الاتحاد

ثقافة

المستبد العادل

يرى الكاتب المصري محمد عفيفي أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة أن القرن العشرين عربيا هو ''قرن المستبد العادل'' وينسب المصطلح إلى الإمام محمد عبده·
لكنه يسعى في كتابه ''المستبد العادل'' الصادر في القاهرة عن المجلس الأعلى للثقافة ويقع في 94 صفحة كبيرة القطع، إلى تحطيم هذه الفكرة بطرح سؤال استنكاري ''كيف يكون المستبد عادلا في الوقت نفسه؟'' لما تنطوي عليه الصفتان من تناقض· ويقول محمد عفيفي ''إن صيغة المستبد العادل تبدو كأسطورة يلجأ إليها الإنسان أحيانا ليهرب من أزمات واقعه وعادة ما تكون هذه الصيغة مناسبة للشعوب الضعيفة أما الأمم القوية فتستغني عنها وتستبدل بها دولة المؤسسات''·
ويرجع عفيفي مقولة المستبد العادل إلى محمد عبده (1849-1905) وهو من أبرز رموز الإصلاح في مصر في نهاية القرن التاسع عشر· وسجن محمد عبده بعد انكسار الثورة العرابية في مصر 1881 واحتلال بريطانيا للبلاد في العام التالي كما نفي إلى الشام وذهب إلى باريس ليصدر من هناك مجلة (العروة الوثقى) مع جمال الدين الأفغاني قبل أن يعود إلى مصر ليتولى منصب مفتي الديار المصرية عام ·1899
ويقول عفيفي إن محمد عبده أرسل إلى مجلة الجامعة العثمانية في مايو 1899 مقالا عنوانه (إنما ينهض بالشرق مستبد عادل) يطرح فيه هذا السؤال·· ''هل يعدم الشرق كله مستبدا من أهله عادلا في قومه يتمكن به العدل أن يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرنا·'' وفي ظن محمد عبده أن هذا المستبد العادل يتمكن خلال خمسة عشر عاما من إنجاز مهمة توحيد الصف تحت زعامة رشيدة حتى يستطيع أن '' يحشد له جمهورا عظيما من أعوان الإصلاح من صالحين كانوا ينتظرونه وناشئين شبوا وهم ينتظرونه وآخرين رهبوه فاتبعوه وغيرهم رغبوا في فضله فجاوروه'' وهو ما كان يأمل أن يكون جدول أعمال تدريجيا لنهج ديمقراطي في الشرق كما يقول عفيفي·
ويرى المؤلف أن هذا المقال أصبح ''علامة فارقة في تاريخ الفكر العربي والإسلامي إذ قدم الإمام ربما بشكل لا إرادي الإطار النظري لهذا النموذج الذي سيسود النظام العربي الإسلامي بعد ذلك'' في إشارة إلى صيغة المستبد العادل التي كان أبرز نموذج لها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر· كما يرى أن تاريخ محمد عبده يتناقض مع هذا المقال الغريب على فكره إذ كان يرفض الاستبداد وينشد الحرية· إلا أن عفيفي ينوه إلى أن محمد عبده لم يقدم لنموذج المستبد العادل غطاء دينيا أو تأطيرا إسلاميا بل رسم ملامح هذا النموذج في إطار اجتهاد عقلي ضمن سياق تاريخي سقطت فيه دول عربية فريسة للاستعمار وفشلت صيغة المثقف الثائر متمثلة في نموذج الأفغاني كما كان محمد عبده بحكم إقامته في أوروبا متأثرا بنظرية ''الرجل العظيم أو المصلح كنابليون أو على الأكثر بسمارك في ألمانيا·''
ويضيف أن آراء محمد عبده حول المستبد العادل كانت لها أصداء في بلاد الشاـــــم بين مفكرين منهــــم المناضـــل الســـوري عبد الرحمن الشهبندر (1879-1940) في ثلاثينيات القرن العشرين· ويسجل أن زعيم حزب الأمة 1907 أحمد لطفي السيد (1872-1963) الملقب بأستاذ الجيل تصدى لمقولة المستبد العادل بحكم أنه ''أبو الليبرالية المصرية'' إذ نشر في العاشر من يناير 1914 عشية الحرب العالمية الأولى مقالا عنوانه (حقوق الأمة) رأى فيه أن الجمع بين الاستبداد والعدل فكرة خيالية· ويقول إن لطفي السيد رصد مبكرا أبرز أسباب انتشار أسطورة المستبد العادل ''وهو فشل المشروع الليبرالي في الشرق'' الذي استبدلت به الشعوب العربية نظرية المستبد العادل أو الزعيم على سبيل الاستسهال·

اقرأ أيضا

نهيان بن مبارك يفتتح معرض «طيبة الطيبة - التسامح المديني»