسواق الجملة”، بعض استعراض تفصيلي لمسيرة استخدام أهل المنطقة لعملات متنوعة ومختلفة، يوصلنا الى مرحلة حكم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، حيث كان له تطلع لاصدار عملة خليجية موحدة، خصوصا أن هناك أرضية موحدة هي الروبية الهندية التي بدأت تعاني التدهور، لذلك استخدمت أبوظبي دينار البحرين الشقيقة كعملة رسمية لاول مرة، ومع قيام الاتحاد اصدرت أبوظبي مع شقيقاتها الإمارات العربية العملة الوطنية الموحدة الأولى للدولة وهي الدرهم الإماراتي.
“أبوظبي بين المحلية والعالمية – الخصائص الاجتماعية والثقافية لمدينة حديثة” ورقة عمل بحثية قدمها الانثروبولوجي والباحث في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث الدكتور سليمان خلف، وقد حاول في ورقته القيمة تحديد طبيعة الاقتصاد السياسي الخاص بإمارة أبوظبي الذي يتمثل بتداخل معقد بين اقتصاد وفرة النفط الحديث ونظام حكم سياسي حمل قادته دورا رياديا تنمويا في حركة التحديث والنهضة. كما ألقت الورقة الضوء على عملية التحديث المتسارعة وتأثيرات قوى العولمة وانسياباتها بصفتها عوامل مهمة في تشكيل الخصائص وتجلياتها السوسيولوجية. كما كشف خلف في ورقته عن ظواهر خطيرة في الظاهرة الحياتية والاجتماعية لمجتمع المدينة، متحدثا عن أحوال الشّد والجذب بين الميل للعزلة الاجتماعية والتوجّه في الوقت ذاته لخلق ثقافة الاندماج والتفاعل بين الثقافات المتعددة التي تعيش اليوم في مدينة أبوظبي.

أبحاث اليوم الثاني
في 3 جلسات رصد نحو 17 باحثا وباحثة جماليات وفضاءات وتاريخ مدينة أبوظبي وشخصياتها البارزة في إطار رؤى متعددة الوجوه والأطر، ومن ذلك البحث القيم الذي قدّمته الدكتورة مريم سلطان لوتاه، وحمل عنوان “زايد والمشروع التنموي”، ولها قبل ذلك بحث نوعي بعنوان “مفهوم الحرية في الفكر العربي” . في بحثها في الندوة قالت لوتاه: “إن الحديث عن قيادة سياسية بمقام الراحل الكبير الشيخ زايد “طيب الله ثراه”، وعطائه التنموي تستدعي التطرق للعديد من القضايا، لعل من أهمها ما هو متصل بتجربة الوحدة وبناء الدولة وتحقيق التنمية، ومنها ما هو متعلق بتحقيق الأمن والاستقرار السياسي، ومنها ما هو متصل بالسياسة الخارجية لدولة الإمارات الملتزمة القيم والاعراف الدولية والمنطلقة من قيم الحوار الخلاّق والتعاون والسلام. وخلصت لوتاه في بحثها الذي قام على جملة محاور حول تجاذب المركزين كأساس للوحدة والتنمية وارادة التغيير والقدرة على احداثه والتنمية بمفهومها الانساني وبعدها القومي – خلصت الى ان نهضة الأمم مرتبطة في الأساس بثراء واصالة مخزونها الثقافي والحضاري، وأن حفاظها على رصيدها من الحضارة رهن بمدى بقاء مخزونها القيمي من جهة، وبوجود قيادة سياسية قوية قادرة على تحقيق الوحدة والدفع باتجاه التنمية، وهي مسألة ينبغي الانتباه اليها ونحن في صدد الحديث عن قيادة نادرة بمكانة المغفور له الشيخ زايد، وعلينا المحافظة على المخزون الثقافي والحضاري لمجتمع الإمارات باعتباره السياج الأول الذي يمكن أن يحافظ على الثقافة والهوية الوطنية.
الدكتورة فاطمة محمد السويدي من جامعة قطر، قدمت دراسة نقدية تطبيقية معاصرة بعنوان “الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي – صراع إثبات الذات من خلال الشعر”، وكان لافتا استخدام جماليات اللغة والصورة الفنية في تقديم الموضوع بقالب أدبي يتناسب وثيمة الموضوع المطروح حول مبدعة في مجال الشعر النبطي، حملت لقب “فتاة العرب” أو “فتاة الخليج”، ومن جملة ما قالته الباحثة : “يتسم الشعر في فترة ما قبل النفط من تاريخ الجزيرة العربية بالغموض وشح الوثائق المدونة، ولكنه ايضا ظل بين القبائل البدوية العربية – وان كان شعرا شفهيا – له مكانته السياسية والاجتماعية ويقوم بدوره الفاعل في التأثير على الناس وتحريك نشاطهم الفكري والابداعي. غير أن المراة ظلت الشاعر الصامت الذي توصد دونه الابواب وتكمم فيه الأفواه، وهذا ما يميز ديوان عوشة بنت خليفة، كونه نافذة تمكننا من الاطلاع على اعماق هذه المجتمعات التقليدية، ويعكس لنا تمرد هذه الشاعرة من جانب، ومستودع وعيها وخلقها الفني : ظروفه ومعطياته من جانب آخر”.
