الاتحاد

الاقتصادي

التدفقات النقدية تثير قلق الاقتصادات الآسيوية من «حرب عملات» جديدة

بائع للعملة الصينية في أحد محلات الصرافة في بكين (رويترز)

بائع للعملة الصينية في أحد محلات الصرافة في بكين (رويترز)

تثير التدفقات النقدية الضخمة التي تستهدف الفرص الاستثمارية المغرية قلق الاقتصاديين في آسيا، بشأن تكرار سيناريو مشابه حدث قبل عامين، عندما قادت التدفقات النقدية من الغرب إلى ارتفاع عملات الدول الناشئة.
وتمكنت اقتصادات القارة الأسرع نمواً، من التغلب على المصاعب التي صاحبت العام 2012 بنجاح نسبي، حيث أشار الاقتصاديون إلى إمكانية عودة المنطقة إلى الانتعاش في العام 2013، ما لم يتعرض اقتصاد أميركا و “منطقة اليورو” إلى ضربة قوية، لكن على آسيا أن تدفع ثمنا مقابل تحقيق ذلك.
وحذر المحللون مؤخراً من أن يعمل الانتعاش الاقتصادي النسبي في القارة، مرة أخرى على جذب كميات ضخمة من السيولة النقدية، مما يمكن أن يقود إلى تكرار ما حدث قبل سنتين، عندما أدت التدفقات النقدية الكبيرة معظمها من الغرب، إلى “حرب العملات”، حيث عانت البنوك المركزية من أجل المحافظة على عملاتها من الارتفاع السريع.
والآن وفي ظل عودة النمو في القارة وبذل البنوك المركزية في الدول المتقدمة للمزيد من الجهود، لدفع عجلة نمو اقتصاداتها المتعثرة، بدأت التدفقات النقدية في إثارة الشكوك السالبة مجدداً، وارتفعت على سبيل المثال أسعار السلع في معظم دول المنطقة، حيث ارتفعت العملة في كوريا الجنوبية مقابل الدولار، بأكثر من 5% منذ أغسطس الماضي.
كما ارتفعت البيسو الفلبينية بنحو 4% في أكبر نسبة لها منذ 2008. ولم يُستثن من الارتفاع كذلك الدولار التايواني والبات التايلندي والرنجيت الماليزي. ويقول فريدريك نيومان، المسؤول الاقتصادي الإقليمي في “أتش أس بي سي”، :”من الممكن الرجوع إلى النقطة التي كنا عليها في 2010، نتيجة عودة التدفقات النقدية في دول آسيا الناشئة”.
وتعتبر التدفقات النقدية لعدد كبير من الدول حول العالم بمثابة النعمة، وقضت أميركا واليابان وأوروبا جزءا كبيرا من السنوات الأربع الماضية، في محاولة إحياء اقتصاداتها من خلال خفض أسعار الفائدة وضخ السيولة في الأنظمة المالية المتعثرة، عبر شراء الأصول المالية.
وأعلن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مؤخراً، عن استمراره في شراء أوراق الخزينة المالية والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، حتى يتمكن سوق الوظائف من التحسن، وبالمثل ربما يزيد البنك المركزي الياباني من عمليات شراء الأصول وبرنامج الإقراض التي يقوم بها في الوقت الحالي.
وبمرور السنوات، تسربت هذه التدفقات النقدية إلى بعض دول العالم، حيث سرعة النمو وارتفاع العائدات، وتميزت أحجام الأموال التي تدفقت في دول آسيا النامية في بعض الأوقات بالضخامة. ويقدر بنك “دي بي أس” في سنغافورة، التدفقات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة بين نهاية 2009 إلى 2010، بنحو ملياري دولار يومياً.
ويقدر الاقتصاديون في بنك “نوميورا” الياباني، أن صافي تدفقات السيولة في آسيا بين بداية 2009 إلى منتصف 2011 باستثناء اليابان، بلغ نحو 783 مليار دولار، المبلغ الذي يفوق تدفقات السنوات الخمس التي سبقتها عند 573 مليار دولار.
