عربي ودولي

الاتحاد

العــــالم امـرأة - السعد عمر المنهالي

فايرا فيكي فريبيرجا ·· غايـة أخرى
يقول مثل لاتفي الشيطان لا يعرف أين تشحذ النساء سكاكينهن ، وبما أنه لا يعرف أين تشحذها فمن الأولى أنه يجهل لماذا تشحذها· ولا أعلم هل اللاتفيين يطلقون هذا المثل أيضا على نسائهم أم أنه للاستخدام الخارجي فقط؟!· فقد كان اعلان الرئيسة اللاتفية في السابع من مايو الجاري 2005 بأنها ستحضر مراسيم احتفال الروس بالذكرى الستون لانتصار الحلفاء على النازية، -رغم رفضها السابق لحضور الحفل،- غريبا، وإن كانت قد فسرته بقولها -عمود نشر لها في التاسع من مايو في صحيفة واشنطن بوست الأميركية -: أنها قبلت الدعوة لانها تريد أن ترى النصر الذي حققه الحلفاء على ألمانيا النازية يتحقق كذلك في انتصار القيم الديموقراطية على الاستبداد وقيم الحزب الواحد، وهو ما يدفعها إلى حث كل الأمم الديموقراطية لدفع روسيا لإدانة الجرائمِ التي ارتكبتها الدولة السوفييتية في بلادها!، فهل في الأمر سكاكين تشحذ أم أن الأمر لا يتعدى تردد امرأة؟·!!
ولدت فايرا فيكي فريبيرجا الأول من ديسمبر عام 1937 في العاصمة اللاتفية ريغا ، غير أنها لم تكد تنعم بطفولة هانئة فيها، فقبل أن تدخل عامها السابع في العاشر من أكتوبر عام 1944 اضطرت عائلتها للرحيل من ريغا قبل ثلاثة أيام فقط من دخول الجيش الأحمر الألماني إليها متجهة إلى أحد مخيمات اللاجئين في ألمانيا، حيث تراصت الأسرة ذات ثلاثة طوابق داخل المخيمات فوق بعضها البعض في أسوأ ظروف انسانية·
من استعمار إلى استعمار
تتذكر فايرا فيكي تلك السنوات بألم كونها اضطرت وعائلتها إلى مغادرة بلادها هروبا من النازية أولا ومن الحكم السوفييتي ثانيا إلى ألمانيا، ومن ثم إقامتها لعامين في أحد مخيمات اللاجئين هناك على أمل العودة إلى بلادها· ورغم هروب عائلة فايرا فيكي من الاحتلال النازي والستاليني -نسبة إلى ستاليتن على حد قولها- فإنها وبعد عامين من انتهاء الحرب العالمية الثانية انتقلت بعد تدخل وكالات غوث اللاجئين التي كانت تقدم عروض عمل لهم إلى الدار البيضاء في المغرب للسكن في إحدى المحميات الفرنسية هناك، أي تحت حماية الاحتلال الفرنسي· فقد استطاع والدها أن يجد عملا هناك كمهندس كهرومائي، وبين الفرنسيين استطاعت فايرا أن تتقن الفرنسية بجانب لغتها الاتفية، وهي اللغة التي ظلت تحبها حتى بعد انتقالها إلى فتورينتو بكندا، وهناك درست علم النفس في جامعة تورينتو وفي جامعة ميغيل بـ مسيسوغا ، فحصلت على شهادة الدكتوراه عام ·1965
استطاعت فايرا فيكي أخيرا الحضو بعد ربع قرن بزيارة لاتفيا عام ،1969 غير أنها عادت لتحكي عن عالم آخر غير الذي تركته، عالم يعشعش فيه الفقر والفساد· وكانت في تلك الفترة قد أصبحت أستاذة في علم النفس في جامعة مونتريال حتى عام ·1998 واستطاعت خلال تلك الفترة من شغل مناصب عدة كنائبة لرئيس المجلس العلمي، ومنصب الرئيسة للعديد من المنظمات المهنية للعلوم الاجتماعية في كندا·