من أوراق العمل المهمة توثيقا وتأريخا ورقة بعنوان “أبوظبي في كتابات الرحالة والوثائق الأجنبية منذ القرن 19” للدكتورة فراوكه هيرد بي الباحثة بمركز الوثائق والبحوث بأبوظبي وناقشت فيها مسألة اعتماد عملية التأريخ الخاصة بإمارة أبوظبي على الوثائق المتوافرة ضمن الأرشيف الأجنبي، وتعرض الفصل الاول من الورقة للجوانب المختلفة للمادة الأرشيفية البريطانية المتعلقة بالمدينة، تلا ذلك التعريق باثنين من الرحالة الاوائل اللذين لم يزوروا أبوظبي لكنهما عرفا عنها عن طريق تناقل المعلومات الشفهية، وفي مطلع القرن العشرين زار أبوظبي عدة رحالة، من بينهم زويمر، وكوكس، وبوخارت، الذين ساهموا بقدر كبير في توثيق المعلومات حول المدينة ومجتمعها من خلال ملاحظاتهم الدقيقة وحفظ السجلات، في وقت لاحق من هذا القرن أتى الى أبوظبي أسطورتين في مجال التوثيق والترحال واكتشاف المجهول هما : ويلفرد ثيسجر ورونالد كودراي وسجلا الكثير عن أبوظبي وكنوزها وثقافتهخا وانسانها مما يحفظ لها اليوم هذل الأرشيف الرائع من المعلومات.
كان لافتا ما قدمه الدكتور نور الدين الصغير الاستاذ بجامعة الشارقة من خلال بحث ممتاز بكل المقاييس البحثية والاكاديمية والعلمية بعنوان “من ليوا الى أبوظبي مسيرة تاريخية وميلاد أمة – قراءة تاريخية نقدية في رحلة النشأة والتطور لحلف بني ياس من ربوع الصحراء الى ساحل الخليج العربي”. قال في حيثيات موضوعه: “لم تكن عملية النشأة والتكوين التي عرفها حلف بني ياس شبيهة بغيرها من التجارب التاريخية التي عاشتها الكيانات العربية السابقة مثل: احلاف الهانوية والغوافر والقواسم حديثا أو الجبور والجراونيين والعصفوريين والعيونيين سابقا، وقد سجلت هذه التجربة نقلة نوعية وكمية لكيان جمع بين خبرة الصحراء وحياة البحر والمدينة، فكان لمردوده أفضل النتائج التي تعيشها دولة الإمارات اليوم في ظل راعي نهضتها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وسليل أرقى المعادن وأكثرها التحاما بمسيرة الوطن المرحوم الشيخ زايد ذلك الرجل الذي تحققت على يديه معجزة الامارات الاصيلة المعاصرة”. لقد نجح الباحث عبر افكار معاصرة من تتبع المدينة ونشأتها وتطورها والاستراتيجية والقيادة والنجاح التاريخي.
“قيام الركائز الأربع لإمارة أبوظبي” بحث جميل وموثق لمدير البحوث في المجلس الوطني للإعلام “بيتر هيلير” صاحب أحد أهم الكتب التي صدرت عن الإمارات تحت عنوان “كنوز خفية مدخل الى علم الآثار في دولة الإمارات العربية المتحدة”. قال هيلير في بحثه في الندوة : “فسر العديد من الباحثين المتتبعين نشأة حاضرة أبوظبي في منتصف القرن 18 بأنها مرحلة مهمة في قيام إمارة أبوظبي، لكن هذا التفسير يظل محدودا في ظل توافر بعض الحقائق الأثرية والتاريخية، ابرزها وجود أدلة على حدوث استقرار في جزيرة ابوظبي قبل فترة طويلة من القرن 18، اضف الى ذلك هناك أيضا أدلة كثيرة يعود تاريخا الى 7000 سنة، تشير الى حدوث استيطان في مناطق ساحلية في أبوظبي وجزرها انطلاقا من غنتوت في الشمال الشرقي، الى منطقة السلع في أقصى الغرب. لقد شكلت نشأة أبوظبي الحديثة عاملا مهما جدا من حيث تركيز الاهتمام على الساحل الذي تمكنت انطلاقا منه قبائل حلف بني ياس بقيادة آل بوفلاح وعلى وجه الخصوص عائلة آل نهيان من بسط قوتها والتفاعل مباشرة مع العالم الخارجي، وعليه يمكن النظر الى مدينة أبوظبي بشكل أفضل على أنها واحدة من المناطق أو الركائز الاربع المختلفة التي ترتكز عليها اليوم البنية الجغرافية والتاريخية والسياسية للامارة وهي : أبوظبي والعين وليوا والجزر الغربية.