لم يكن تجدد التدفقات التي شهدتها الأشهر القليلة الماضية بالحجم الكبير، علاوة على تباين هذا الحجم من دولة إلى أخرى، ويتخوف المستثمرون من عدم المقدرة التي أظهرتها الهند لإحداث إصلاحات اقتصادية هامة، ما قاد إلى انخفاض قيمة الروبية بأكثر من 11% منذ فبراير من العام الماضي، وخفضت الصين الاستثمارات الأجنبية الواردة، إلى حجم قليل نسبياً.
وبدأت بوادر الضغوطات تلوح في بعض دول المنطقة، وارتفع مؤشر “نومورا” والذي يعمل على قياس الضغوطات الناجمة عن التدفقات النقدية في الآونة الأخيرة ومع أنه ظل دون مستوى الارتفاع الكبير في 2010 إلا أنه سجل أعلى ارتفاع له منذ مايو 2011.
وأضاف نيومان : “ارتفعت قيمة العملات على الرغم من الجهود التي تبذلها البنوك المركزية للحيلولة دون ذلك، كما انخفضت أسعار العقارات في الوقت الذي ارتفعت فيه وتيرة الإقراض للمستهلكين والشركات”. وتضافرت كل هذه الأحداث لإحياء المخاوف التي عادة ما تصاحب التدفقات النقدية الكبيرة والمتقلبة.
أما بالنسبة للمصدرين، فإن ارتفاع العملات يعود عليهم بالضرر الكبير، حيث يساعد على زيادة أسعار السلع المصدرة بالنسبة للمستهلك في مناطق أخرى، في حين يقود ارتفاع أسعار العقارات أفراد الشعب العاديين إلى الإحجام عن الشراء، ولا يخلو ارتفاع تكلفة إصدار سندات الشركات من المخاطر، على الرغم من دعمه للنمو وتنويع التمويل.
ومن جانبه، جاي ستير، قال مدير البحوث لمنطقة آسيا والمحيط الهادي في بنك “سوسيتيه جنرال” في هونج كونج :”شهدت آسيا زيادة ضخمة في حجم الديون الجديدة خلال هذا العام، التي بموجبها يتم بناء مشكلة لنحو فترة تمتد بين سنتين إلى أربع سنوات مقبلة”.
وحذر أيضاً “بنك آسيا للتنمية” في تقرير أصدره في نوفمبر الماضي، من أن يشكل الارتفاع في تدفقات السيولة المتقلبة، تهديدا محتملا لسوق السندات في المنطقة. ويواجه صانعو القرار هاجس أن الطريقة المثلى لمحاربة فقاعة الأصول والتضخم، هي من خلال زيادة أسعار الفائدة، التي تؤدي إلى جذب المزيد من السيولة من الخارج، لينتج عن ذلك ارتفاع بنسبة أكبر في قيمة العملات، في تطور غير مرغوب يتزامن مع استمرار ضعف الاقتصاد العالمي.
وبدلاً عن ذلك، ربما يلجأ صانعو القرار، إلى زيادة التدابير التنظيمية المستهدفة بغرض احتواء التدفقات النقدية. وتتضمن التدابير التي أعلنتها العديد من الدول الناشئة في 2010 فرض ضريبة على الاستثمارات الأجنبية في السندات الحكومية في تايلاند مثلاً. والآن، ومع تدفق السيولة مرة أخرى، يحاول المسؤولون إيجاد طرق إضافية للحيلولة دون هذه التدفقات.
وأعلنت سلطات كوريا الجنوبية في نوفمبر الماضي، تقليص الديون التي لدى البنوك بالعملات الأجنبية، في خطوة تهدف إلى خفض معدل تعرض البلاد إلى انتكاسات مالية مفاجئة. وفي أكتوبر الماضي، فرضت حكومة هونج كونج ضريبة قدرها 15% على شراء المنازل لكل شخص لا يقيم بصفة دائمة في المدينة، بما في ذلك العديد من المستثمرين الصينيين الذين ساعدت سيولتهم النقدية في ارتفاع أسعار العقارات وبالتالي في الانضمام إلى مد السيولة القادمة من دول الغرب إلى داخل أسواق آسيا.
وتكمن المشكلة في أن مثل هذه التدابير ليست لديها المقدرة الكافية للتصدي للتدفقات النقدية، خاصة في ظل وجود بعض الثغرات. وفي مثل هذا المناخ، تجد البنوك المركزية نفسها بعيدة عن الحد من انتعاش الائتمان وفقاعات أسعار الأصول والتضخم.

نقلاً عن: إنترناشونال هيرالد تريبيون
ترجمة: حسونة الطيب

اقرأ أيضا

«الاتحادية للضرائب» تغرّم مخالفي «العلامة المميزة»