ظلت فايرا فيكي ترتبط ببلادها لاتفيا رغم البعد الجغرافي بينها وبين كندا، فكانت الجالية اللاتفية ضالتها، والأدب الشعبي في مسقط رأسها همها هناك· فقد عملت كمحاضر ورئيس مجلس إدارة الحلقات الدراسية للتراث الثقافي اللاتفي منذ عام 1965 وحتى عام 1985 للجامعيين، في كل من كندا وفنزويلا والولايات المتحدة الأميركية والبرازيل· وخلال تلك الفترة صدر لها ثمانية كتب في علم اللغة وعلم العَروض والنقد، منها الأغنيات الفولكلورية اللاتفية و الشمس الدافئة و ضد التيار و فوق الجبل الكهرماني كما كان لها إسهامات متعددة في دوريات وصحف عالمية·
وفي عام 1979 حصلت على جائزة في علم فقه اللغة اللاتفية، وفي عام 1989 على جائزة من الجمعية العالمية للاتفيين الأحرار في الولايات المتحدة الأميركية، وفي عام 1992 على جائزة مارسيل فينسينت لإسهاماتها البارزة في العلوم الاجتماعية، وفي عام 1995 حصلت من الجمعية الملكية الكندية على جائزة لإسهاماتها في العلوم الإنسانية، وفي عام 1997 على وسام تقديري من الأكاديمية اللاتفية للعلوم، هذا بجانب عدد كبير من الدرجات العلمية الفخرية من الجامعات الكندية والاتفية·
شعبية كاسحة
في عام 1989 تقاعدت بعد ما يزيد عن ثلاثة عقود للعمل الأكاديمي، وفي ذلك العام عادت إلى بلادها لتعيين مديرة لأحد المعاهد المختصة للترويج للاتفيا في الخارج· ويبدو أن هذه الخلفية العلمية والاجتماعية بالإضافة إلى إتقانها الألمانية والأسبانية والإنجليزية بجانب الفرنسية ولغتها الأم بطبيعة الحال، اضافة الى بعدها تماما عن أي نشاط سياسي، قد وجهت إليها أنظار الساسة في لاتفيا· ففي يونيو عام 1999 لم ينجح البرلمان في لاتفيا في اختيار رئيسا للبلاد، وبعد فشلهم المتكرر -ورغم أن فايرا فيكي فريبيرجا لم تكن مرشحة للرئاسة إلا أنها كسبت احتراما ورضا كافة الأطياف السياسية في البلاد، إضافة إلى كونها لم تنتمي إلى حزب معين، كان اختيارها وبشبه إجماع لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة إحدى دول أوروبا الشرقية في السابع عشر من يونيو عام ·1999
لم يخطئ الساسة اللاتفيين باختيارهم فايرا فيكي فريبيرجا رئيسة لبلادهم، فما لبثت أن حققت شعبية سجلت لصالحها فانتخبت للمرة الثانية رئيسة للبلاد بعد انتهاء أربع سنوات فترة ولايتها الأولى في يونيو عام ·2003 ولم تكن شعبيتها التي بلغت من 70 إلى 85 بالمائة مقتصرة على الداخل فقط، فقد بلغ صيتها على الصعيد الدولي درجة كبيرة، سيما بعد سعيها الحثيث لإدخال بلادها لاتفيا عضوا في الاتحاد الأوروبي وهو ما حدث بالفعل عام 2004 بالإضافة إلى عضوية حلف الناتو، لتخلص بلادها من تبعية ما يزيد عن خمسة عقود للدولة الروسية·
