الاتحاد

تقارير

أمراء الحرب الأفغان... صراع على السلطة

يشعر "باز محمد" صاحب أحد المحلات في منطقة "شاربولاك" بمحافظة "بلخ" الأفغانية بالقلق بسبب تراجع الأمن بهذه المحافظة التي كانت إلى وقت قصير تنعم بالاستقرار وندرة أعمال العنف، لذا يخشى، على غرار باقي المواطنين في المنطقة، من اندلاع أعمال قتالية تقوض الاستقرار الهش في المحافظة مقارنة مع باقي المناطق الأفغانية الملتهبة.
ما يخشاه "باز محمد" ليس عناصر "طالبان" كما قد يتوقع البعض، بل هو منشغل أكثر بقادة المليشيات السابقة الذين ينحدرون من المنطقة، ويتصارعون من أجل السلطة بعدما شعروا بأن منصب حاكم المحافظة بات محل تسابق بين القوى السياسية والعسكرية المتواجدة على الساحة الأفغانية، فاستنفر الجميع إمكاناته للفوز بالمنصب وترسيخ وجوده في المنطقة.
ويعبر "باز" عن هواجسه من تدهور الوضع الأمني في المحافظة قائلًا: (لم أرَ أبداً عناصر "طالبان" في هذه المنطقة، لكني أرى كثيراً أمراء الحرب السابقين يجوبون المحافظة بأسلحتهم". ويُرجع "باز محمد" الانزلاقات الأمنية التي بدأت تشهدها محافظة "بلخ" في الآونة الأخيرة إلى القطيعة التي حدثت أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة بين حاكم المحافظة، عطا محمد نور، وبين الرئيس الأفغاني، فقد انحاز عطا إلى خصم كرزاي الرئيسي ومنافسه الشرس في الانتخابات الرئاسية، عبدالله عبدالله، لا سيما وأن هذا الأخير وحاكم محافظة "بلخ" ينحدران من المجموعة الإثنية نفسها المتمثلة في الطاجيك والقوى السياسية المنتشرة في شمال أفغانستان.
وعن هذا الصراع يقول "باز محمد" الذي يخشى من انهيار الاستقرار في المحافظة "إذا لم يصحح كرزاي وعطا العلاقة بينهما، وينهيا الخلافات المستحكمة على خلفية الانتخابات الرئاسية، التي شهدتها البلاد في شهر أغسطس الماضي، فإن الأمور ستسوء، فقد وصلنا إلى مرحلة لا تستطيع فيها قوات الشرطة تسيير دورياتها ليلاً في المحافظة".
وبعدما أُعلنت نتائج الانتخابات الرئاسية في شهر أكتوبر الماضي عقب فترة طويلة من الترقب والانتظار وتصاعد حدة الاتهامات التي وجهت للحكومة بالتزوير والتلاعب بالأصوات، دخلت محافظة "بلخ" مرحلة من التوتر وانعدام الأمن غير مسبوقة في تاريخها، وزادت الأمور سوءاً بعد إعلان كرزاي فائزاً في الانتخابات، وتنصيبه رئيساً للبلاد، فيما أثيرت العديد من الأسئلة حول استمرار "عطا" حاكماً للمحافظة بسبب خلافه مع الرئيس وتأييده لخصمه اللدود، بحيث تسري شائعات قوية بأن الرئيس كرزاي سيسعى إلى استبداله، وهو الأمر الذي يتخوف منه الأهالي بسبب احتمال اندلاع العنف لو حاول الحاكم التشبث بمنصبه وأصر على الاستمرار رغم قرار الرئيس بتنحيته.
وفي إشارة إلى الوضع الأمني الآخذ في التدهور قُتل على مدى الأسابيع الستة الماضية عشرون شخصاً من بينهم أعضاء من الشرطة الأفغانية. هذا في الوقت الذي تصاعدت فيه الهجمات على القوات الأجنبية، وهو شيء جديد على محافظة "بلخ" التي نعمت بالهدوء والاستقرار طيلة السنوات الأخيرة.
وقد أكد المخاوف الأمنية التي يستشعرها أهالي المنطقة الجنرال "مراد على مراد"، قائد القوات الأفغانية المتمركزة في محافظة "بلخ"، حيث أشار إلى تعاظم أنشطة الجماعات المسلحة غير المحسوبة على متمردي "طالبان"، لا سيما في الأسابيع الأخيرة التي تنامت فيها وتيرة العنف، وشهدت سقوط بعض قوات الشرطة في اشتباكات متفرقة، لكن الجنرال بدا حاسماً في القضاء على المسلحين قائلًا: "سنستأصل جميع الميلشيات التي ترفع السلاح في وجه القوات الأفغانية، لن نترك لهم الفرصة لزعزعة استقرار بلخ".
وفي السياق نفسه، شدد "لال محمد أحمدازي"، المتحدث باسم قوات الشرطة في الشمال على ثقته في القضاء على أمراء الحرب السابقين الذين يروعون السكان، قائلًا: "ما نراه حالياً في العديد من المناطق هو محاولة يقوم بها البعض ممن عاشوا في السابق على الحرب للرجوع مجدداً إلى الساحة وفرض شروطهم"، لكنه أصر بأن رجاله الذين يشكلون قوات الأمن الأفغانية مستعدون لمواجهتهم والتصدي لهم. ومن جانبه اتهم "عطا" وزارتي الدفاع والداخلية بإرسال أسلحة إلى الشمال لدعم جماعات متعددة، وهي التهمة التي نفتها كابول.
ورغم القاعدة القوية التي يتوفر عليها "عطا" في محافظة "بلخ"، إلا أنه مع ذلك ليس السياسي الوحيد المتواجد على الساحة، بل ينافسه العديد من المعارضين الذين يتطلعون إلى منصب حاكم المحافظة مثل الجنرال الأوزبكي "عبد الرشيد رستم"، قائد حركة "جنبيش" والذي يسيطر على منطقة "جوزان"، وهو أحد أشد المعارضين للحاكم الحالي للمحافظة.
وهناك أيضاً الزعيم البشتوني "جمعة خان حمدارد" الذي وإن كان يشغل منصب الحاكم في محافظة "باكتيا" في الجنوب، إلا أن له جذوراً في "بلخ" ويُعتقد أنه يسعى إلى الإطاحة بـ"عطا"، وأخيراً يبرز "محمد محقق"، قائد الهازارة وزعيم جماعة "وحدة الإسلامي" التي أعلنت معارضتها لحاكم "بلخ".
ويذكر أن الزعماء الثلاثة بالإضافة إلى "عطا محمد نور" كانوا قادة لفصائل مسلحة، شاركت في الحرب الأهلية التي اندلعت بداية التسعينيات، بعدما دخلت القوى الأفغانية في صراع دام على السلطة، إثر سقوط الحكومة التي كان يدعمها الاتحاد السوفييتي.


مدير معهد «تقارير الحرب والسلام»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم.سي.تي انترناشونال»

اقرأ أيضا