بالطبع لن نستطيع الحديث عن بحوث ودراسات وأوراق الندوة كافة نظرا لحجم واتساع موضوعاتها وتفصيلاتها، فقد كانت هناك أيضا جملة من البحوث والدراسات القيمة والنوعية منهجا وبحثا وتعبيرا وتوثيقا، على نحو بحث الدكتور أحمد رجب، استاذ بكلية الآثار بجامعة القاهرة بعنوان “التوافق مع البيئة في العمائر التراثية بأبوظبي”، كذلك بحث ناصر العبودي، خبير في مجال الآثار والتراث الحضاري بعنوان “أبوظبي النشوء والمعمار”، كذلك ورقة العمل البحثية بعنوان “أبوظبي في تقرير المسؤولين البريطانيين في بداية عهد زايد “للدكتور المدرس بكلية الآداب بجامعة الاسكندرية، وبحث فاطمة المنصوري بعنوان “العلاقات التاريخية بين أبوظبي وعمان – 1793 – 1966، قراءة وثائقية في عمق العلاقات ونتائجها السياسية والاقتصادية على إمارة أبوظبي”. كما أننا لا ننسى حضور عدد من الشخصيات البارزة في المجال، ومنهم الأمين العام المساعد للمنتدى الاسلامي بحكومة الشارقة ماجد بوشليبي الذي ترأس وأدار الجلسة الثالثة من جلسات اليوم الاول. كذلك حضور الدكتور حمد محمد بن صراي استاذ التاريخ القديم بجامعة الإمارات العربية المتحدة، وترأس الجلسة الأولى لليوم الثاني، وحضور الدكتور رياض نعسان آغا، المستشار الثقافي بمركز سلطان بن زايد للثقافة والاعلام، الذي قدم دراسة قيمة بعنوان النهضة الثقافية والفكرية والانفتاح على الثقافات الاخرى، كذلك الحضور اللافت لمدير تحرير مجلة تراث حنفي محمود جايل، ومدير تحرير مجلة الإعلام والعصر خالد عمر بن ققة وقدم ورقة عمل بعنوان” خليفة وأبوظبي التجربة والرؤية والتمكين” وحضور الدكتور عبد العزيز عبد الغني أستاذ جامعي وباحث متخصص في تاريخ الخليج الحديث، وقدم بحثا بعنوان “كاميرا الرحالة الالماني هيرمان بوشارت في أبوظبي”.

توصيات الندوة
لم تكن توصيات “ندوة أبوظبي 250 عاما من التطور”، توصيات عادية، فقد حملتها اللجنة المنظمة للندوة برئاسة الشاعر حبيب يوسف الصايغ المدير العام لمركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، العديد من التطلعات التي ستنعكس إيجابا على الساحة الثقافية والتراثية المحلية، بل ستحقق رؤية جديدة لجوانب من الابداع الفكري والانساني. ومن جملة تلك التوصيات النوعية التوصية بانشاء “متحف ليوا ذاكرة الانسان والصحراء”، ويهدف الى تعزيز ثقافة الصحراء باعتبارها جزءا مهما من مفردات الهوية الوطنية. كما جاء في التوصيات التأكيد على إطلاق ندوة دولية علمية متخصصة عن تاريخ وتراث أبوظبي تعقد في شهر ديسمبر من كل عام، كذلك نشر البحوث العلمية المشاركة في أعمال الندوة في كتاب يوزع على المشاركين وجهات الاختصاص والمكتبات، كما تضمنت توصيات اللجنة إطلاق مجلة علمية محكمة باسم “حوليات أبوظبي” الى جانب العديد من التوصيات ذات الصلة بتطوير مجال البحث العلمي وتعزيز مكانة أبوظبي من خلال إبداع جديد.
لقد أجمع المشاركون على مختلف آرائهم ووجهات نظرهم الفكرية والعلمية في ختام ندوتهم التي تم تقديمها للحضور باللغات العربية والانجليزية والفرنسية مع ترجمة فورية على أن مدينة أبوظبي هي مدينة استثنائية تطل اليوم على العالم بقوة وثقة كوجهة ثقافية وسياحية ومكانا له هويته وجذورة واصالته وعراقته وشخصيته ذات الخصوصية الخليجية بكامل عناصرها، كما يجمع بين فسيفساء تركيبته معادلة الاصالة والمعاصرة، الى جانب كونها نجحت وعرفت كيف تتحدث مع الآخر، وكيف تستقبله وكيف تشجع على الحوار مع الآخر من خلال خطاب عقلاني يقوم على اطار ثقافة التسامح وحوار الحضارات وتحقيق الامن الاستراتيجي الذي هو أساس التقدم والنهضة والابداع المنسجم مع طموحات الشعب.
باختصار لقد نجحت هذه الاحتفالية في أن تكون الاستثناء من خلال المناخ العلمي الممتزج بفضاء شاعري في التعبير وسرد المعلومات التاريخية، والفضاء الانساني الذي تحقق من خلال تجمع الابداع والمبدعين في فضاء ورحاب روح المدينة الجميلة وهي نتاج روح الاتحاد بكل ألقه وكبريائه وصفائه بلون صفاء سماء مدينة أبوظبي التي تحدثت بثقة عن نفسها كما تحدثوا عنها ببهاء يليق بجمالها وروحها الوثابة المندفعة بقوة نحو مستقبل العصر وحوار الذات.