لم تقتصر شهرة فايرا فيكي في قدرتها بتحويل بلادها ذات الطبيعة الغناء -أكثر من ثلاثة آلاف بحيرة و12 ألف نهر- إلى دولة أوروبية، ولكنها أيضا اشتهرت بكونها اشد الناقدين لروسيا وأكثرهم صراحة· المثير بالفعل هو التوتر الذي زادت درجته بعد انضمام دول البلطيق إلى الاتحاد الأوروبي، فبين إبعاد الدبلوماسيين ومنع منح التأشيرات لمواطني كلا الطرفين واستغلال الفرص لنقد الآخر اشتعلت العلاقات الروسية الاتفية، ففي التاسع عشر من مايو العام 2004 أعلنت الخارجية الروسية على إجراء لاتفيي منع على أساسه منح احد دبلوماسي روسيا من دخولها بالقول: إن هذه الخطوة غير الودية بشكل سافر لا يمكن أن تولد سوى الأسف الشديد لأنها تقود إلى تأزم العلاقات الثنائية بل وحملت ريغا العاصمة اللاتفية المسؤولية الكاملة لما يمكن أن تستخلصه روسيا من استنتاجات· كما ظلت روسيا ترفض دائما طلب ريغا تعويضها عن سنوات الاحتلال السوفييتي·
ظلت لذلك علاقة لاتفيا وليتوانيا وإستونيا متوترة مع روسيا، ولذا كانت دعوة موسكو لهما لحضور حفل ذكرى انتصار الحلفاء على النازية مرفوضة تماما، فقد رفض فالداس أدامكوس الرئيس الليتواني والإستوني أرنولد ريتيل دعوة روسيا الرسمية، أما فايرا فيكي التي كانت قد رفضت الدعوة بداية إلا أنها عادت وقبلتها، بقولها: أنها ستحضر هذه المناسبة لإطلاع العالم على حقيقة ما جرى فعليا إبان الحرب العالمية الثانية من ممارسات الاحتلال السوفييتي في دول البلطيق !!·
مثلت زيارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش إلى لاتفيا -كما تقول الرئيسة فايرا فيكي معنى مضاعف لانتهاء الحرب العالمية الثانية، أحد تلك المعاني النصر على النازية، والآخر النصر على الشيوعية الاستبدادية· فمن وجهة نظر الرئيسة اللاتفية -كما عبرت عنها لوسائل الإعلام- في حين اعتبرت نهاية الحرب العالمية الثانية لبعض الأمم الحرية، عنت لآخرين ومنهم لاتفيا السقوط تحت ظلم وسطوة وسيطرة أمم أخرى · مستطردة ذلك بقولها: التحرير الحقيقي الذي عرفته لاتفيا هو بعد سقوط وانهيار الاتحاد السوفييتي، تلك الأحداث فقط هي ما يمكننا أن نحتفل بها، وقتها حدث التحرير الكامل ·
ويبدو أن إصرار الرئيسة اللاتفية فايرا فيكي فربيرجا على موقفها بأن انتهاء الحرب العالمية الثانية لا يمثل سوى مرحلة سيطرة جديدة على بلادها، وأن الحديث عن الحرية بعد الحرب لا ينطبق على أمتها، بل وتماديها في التأكيد على أن الحكم النازي يقارب الحكم السوفييتي لبلادها، بل وتأكيدها على مطالبة بلادها وكل من دولة استوانيا وليتوانيا من روسيا الاعتذار عن سنوات الاحتلال والسيطرة التي امتدت منذ ابتداء الحرب وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي عام ،1991 قد أثار الروس سيما الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين الذي صرح قبل استضافة بلاده الحفل، ورفضه الاعتذار عن تلك السنوات، بل وأتهم لاتفيا بالعنصرية·
توبة وندم
لم يكن اتهام الرئيس الروسي فلاديمير بوتي لـ لاتفيا وهجومه عليها بالدولة العنصرية نتيجة فقط لما طالبت به رئيستها فايرا فيكي من اعتذار، ففي لاتفيا يشكل الروس 30 بالمائة من التركيب الديموغرافي للبلاد، وهو ما يؤكد عليه بوتين بأن الروس هناك يعانون تمييزا عن باقي السكان، ويصرح بذلك بتأكيده على أن ما تطالب به حكومات دول البلطيق لاتفيا واستوانيا وليتوانيا إنما تسعى من خلاله إبعاد الأنظار عن ما يعانيه الروس هناك من عنصرية·!
وقد برهن على ذلك بأن الاعتذار الذي تطالب به حكومات البلطيق، كان قد حدث عندما أقر مؤتمر نواب الشعب عام 1989 اقتسام مناطق النفوذ بين روسيا في عهد ستالين وألمانيا في عهد هتلر كان خطأ تاريخيا، وبناء على هذا يبدو طلب التوبة والندم غير مبرر· وفي هذا الشأن أشار صراحة أن هذه الادعاءات تتسم بطابع استفزازي، وهي محاولة لصرف النظر عن انتهاكاتهم لحقوق الأقليات الناطقة بالروسية، في الوقت الذي يتمتع فيه الموالون للتوجهات الهتلرية بحقوق إقامة نصبهم التذكارية ولقاءاتهم الجماهيريةف، مؤكدا أن قوات بلاده في الحرب العالمية الثانية لم تحرر الوطن فقط فبل حررت 11 دولة أوروبية بينهم دول البلطيق أيضا ·
لم يشأ الروس إطلاقا أن يعكر عليهم أحد فرحهم بذكرى انتصارهم على النازية حتى لو كان هذا النصر عمره ستون عاما، سيما في الوقت الذي تشهد فيه بلادهم تراجعا من قوى دولية رئيسية بجانب الولايات المتحدة الأميركية إلى خانة في مؤخرة الدول الرئيسية الفاعلة على الصعيد الدولي بعد تصاعد قوى جيرانها الأوروبيون، وبعد بدء حركات التحلل من الولاء لها في ولاياتها السابقة بجورجيا وأوكرانيا وقرغيزيا!·
في هذا الوقت بالذات كان التواجد الأميركي في دول البلطيق أكثر حضورا وتأثيرا، فقد كانت زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش في التاسع من مايو الجاري 2005 لعاصمة دولة لاتفيا ريغا ، بل وحضورا بليغا بعدما اعتبرها دولة نموذجا للحرية والديمقراطية ، وذلك قبل توجهه إلى موسكو في العاشر من مايو لحضور مراسم احتفال -شارك فيه خمسون رئيس دولة وحكومة- ذكرى انتصار الحلفاء على ألمانيا النازية في مايو عام ·1945
ورغم قناعة جميع المدعوين للاحتفال الذي شارك في حمايته 7 آلاف فرد من القوات المسلحة الروسية بأن الانتصار الذي حققه الحلفاء على النازية فتح الباب لحياة جديدة في القارة الأوروبية، غير أنهم اختلفوا حول حقيقة العهد الجديد الذي عاشته بعض الأمم بعد انتهاء الحرب، سيما الدول الشرقية ودول البلطيق· وهي الحقيقة التي تحاول روسيا تجاوزها بتذكير الجميع -كما ورد على لسان رئيسها بوتين - بأن حصتها من ضحايا الحرب والتي بلغت 27 مليون قتيل، أي ما يزيد عن خسائر بقية دول الحلفاء مجتمعة، وأكثر من نصف قتلى الحرب· ورغم خسارتها الفادحة ودورها الكبير في تخليص أوروبا من النازية -التي أكدتها روسيا بالأرقام أمام جموع المحتفلين بالذكرى الستين على انتصار النازية-، لن تقنع دول البلطيق سيما لاتفيا التي ترى فيما حققته روسيا منذ ستين عاما نقطة سوداء في تاريخها الوطني، كونه مرحلة في نظرهم اشد قبحا من الاحتلال النازي· ولذا فقبول الرئيسة اللاتفية حضور الاحتفال رغم كل هذا إنما قد يجعل البعض يعيد التفكير في المثل اللاتفي، فقد تكون هناك سكاكين تشحذ في مكان ما!!·

اقرأ أيضا

مصر تسجل 40 حالة إصابة جديدة بـ«كورونا» و6 وفيات